المواجهة الإيرانية الأمريكية في هرمز: هل تنجح وساطة إسلام آباد في نزع فتيل الانفجار العالمي؟


تتجه أنظار العالم اليوم إلى العاصمة الباكستانية، التي تحولت إلى "غرفة عمليات دبلوماسية" في محاولة لإنهاء أعنف مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن منذ عقود. تلك الحرب التي اندلعت شرارتها في مارس الماضي ،لم تعد تقتصر على الاشتباك العسكري، بل تحولت إلى "حرب ممرات" تهدد بخنق الاقتصاد العالمي.
فبينما تفرض الولايات المتحدة حصارا بحريا صارما وتطارد الناقلات في المحيط الهندي آخرها "ماجستيك إكس" ، ترد طهران بسلاح "السيادة البحرية" عبر إغلاق مضيق هرمز وفرض رسوم عبور
هذا التصعيد يضع محادثات باكستان أمام تحدٍ مصيري، فإما الوصول إلى صيغة تضمن حرية الملاحة مقابل رفع الحصار، أو الانزلاق نحو حرب شاملة طويلة الأمد بدأت ملامحها تظهر في أزمة وقود عالمية غير مسبوقة وتهديد مباشر للأمن الغذائي لـ 30 مليون إنسان.
المسار الدبلوماسي
تقود باكستان وساطة مكوكية لتقريب وجهات النظر بعد "هدنة العشرة أيام" الهشة التي أعلنتها واشنطن. تتركز النقاط الخلافية في مطالبة طهران بضمانات أمنية ورفع كامل للحصار البحري، مقابل إصرار واشنطن على تفكيك شبكة الألغام الذكية في المضيق ووقف اعتراض السفن المرتبطة بحلفائها. يأتي ذلك فيما تتواصل "القرصنة القانونية" عبر استمرار عمليات الإنزال الجوي الأمريكي على السفن المشتبه بتهريبها للنفط الإيراني في أعالي البحار.
حرب الطاقة
واليوم من الواضح ان توقف إمدادات وقود الطائرات نحو أوروبا يهدد بشلل قطاع الطيران العالمي خلال أسابيع إذا لم تفضِ محادثات باكستان إلى انفراجة حقيقية تفتح المضيق.
تظل "مخرجات إسلام آباد" هي الخيط الرفيع الذي يمنع انهيار النظام الاقتصادي العالمي. فالعالم الذي فقد 0.8% من ناتجه المحلي في ثمانية أسابيع فقط، لن يتحمل فشل هذه المحادثات التي تجري تحت ظلال الألغام البحرية وصيحات الحرب.
المواجهة تتصاعد في هرمز
أكّدت طهران أن مضيق هرمز سيبقى مغلقا ما دام الحصار البحري الأمريكي على موانئها قائما، بينما أعلنت واشنطن أن لا مهلة محدّدة لتمديد وقف إطلاق النار، وأنها لن توقف حصارها في مياه الخليج، ما يثير مخاوف من تصعيد جديد هذه المرة في البحر.
وبينما لم يصدر أي تعليق واضح على التزام طهران بإعلان الرئيس الأمريكي تمديد وقف طلاق النار، أعلن دونالد ترامب أن لا مهلة محدّدة لتمديد وقف النار، فيما تبدو المحادثات التي تنتظر إسلام أباد استئنافها بين البلدين، معلّقة.
وفي ما يبدو تحديا للحصار الأمريكي، أعلنت طهران امس الخميس أنها حصّلت "أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز"، بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية عدة.
ونقلت وكالة أنباء "تسنيم" عن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي قوله "أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي". وكان الحرس الثوري الإيراني أعلن الأربعاء أن قواته البحرية اعترضت سفينتين ترفع إحداهما علم بنما والثانية علم ليبيريا "واقتادتهما إلى السواحل الإيرانية".
في المقابل، قالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" مساء الأربعاء أن قواتها أمرت 31 سفينة معظمها ناقلات نفط بالعودة إلى المرافئ التي أبحرت منها.
وذكرت هيئتان في المملكة المتحدة ترصدان حركة الملاحة البحرية الأربعاء أن ثلاث سفن تجارية أبلغت عن تعرّضها لحوادث في المضيق.
وبينما تعمل القوات البحرية الأميركية على منع حركة السفن المتوجّهة من وإلى الموانئ الإيرانية، تقوا طهران إنه يتعيّن على السفن الحصول على إذن لمغادرة مياه الخليج أو دخولها عبر هرمز.
شكل جديد للحرب
وتبدو المواجهة بالتالي بين إيران والولايات المتحدة وكأنها تتركّز حاليا حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فيفري، لا سيما أن ترامب أعلن بشكل أحادي تمديد وقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من افريل.
ورأى خبراء في مركز "صوفان" الأمريكي أن قادة إيران "يراهنون على أن الارتفاع المطوّل في أسعار الطاقة العالمية وتزايد النقص في بعض السلع سيمارس ضغطا متزايدا على ترامب لحمله على الرضوخ لمطالب إيران وإنهاء الحرب وصولا لسحب القوات الأمريكية من المنطقة".
في المقابل، يرى ترامب وفريقه أن الحصار على موانئ إيران "التي تُنقل عبرها جميع صادراتها النفطية، سيشلّ اقتصادها سريعا ويجبرها على قبول المطالب الأمريكية على طاولة التفاوض"، بحسب ما جاء في تقرير للمركز نُشر امس الخميس.
وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على منصة "إكس" الأربعاء "لا معنى لوقف كامل لإطلاق النار في ظل خرق متمثّل في الحصار البحري وأخذ الاقتصاد العالمي رهينة". وأضاف "لن تكون إعادة فتح مضيق هرمز ممكنة في ظلّ هذا الانتهاك الفاضح لوقف إطلاق النار". في واشنطن، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت لصحافيين إنّ الرئيس دونالد ترامب "لم يحدد موعدا نهائيا لتلقّي مقترح إيراني" بشأن إنهاء الحرب.
إجراءات أمنية متواصلة في إسلام آباد
رغم هذه الأجواء المتوترة، تتواصل الإجراءات الأمنية المشددة في العاصمة الباكستانية تحسبا لاحتمال عقد جولة ثانية من المفاوضات على أمل التوصل لمخرج ينهي الحرب، بعدما لم تسفر الجولة الأولى التي عقدت الأسبوع الماضي عن اتفاق.
وأدت هذه الإجراءات إلى اضطراب في حركة النقل في إسلام آباد وإغلاق الحي الذي تتركّز فيه المؤسسات الحكومية والمركز التجاري بشكل شبه كامل.
وبقيت المدارس في "المنطقة الحمراء" مغلقة بينما اعتمدت الجامعات التدريس عن بُعد. كما أخليت العديد من مساكن الطلاب والعمال.
الموقف البريطاني والفرنسي
عبر وزير الدفاع البريطاني جون هيلي ونظيرته ‌الفرنسية كاترين فوتران عن ثقتهما بإمكان إحراز تقدم حقيقي في قضية مضيق هرمز الحاسمة، وذلك في وقت يستضيف فيه البلدان اجتماعا مع مخططين عسكريين حول هذه القضية. وقالا في بيان مشترك أصدرته وزارة الدفاع البريطانية "تحويل الزخم الدبلوماسي إلى أفعال يتطلب تخطيطا دقيقا ومناقشات صريحة والتزامات قوية من الدول الحليفة والشريكة".
يأتي ذلك فيما سيطر الجيش الأمريكي على ناقلة نفط أخرى امس الخميس مرتبطة بتهريب النفط الإيراني. وقالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها سيطرت على ناقلة النفط ماجيستك اكس في المحيط الهندي. وأضافت وزارة الدفاع " سوف نستمر في إنفاذ القانون البحري عالميا لوقف الشبكات غير المشروعة و واعتراض السفن التي تقدم دعما ماديا لإيران أينما كانت". ونشرت وزارة الدفاع صورة للسيطرة على السفينة تظهر القوات الأمريكية على ظهرها. ولم يرد رد فوري من إيران على هذه الأنباء.
الحرب تدفع بأكثر من 30 مليونا للفقر
من جهته ،قال ألكسندر دي كرو مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي امس الخميس إن أكثر من 30 مليون شخص سيعودون إلى ‌الفقر جراء تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية التي تشمل انقطاع إمدادات الوقود والأسمدة في وقت يزرع فيه المزارعون المحاصيل.
وأضاف دي كرو لرويترز أن نقص الأسمدة، الذي تفاقم بسبب حظر مرور سفن الشحن عبر مضيق هرمز، أدى بالفعل إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية.

وذكر رئيس الوزراء البلجيكي السابق أن من المرجح تأثير ذلك على المحاصيل في وقت لاحق من العام الجاري. وقال "سيصل انعدام الأمن الغذائي إلى ذروته في غضون بضعة أشهر، ولا توجد حلول كثيرة لذلك"، وعدد آثارا أخرى للأزمة منها نقص الطاقة وتراجع التحويلات المالية. وتابع "حتى لو توقفت الحرب غدا، فإن تلك الآثار موجودة بالفعل، وستدفع بأكثر من 30 مليون شخص إلى الفقر". وتنتج معظم الأسمدة في الشرق الأوسط، ويمر ثلث الإمدادات العالمية عبر مضيق هرمز الذي تتنافس إيران والولايات المتحدة على السيطرة عليه.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، حذر البنك وصندوق النقد الدوليان وبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ‌من أن الحرب ستؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مما يزيد من الأعباء على الشعوب الأكثر ‌فقرا في العالم. وقال دي كرو إن الآثار المترتبة على الأزمة قضت بالفعل على ما يقدر بنحو 0.5 بالمئة إلى 0.8 بالمئة من الناتج المحلي ‌الإجمالي العالمي.
الطاقة الدولية تحذر من نفاد وقود الطائرات بأوروبا
حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، امس الخميس، من نفاد وقود الطائرات بأوروبا، خاصة أنها تحصل على حوالي 75 بالمئة من هذا الوقود من مصافي التكرير في الشرق الأوسط. وقال بيرول في مقابلة مع قناة "سي إن بي سي" الأمريكية إن أوروبا تحصل على نحو 75 بالمئة من وقود الطائرات من مصافي التكرير في الشرق الأوسط، مبيّنا أن هذه النسبة انخفضت الآن إلى الصفر تقريبا.
وأضاف أن أوروبا تحاول حاليا الحصول على هذا الوقود من الولايات المتحدة ونيجيريا، مضيفا أنها إذا لم تتمكن من تأمين واردات إضافية من تلك الدول الآن فستواجه صعوبات.
وأضاف: "نواجه أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ"، لافتا إلى أن الأسواق فقدت 13 مليون برميل من النفط يوميا، فضلا عن اضطرابات كبيرة في السلع الأساسية.
وأوضح أن الدول الأوروبية قد تضطر إلى اتخاذ قرارات للحد من حركة الطيران، في ظل الأزمة التي تواجهها بهذا الخصوص.
نزع ألغام هرمز
قدّرت وزارة الدفاع الأمريكية أن يستغرق نزع الألغام من مضيق هرمز مدة تصل إلى ستة أشهر، وهو ما سيؤثر على أسعار النفط عالميا، بحسب ما ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأربعاء، في تقرير نفاه متحدث باسم البنتاغون.
ونقلت الصحيفة عن ثلاثة مسؤولين في وزارة الدفاع أن "أعضاء الكونغرس أُبلغوا أن إيران ربما زرعت عشرين لغما أو أكثر في مضيق هرمز وما حوله".
وبحسب عرض سرّي قدّمه مسؤولون في وزارة الدفاع، وضع عدد من هذه الألغام باستخدام تقنية تحديد المواقع الجغرافية وهو ما يزيد من صعوبة اكتشافها، ووضع العدد الآخر باستخدام زوارق صغيرة. الا أن متحدثا باسم الوزارة نفى لوكالة فرانس برس صحة ما ورد في التقرير، منددا بـ"تسريبات خاطئة في جزء كبير منها، من إحاطة سرية ومغلقة". واعتبر أن ذلك ينمّ عن "صحافة غير صادقة". ورأى أن إغلاق المضيق لمدة ستة أشهر "مستحيل وغير مقبول على الإطلاق". غير أن مسألة تلغيم المضيق الذي يمرّ منه خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المُسال، مشوبة بنقص المعلومات الموثوقة.
وكان الحرس الثوري حذّر في منتصف افريل من وجود "منطقة خطرة" مساحتها 1400 كيلومتر مربع في مياه المضيق.
والأسبوع الماضي، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن طهران بصدد إزالة كل الألغام البحرية، لكن إيران لم تؤكد هذه المعلومات. أما شركات الشحن البحري فما زالت حذرة، وهي تحتاج إلى توضيحات بشأن المسارات الآمنة.
رسوم عبور
أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي امس الخميس أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي. ونقلت وكالة تسنيم للأنباء عن بابائي قوله إن "أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي". وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية.
يأتي ذلك فيما أكد مدير وكالة الطاقة الدولية بأن الحرب تسبب في أزمة طاقة و فقدان حتى الآن 13 مليون برميل من النفط يوميا.
الأزمة في أرقام
خسائر إمدادات النفط تبلغ 13 مليون برميل فقدتها الأسواق يوميا
أزمة تهدد الطيران الأوروبي بسبب نقص وصول وقود الطائرات من الشرق الأوسط
الأمن الغذائي ... 30 مليون شخص مهددون بالفقر جراء تعطل سلاسل الأسمدة
الاستهدافات البحرية ... 29 سفينة أجبرها الجيش الأمريكي على تغيير مسارها مؤخرا

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115