يستفز الذاكرة كلما جاء الحديث عن تشغيل القاصرات في المنازل... وإن يمنع القانون تشغيل الأطفال، فإن نساء من مختلف الأعمار اضطررن للعمل المنزلي نتيجة مسارات اجتماعية واقتصادية ضيقة الأفق. وقد أظهرت بيانات أحدث دراسة أنّ العاملات المنزليات التونسيات غالبا ما ينحدرن من خلفيات فقر وهشاشة على غرار الانقطاع عن التعليم مبكرا، وضعف فرص العمل في الأحياء الشعبية والأرياف... فكيف يمكن قراءة هذه الظاهرة؟ وما السبيل لإخراجها من دائرة «العمل غير المصرّح به» نحو احترام الحقوق والكرامة؟
تحت عنوان "من الهشاشة البنيوية إلى قابلية الاستبعاد المنزلي: نحو إطار تعاقدي بديل للعاملات المنزليات في تونس"، قدّم أستاذ علم الاجتماع سفيان جاب الله دراسة كيفية حول العمل المنزلي في تونس. وقد أوضح الباحث منطلقات هذه الدراسة ونتائجها وتوصياتها خلال ورشة عمل من تنظيم منظمة "محامون بلا حدود".
"قابلية الاستعباد المنزلي" بين الحاجة واللاحماية
تناقش هذه الدراسة الكيفية الجديدة مصطلح «قابلية الاستعباد» في توصيف للظروف الهيكلية المتاحة للاستغلال الشديد، بعيدا عن حالات الاستعباد الصريح من الاتجار بالبشر أو الاحتجاز القسري. فالنتائج الميدانية لم تثبت وجود حالات «استعباد منزلي مكتملة الأركان» (كالحبس التام أو الظروف اللاإنسانية المفرطة)، لكن البيانات أكدت أن واقع العمل المنزلي في تونس ينشئ مساحة رمادية خطرة. وفي هذه الحدود تتحرّك العلاقات الإنتاجية بين شغل رسمي مؤقت وشغل غير معلن، ما يسهّل «الانزلاق» إلى استغلال أشد مع غياب تنظيم مؤسساتي.
وخلصت الدراسة إلى أنّ العاملات في المنزل هنّ في وضعية هشّة دائمة، حيث تتراوح أوضاعهن بين الاستغلال الشديد وبين حالات شبيهة بالاستعباد. مما يعني أنّ «قابلية الاستعباد» هي تعبير عن هذا الخطر البنيوي أمام ظروف عمل هشة تفتقر لآليات حماية كافية.
"المبادرة الذاتية المحمية": خيار بديل
عملت تونس أخيرا على تحديث إطارها القانوني للعمل المنزلي عبر إصدار القانون عدد 37 لسنة 2021، وهو خطوة إيجابية لمنع الاستغلال. لكن النظام القانوني لا يزال غير مكتمل على مستوى استكمال النصوص الترتيبية المتعلقة بالعقد النموذجي. ولا يتماشى بالكامل مع الواقع الميداني.
في مواجهة هذا الواقع المأزوم، تقدّم الدراسة المقترحة «نموذج المبادرة الذاتية المحمية» كإطار تعاقدي بديل واقعي ومرن للعاملات المنزليات. تقوم الفكرة الأساسية لهذا النموذج على الانتقال من العمل المنزلي الكامل غير المصرّح به إلى وضعية وسطية غير تقليدية، تتيح اعترافا قانونيا وبنيويا بأنّ العاملات المنزليات هن «عاملات مستقلّات» ومنظّمات ذاتيا. يتضمن «نموذج المبادرة الذاتية المحمية» عدة مكاسب على غرار التصنيف القانوني والاعتراف، والضمان الاجتماعي المبسّط، وعقود خدمات مؤطّرة ودعم تكويني ومؤسسي...
ولا يُلغي هذا النموذج إمكانية وجود عقود عمل تقليدية، لكنه يفتح مسارا بديلا للجزء الأكبر من القطاع الذي يعمل حاليا دون إطار واضح. فهو يمنح العائلات المستفيدة خدمات منظمة قانونيا، وفي المقابل يمنح العاملات كرامة وحقوقا تحدّ من الإهمال القانوني.
تدعو دراسة "من الهشاشة البنيوية إلى قابلية الاستبعاد المنزلي: نحو إطار تعاقدي بديل للعاملات المنزليات في تونس"، للإصلاح القانونيّ والاجتماعي من أجل تمتع العاملات المنزليات بحماية قانونية تضمن لهن وضعا اقتصاديا واضحا، وحماية اجتماعية فعّالة. وفي المحصلة، فإنّ إشراك هذه الفئة في الضمان الاجتماعي وتأمين حقها في الكرامة داخل الفضاء الأسري هو خطوة أساسية لإرساء ثقافة العدالة الاجتماعية.