بين الطعن القضائي والجدل البرلماني والدعوة إلى التطبيق التدريجي: هل يتم تأجيل العمل الإجباري الشامل بالفوترة الإلكترونية إلى سنة 2027؟

يتواصل الجدل حول إلزامية تعميم الفوترة الإلكترونية

على مختلف مسدي الخدمات والمهن الحرة، في ظل تباين المواقف بين الحكومة وعدد من الهياكل المهنية والبرلمانيين، فبين مسار قضائي للطعن في المذكرة المشتركة عدد 2 لسنة 2026، ومبادرات تشريعية لتنقيح الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، وتصريحات رسمية تشير إلى إمكانية تأجيل التطبيق الشامل إلى سنة 2027، يبرز ملف الفوترة الإلكترونية كأحد أبرز الملفات المطروحة حاليا في ظل تصاعد النقاش حول مدى جاهزية المنظومة التقنية لتطبيقها .
وقد أودع فريق عن الهيئة الوطنية للمحامين، المتكون من غازي الجربي ومحمد الفاضل بن عمران ورمزي بن دية، بتاريخ 24 فيفري الجاري، عريضة دعوى لدى المحكمة الإدارية للطعن في إلغاء المذكرة العامة عدد 2 لسنة 2026، مع مطلب في توقيف تنفيذها، ويأتي هذا التحرك القضائي على خلفية ما اعتبره عدد من المهنيين مساسا بخصوصية بعض المهن الحرة، وفي مقدمتها مهنة المحاماة، خاصة من زاوية حماية المعطيات المهنية وسرية الملفات.
جلسة استماع برلمانية
بالتوازي مع المسار القضائي، عقدت لجنة المالية والميزانية بداية الأسبوع الجاري جلسة مشتركة مع لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، خصصت للاستماع إلى جهة المبادرة التشريعية بشأن مقترحي قانون يتعلقان بتمديد آجال الامتثال للواجبات الخاصة بالفوترة الإلكترونية وتنقيح الفصل 53. وأكد ممثلو جهة المبادرة أن الهدف من المقترح لا يتمثل في التراجع عن خيار الرقمنة بل في معالجة الصعوبات التقنية واللوجستية التي تعترض التطبيق الفوري للمنظومة في صيغتها الحالية. وأوضحوا أن تعميم الفوترة الإلكترونية يقتضي جاهزية شاملة للبنية التحتية الرقمية، وتأمينا سيبرانيا متقدما، ومنظومات للتحقق من الهوية الرقمية إضافة إلى تمكين المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الصغرى من الموارد التقنية والبشرية اللازمة. وأشاروا إلى أن المنظومة مطالبة بمعالجة ما يفوق 400 مليون فاتورة سنويا، في حين يتجاوز عدد الشركات المسجلة بالسجل الوطني للمؤسسات 800 ألف شركة، وهو ما يطرح تحديات كبيرة على مستوى المعالجة والتخزين وحماية المعطيات الشخصية والمهنية.
الجاهزية التقنية.. محل تساؤل
خلال النقاش، شدد عدد من النواب على ضرورة التثبت من مدى جاهزية المنظومات التقنية وضمان وضوح الإطار القانوني المنظم للمرحلة الانتقالية، مع التأكيد على تكافؤ الفرص بين المؤسسات التي انخرطت فعليا في النظام وتلك التي لا تزال تواجه صعوبات موضوعية. واعتبر بعض المتدخلين أن الفصل 53 لم يحظ بالحيز الكافي من الدرس أثناء مناقشة مشروع الميزانية، نظرا إلى نسق المصادقة السريع، في المقابل، أكد نواب آخرون أن وزارة المالية كانت قد أعلنت جاهزيتها لتطبيقه. كما ذكر عدد من النواب بأن العمل بالفوترة الإلكترونية انطلق منذ سنة 2016، وأن شبكة تونس للتجارة تطبق هذا النظام منذ سنوات لفائدة الشركات الناشطة في مجال التجارة الخارجية، معتبرين أن الإشكال لا يتعلق بمبدأ المنظومة بقدر ما يرتبط باستكمال جاهزية الهياكل التنفيذية.
توجه نحو التأجيل
وقد أفاد رئيس لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب النائب ماهر الكتاري، بوجود توجه لتأجيل العمل الإجباري الشامل بنظام الفوترة الإلكترونية إلى سنة 2027. وأوضح أن التطبيق سيقتصر في مرحلة أولى على الشركات التي تحقق رقم معاملات سنوي يفوق 20 مليون دينار، مشيرا إلى أن عددها لا يتجاوز 2000 شركة، من بينها 800 تعتمد الفوترة الإلكترونية حاليا. وأضاف أنه سيتم لاحقا توسيع دائرة الإلزام لتشمل الشركات التي يفوق رقم معاملاتها 5 ملايين دينار سنويا. وبين النائب في تصريح لجوهرة أف أم أن عدد مطالب الانخراط في المنظومة بلغ 10 آلاف مطلب، في حين لم تتم دراسة سوى نحو 1000 ملف إلى حدود 10 فيفري الجاري، بسبب كثافة الطلبات مقارنة بالإمكانيات البشرية المتاحة.
الفصل 53 ومجال التطبيق
وكانت وزارة المالية قد أعلنت توسيع مجال التعامل بنظام الفوترة الإلكترونية ليشمل عمليات إسداء الخدمات، استنادا إلى الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 والمتعلق بقانون المالية لسنة 2026، والذي ينص على إخضاع جميع عمليات إسداء الخدمات للفوترة الإلكترونية بداية من 1 جانفي 2026. ويشمل الإجراء مسدي الخدمات والمهن الحرة ومشغلي الاتصالات ومؤسسات التأمين والنزل وقطاع النقل والمهن الصغرى وذلك بقطع النظر عن قيمة الفاتورة أو حجم المؤسسة أو نظامها الجبائي.
مقترح لتنقيح الفصل 53
في المقابل، أودع عدد من النواب مقترح قانون لتنقيح الفصل 53، يهدف إلى الحد من مجال تطبيق الفوترة الإلكترونية في مرحلة أولى واقتصارها على المؤسسات الكبرى الراجعة بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى، بما يضمن التدرج في التطبيق. وينص المقترح على إعداد تقرير مشترك من قبل الوزارات المكلفة بالمالية والاقتصاد والتجارة وتكنولوجيات الاتصال، يعرض على مجلس نواب الشعب في أجل أقصاه 30 يوما من دخول القانون حيز النفاذ، ويتضمن تقييما للجاهزية التقنية والتنظيمية، والكلفة المالية، ومتطلبات البنية التحتية والموارد البشرية، إضافة إلى تقييم منظومات حماية المعطيات الشخصية واقتراح روزنامة مرحلية لتعميم الفوترة الإلكترونية.
ويذكر أن عمادة الأطباء بدورها كانت قد دعت إلى تعليق تطبيق المذكرة المتعلقة بالفوترة الإلكترونية في القطاع الطبي، محذرة من انعكاساتها على السر الطبي وحماية المعطيات الصحية، إضافة إلى ما وصفته بالطابع الفجئي للإجراءات. وأكد المجلس الوطني لعمادة الأطباء أنه راسل السلطات المعنية للتنبيه إلى المخاطر المحتملة التي قد تمسّ بسرية المعطيات الصحية، مشددا على ضرورة فتح حوار جدي وبناء يراعي خصوصيات الممارسة الطبية واستقرار المنظومة الصحية.
في انتظار الحسم التشريعي أو القضائي
ترتفع أصوات تطالب بالتدرج وضمان الجاهزية قبل الإلزام الشامل، تفاديا لأي ارتباك ولكن يبقى الحسم النهائي رهين المسار التشريعي وما ستسفر عنه النقاشات البرلمانية والتقارير المرتقبة، إضافة إلى ما ستقرره الجهات القضائية بخصوص الطعون المرفوعة في الغرض.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115