الإقليمية، تتكثف التحركات الدبلوماسية الدولية سعيا لاحتواء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وسط مخاوف متزايدة من دخول المنطقة في حرب مفتوحة وواسعة النطاق قد تتجاوز حدودها الجغرافية. وفي هذا السياق، برزت مبادرة مشتركة تقودها الصين وباكستان، في محاولة لإعادة إحياء المسار السياسي والدبلوماسي، واحتواء تداعيات التصعيد العسكري المتسارع.
وجاءت المبادرة عقب لقاء رفيع المستوى جمع وزير الخارجية الصيني وانغ يي بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في العاصمة بكين، حيث أكد الجانبان، وفق تصريحات رسمية، التزامهما بـ"بذل جهود جديدة" لدفع مسار محادثات السلام المرتبطة بإيران، إلى جانب تعزيز التنسيق الثنائي بشأن هذا الملف المعقد.
ووفق مراقبين فإنّ هذا اللقاء لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل يعكس تحولا في مقاربة كل من بكين وإسلام آباد للأزمات الإقليمية، إذ تسعى الدولتان إلى لعب دور أكثر تأثيرا في هندسة التوازنات السياسية، خاصة في ظل تراجع الثقة في الحلول العسكرية، وتزايد كلفتها الإنسانية والاقتصادية.
وقد أعلنت بكين، في أعقاب اللقاء، عن إطلاق مبادرة مشتركة تحت عنوان "استعادة السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط"، وهي مبادرة تحمل في طياتها تصورا متكاملا لاحتواء الأزمة، وتندرج ضمن جهود أوسع لوقف التصعيد ومنع تمدده إلى مناطق أخرى.
وقد شدد ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار خلال لقائه مع نظيره الصيني على ضرورة "تعزيز التواصل والتنسيق الاستراتيجي بشأن الوضع الإيراني"، والعمل على الدفع نحو مسارات سلمية قائمة على الحوار.
ووفق متابعين فإن هذا التحول في الدور الباكستاني يستند إلى مجموعة من العوامل، أبرزها موقعها الجغرافي القريب من بؤر التوتر، وعلاقاتها المتوازنة مع إيران من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى.
وفي إطار هذه الجهود، استضافت إسلام آباد اجتماعا رباعيا ضم وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا، في محاولة لتوسيع دائرة التشاور الإقليمي، وبحث سبل احتواء التصعيد وفتح قنوات للحوار.
خمس نقاط لإعادة التوازن
ووفق التقارير ترتكز المبادرة الصينية-الباكستانية على خمس نقاط رئيسية، تشكل إطاراً عاما لمعالجة الأزمة، وتعكس رؤية تقوم على أولوية الحلول السياسية:أولا الدعوة إلى وقف فوري وشامل للأعمال القتالية، باعتباره خطوة أساسية لتهيئة المناخ لأي تحرك دبلوماسي لاحق.ثانيا إطلاق مفاوضات سلام في أقرب وقت ممكن، بما يضمن عدم تحول التهدئة إلى حالة مؤقتة قابلة للانهيار.ثالثا التأكيد على أن الحوار والدبلوماسية يمثلان "الخيار الوحيد القابل للتطبيق" لحل النزاعات، في رفض واضح لمنطق القوة.رابعا التزام جميع الأطراف بعدم استخدام القوة أو التهديد بها خلال أي مسار تفاوضي، لضمان جدية العملية السياسية . خامسا وقف استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، بما في ذلك البنية التحتية الحيوية كمنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه، للحد من التداعيات الإنسانية.
ولا تقتصر المبادرة على الجوانب السياسية فقط، بل تمتد لتشمل أبعادا اقتصادية وأمنية، إذ تؤكد على ضرورة تأمين الممرات البحرية، وضمان "مرور آمن وسريع" للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.كما شدد الجانبان على أن أي تسوية دائمة يجب أن تستند إلى مبادئ الأمم المتحدة وميثاقها، بما يوفر إطاراً قانونياً يضمن استدامة الحلول ويمنع العودة إلى التصعيد.
مبادرات موازية
بالتوازي مع هذه المبادرة، كشفت تقارير إعلامية أن باكستان ساهمت في نقل مقترح أمريكي من 15 بندا إلى إيران، يتضمن مجموعة من الشروط المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، مثل التخلص من مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف عمليات التخصيب، وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى ترتيبات خاصة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، ووقف دعم طهران لحلفائها في المنطقة.
غير أن هذه الطروحات تصطدم بموقف إيراني واضح، يتمثل في رفض الدخول في أي مفاوضات في ظل استمرار العمليات العسكرية، حيث تؤكد طهران أنها لن تتفاوض تحت الضغط، ما يعكس فجوة عميقة بين مواقف الأطراف المختلفة، ويزيد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سريعة.
تصعيد ميداني
كما تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في أعقاب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت إيران في 28 فيفري الماضي، والتي شكلت نقطة تحول في مسار الأزمة، ورفعت مستوى التوتر إلى درجات غير مسبوقة.
ومنذ ذلك الحين، تتصاعد التحذيرات من احتمال انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع، خاصة في ظل التهديدات التي تطال أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية، نظرا لأهمية هذا الممر في نقل النفط والغاز.
ورغم أن الصين تُعد شريكا اقتصاديا رئيسيا لإيران، فإنها تحرص على الحفاظ على موقف متوازن، حيث تكتفي بالدعوة إلى وقف إطلاق النار وضبط النفس، دون الإعلان عن تقديم دعم عسكري مباشر. في المقابل، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد صرّح في وقت سابق بأن بلاده تتلقى تعاوناً عسكرياً من كل من روسيا والصين، وهو ما يضيف بعدا آخر إلى تعقيدات المشهد.
آفاق المبادرة
هذا وتعكس المبادرة الصينية-الباكستانية محاولة جادة لاحتواء حرب مرشحة لمزيد من التصعيد، في وقت تتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية بشكل غير مسبوق. غذ يرى مراقبون أنها تقدم إطارا سياسيا يمكن البناء عليه، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات كبيرة، أبرزها انعدام الثقة بين الأطراف، واستمرار العمليات العسكرية، وتضارب الأجندات الإقليمية والدولية.
وبينما تبدو الدعوات إلى الحوار والدبلوماسية منطقية وضرورية، فإن نجاح هذه المبادرة سيظل رهين مدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مسار تفاوضي جاد، يضع حدا لدائرة التصعيد، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية.
غارات أمريكية إسرائيلية
ميدانيا أصيبت مجمّعات صناعية للصلب في وسط إيران وجنوب غربها بأضرار جرّاء تَعَرُّضها لغارات أمريكية إسرائيلية، وفق ما أفادت وكالة فارس الإيرانية أمس الأربعاء.
ونقلت الوكالة عن بيان لشركة "مباركه" للصلب أن "المعلومات الأولية أفادت بأن هجمات واسعة النطاق تسببت في أضرار كبيرة ودمّرت وحدات إنتاج" في مجمّع الشركة الواقعة في محافظة أصفهان .
وأضافت أن الغارات وقعت ، واستهدفت المجمع في أصفهان بالإضافة إلى منشأة "سِفيد دَشْت" للفولاذ في محافظة جهارمحال وبختياري (جنوب غرب).
وأعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن هجوم نُفِّذ "باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة" شركة ألومنيوم البحرين "ألبا"، بالإضافة إلى هجوم آخر على شركة الإمارات للألمنيوم (إيمال) في الإمارات العربية المتحدة.وأكد الحرس الثوري أن الشركتين "تؤديان دورا مهما في إمداد الصناعات العسكرية الأميركية بفضل الاستثمارات ومساهمات شركات أمريكية".ويُعَدّ الفولاذ مادة استراتيجية بالغة الأهمية، وهو ضروري للإنتاج الصناعي والعسكري، وخصوصا في إنتاج الصواريخ والطائرات المسيَّرة والسفن.
اجتماع دولي بشأن أمن مضيق هرمز
في الاثناء أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن المملكة المتحدة ستستضيف هذا الأسبوع اجتماعا يضم أكثر من 30 دولة مستعدة للتحرك من أجل استعادة وضمان سلامة النقل البحري في مضيق هرمز.
وقال رئيس الوزراء البريطاني في مؤتمر صحافي في مقر رئاسة الوزراء في لندن "لقد جمعت المملكة المتحدة حتى الآن 35 دولة حول إعلان النوايا الذي أصدرناه للوقوف صفا واحدا من أجل الأمن البحري في الخليج. وفي وقت لاحق من هذا الأسبوع، ستستضيف وزيرة الخارجية (إيفيت كوبر) اجتماعا لهذه الدول للمرة الأولى".وأضاف ستارمر "خلال هذا الاجتماع، سنجري تقييما لجميع التدابير الدبلوماسية والسياسية المتاحة التي يمكننا اتخاذها لاستعادة حرية الملاحة، وضمان سلامة السفن والبحارة العالقين (في مضيق هرمز)، واستئناف تدفق السلع الحيوية".
وأوضح أن المناقشات ستُجرى أيضا على مستوى "المخططين العسكريين" في هذه الدول "لبحث كيفية حشد قدراتنا وجعل المضيق آمنا ومتاحا بمجرد انتهاء القتال".منذ بداية النزاع الذي اندلع في 28 فيفري جراء الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، أدى شلّ طهران شبه التام لمضيق هرمز الذي يمر عبره عادةً خُمس إنتاج النفط العالمي، فضلا عن الغاز الطبيعي المسال، إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات، ما كان له أثر اقتصادي عالمي.
وفي 19 مارس، أصدرت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان بيانا مشتركا أعلنت فيه استعدادها للمساهمة في الجهود المبذولة لتأمين مضيق هرمز. وانضمت إليها منذ ذلك الحين نحو ثلاثين دولة أخرى.وتجري هذه المناقشات تحت ضغط من الولايات المتحدة، إذ يحث الرئيس دونالد ترامب الدول التي تعتمد على الملاحة عبر مضيق هرمز على توحيد جهودها لفتحه.وينتقد ترامب باستمرار فرنسا والمملكة المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، متهما إياها بعدم تقديم الدعم الكافي للجيش الأمريكي في هذا الصراع.
ووصف ترامب في مقابلة مع صحيفة "ذي تلغراف" البريطانية حلف شمال الأطلسي مجددا بأنه "نمر من ورق".وقال ستارمر في مؤتمره الصحافي امس الأربعاء إن حلف شمال الأطلسي هو "التحالف العسكري الأكثر فاعلية الذي عرفه العالم على الإطلاق"، مشيرا إلى أن الناتو "يكفل أمننا منذ عقود، ونحن ملتزمون به كليا".
خسارة 12 مليون برميل نفط يوميا
على صعيد متصل قال فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، امس الأربعاء، إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تسببت في خسارة أكثر من 12 مليون برميل نفط يوميا.وأضاف بيرول خلال استضافته في بودكاست لصندوق الثروة السيادي النرويجي، إن الوكالة "تدرس إمكانية السحب من الاحتياطيات النفطية مجددا للحد من تقلبات الأسواق".
وأوضح أن "صدمة النفط الحالية أسوأ من أزمتي النفط في السبعينيات وأزمة الغاز الروسي عام 2022".وفي عام 1973، قررت الدول العربية تخفيضا فوريا لإنتاج النفط، لمواجهة استهداف إسرائيل للأراضي العربية، والضغط على الدول الغربية الداعمة لها، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتكبد الاقتصاد الأمريكي خسائر كبيرة، فيما أدت الاضطرابات في إيران عام 1979 إلى انخفاض إنتاجها النفطي وارتفاع الأسعار.
كما شهدت أسواق الغاز صدمة حادة وارتفاعا ملحوظا في الأسعار عقب الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، إذ أدت تداعياتها إلى توقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، إضافة إلى سلسلة تفجيرات استهدفت خطّي أنابيب الغاز "نورد ستريم 1 و2" المخصصين لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى القارة الأوروبية.
وبحسب بيرول، "نسبة تضرر أصول الطاقة الرئيسية في الشرق الأوسط بلغت نحو 40 بالمئة بسبب الحرب على إيران".وتوقع المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية "تفاقم أزمة النفط خلال افريل الحالي بسبب تواصل الحرب"، مشيرا إلى أنها تسببت حاليا "في خسارة أكثر من 12 مليون برميل يوميا".
وتشهد الأسواق العالمية تقلبات كبيرة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي ساهمت في ارتفاع أسعار النفط، ومستويات التضخم.ويتخوف المستثمرون من تفاقم حالة عدم اليقين بسبب استهداف منشآت طاقة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران.
وفي 2 مارس الماضي، أعلنت إيران تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، مهددة بمهاجمة أي سفن تحاول عبوره دون تنسيق.وتسبب إغلاق المضيق الذي يمر منه نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، في زيادة تكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار النفط، ما أثار مخاوف اقتصادية عالمية.
المرشد الإيراني يؤكد مواصلة دعم "حزب الله"
على صعيد آخر أكد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أن طهران ستواصل دعم "حزب الله" في مواجهته مع "إسرائيل".جاء ذلك في رسالة بعثها خامنئي،أمس الأربعاء، إلى الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، وفق مراسل الأناضول.
ووصف خامنئي الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما "أشد أعداء العالم الإسلامي"، مشيداً بدور حزب الله في لبنان.وقال مخاطبًا قاسم: "بوجودكم في طليعة المقاومة المباركة بلبنان، فإنكم تقودون هذه الحركة في هذه اللحظة الحساسة والتاريخية".
وشدد على أن طهران ستواصل دعمها لحزب الله، مبينًا أن "إيران تنتهج سياسة حازمة متمثلة في دعم المقاومة ضد العدو الصهيوني الأمريكي".
واتسعت رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إقليميا لتشمل لبنان في 2 مارس الماضي، بعد أن بدأت واشنطن وتل أبيب في 28 فيفري الفائت حربا متواصلة على البلاد، خلفت آلاف القتلى والجرحى بينهم المرشد علي خامنئي.
وفي 2 مارس المنصرم، هاجم "حزب الله"، حليف إيران، موقعا عسكريا شمالي إسرائيل، ردا على اعتداءاتها المتواصلة على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر 2024، واغتيالها خامنئي.
وبدأت ''إسرائيل''، في اليوم ذاته، هجومًا جديدا على لبنان، عبر غارات جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب البلاد وشرقها، كما شرعت يوم 3 مارس في توغل بري محدود بالجنوب.