دمشق وكييف ... تحالف الواقعية الجديدة على أنقاض النفوذ الروسي

تعد زيارة الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى دمشق

ولقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع، واحدة من أكثر التحولات الدراماتيكية في الجيوسياسية الشرق أوسطية منذ عقود. اذ لم تكن مجرد زيارة دبلوماسية، بل كانت إعلانا عن ملء "الفراغ الاستراتيجي" الذي خلفه انهيار نظام الأسد وتراجع الهيمنة الروسية.
بينما كانت المدافع الروسية لا تزال تدوي في أوكرانيا، اختار زيلينسكي أن يشن "هجوما دبلوماسيا" في قلب المنطقة التي كانت تعتبر لسنوات الحديقة الخلفية والمنصة العسكرية الأهم لموسكو في المتوسط .
لماذا سوريا الآن؟
بالنسبة لزيلينسكي، سوريا ليست مجرد دولة حليفة سابقة لخصمه بوتين، بل هي "الجبهة الثانية" التي يمكن من خلالها محاصرة النفوذ الروسي وتوجيه ضربة رمزية وعملية لمكانة الكرملين الدولية. تكمن أهمية سوريا لكييف في ثلاثة محاور . أولا تقويض النفوذ الروسي من خلال استغلال انشغال روسيا بحربها المنهكة وتراجع قدرتها على دعم حلفائها بعد سقوط الأسد. من الجلي أن زيلينسكي يسعى لتحويل القواعد التي كانت تنطلق منها الطائرات الروسية لقصف مدن أوكرانيا عبر التسهيلات اللوجستية إلى مراكز تعاون أوكراني-سوري.
المحور الثاني يتعلق بسوق التكنولوجيا العسكرية، اذ ان أوكرانيا تروج لنفسها كقوة عظمى في "حرب المسيّرات" والحرب الإلكترونية. سوريا الجديدة، التي تبحث عن مصالحها بعيدا عن التحالفات القديمة مع روسيا ، تمثل الزبون المثالي لهذه الخبرات الأوكرانية.
وعلى صعيد متصل يمثل الأمن الغذائي أداة سياسية لاوكرانيا . فالقمح الأوكراني هو "الدبلوماسية الناعمة" التي تفتح أبواب دمشق. ففي بلد يعاني من أزمة خبز حادة، يقدم زيلينسكي القمح كعربون صداقة يضمن له ولاء شعبيا وسياسيا يتجاوز التحالفات العسكرية العابرة.
"التوازن الحذر"
في المقابل، يرى البعض ان الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، يتبنى عقيدة سياسية تقوم على تعدد الأقطاب.. فالشرع لا يريد الصدام المباشر مع روسيا، لكنه يسعى بوضوح لتحويل الوجود الروسي من "وصاية عسكرية" إلى "شراكة فنية". وليس أدل على ذلك من تصريحه في لندن حول تحويل القاعدتين الروسيتين إلى مراكز تدريب للجيش السوري .
ويتبع الشرع سياسة انفتاح استراتيجية نحو أوكرانيا . فهو يرى في أوكرانيا "بوابة تكنولوجية" وموردا حيويا بديلا عن الحليف الروسي القديم للنظام السابق. فالتقارب مع زيلينسكي يمنح دمشق شرعية دولية أكبر في المعسكر الغربي، ويقربها من المحور التركي-الخليجي الذي يدعم كييف بقوة.
المثلث الجديد
إن حضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في الاجتماع الثلاثي بدمشق يؤكد أن المنطقة أمام هندسة إقليمية جديدة. من خلال بناء تحالف ثلاثي يهدف إلى تأمين الممرات البحرية في البحر الأسود والمتوسط، وهو ما يخدم مصالح أوكرانيا التجارية وسوريا الاستيرادية.
لقد نجح زيلينسكي في اقتناص اللحظة التاريخية، محولا سوريا من ساحة كانت تستخدم لتهديد المصالح الغربية إلى منصة لترويج القوة الناعمة والصلبة الأوكرانية. أما سوريا "الشرع"، فهي تمارس اليوم سياسة "الواقعية الجديدة"، تفتح أبوابها لكل من يملك التكنولوجيا والقمح مثل كييف .
إن الموطئ الذي أخذه زيلينسكي في دمشق هو ضربة للنفوذ الروسي وبداية لمرحلة جديدة في سياق التحالفات الجيوسياسية وأبعادها الاقليمية .

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115