لا كخاتمة بل كاستراحة بين حُلمين ووعد خفي بالعودة. هي دورة استثنائية تعطّرت بعبق خمسين سنة من الإبداع ومراكمة الجمال صلب المركز الوطني لفن العرائس. وهي دورة مجدّدة لم تكن كغيرها، لأنها أسست لأول مرة في تاريخ المهرجان مسابقة وطنية لأفضل عمل عرائسي تونسي اعترافا بالتميز والتفرد وتشجيعا للابتكار والخيال.
بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصّرارفي، احتضنت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء الأحد 08 فيفري 2026 اختتام الدورة السابعة لأيام قرطاج لفنون العرائس والتي رفعت شعار"ماريونات فن وحياة".
أيام من السحر والفكر... والخيال
على امتداد ثمانية أيام، لم تكن العرائس تتحرّك بالخيوط وحدها، بل بخيوط غير مرئية اسمها الشغف. 45 عرضا، 120 عرائسيا من 16 دولة، خمس ولايات فتحت مسارحها وقلوبها… أرقام قد تبدو إحصاءات على الورق، لكنها في الحقيقة وجوه وجهود وضحكات خلف الستار وعيون أطفال اتّسعت دهشة لأول مرة.
في حفل اختتام يليق بعراقة فنون العرائس تصورا ومحتوى وإخراجا، استعاد المدير العام للمركز الوطني لفن العرائس ومدير الدورة عماد المديوني، حصيلة أسبوع «نطق فيه الخشب»، وتحوّلت فيه العروسة من شكل إلى سؤال، ومن لعبة إلى مرآة. كما أكّد أن الرهان لم يكن على الفرجة وحدها، بل على ترسيخ فن العرائس كلغة إنسانية قادرة على مساءلة الواقع واستشراف المستقبل، خاصة في دورة تتزامن مع مرور خمسين سنة على تأسيس المركز الوطني لفن العرائس، خمسون سنة من الحكايات التي عبرت أجيالا دون أن تشيخ، ودون أن تفقد الشغف.
طيلة أسبوع من أيام قرطاج لفنون العرائس في العاصمة وفي الجهات، كان الركح يعانق الحكايات والشخصيات، بينما كانت وجوه الأطفال والكبار تتوهج بالدهشة والفرح. من عروض تقليدية إلى عروض معاصرة، أثبتت العرائس أنّ هذا الفن قادر على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.
لم تكن العروض وحدها نبض المهرجان، فقد احتضنت الدورة ورشات تكوينية وندوات فكرية ونقاشات نقدية، أعطت للفنانين والطلبة والهواة فرصة للتعلّم وتبادل الخبرات، ومكنّت الجمهور من التعرّف على أسرار هذا الفن الفريد، وتوسيع مداركهم حول العلاقة بين العرائس والمجتمع.
تتويج حسّان السلاّمي وحافظ خليفة
لأول مرة منذ تأسيسها وفي خطوة أولى من نوعها في تاريخ التظاهرة ، حملت الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس حدثا لافتا تمثّل في إطلاق مسابقة رسمية لأفضل عمل عرائسي تونسي. ولئن فتحت المسابقة باب التنافس الإبداعي وأضفت بعدا جديدا على برمجة المهرجان، فإنها أعلنت بوضوح عن دخول المهرجان مرحلة أكثر تنظيما واحتفاء بالتميّز الفني.
هذه المسابقة، التي أُحدثت بالشراكة مع مؤسسة مسرح أوبرا تونس، جاءت لتسلّط الضوء على الإنتاج الوطني في مجال فن العرائس، ولتمنح المبدعين مساحة اعتراف مستحق بجهودهم وتجاربهم، خاصة في ظل ما يشهده هذا الفن من تجديد على مستوى التقنيات والكتابة الركحية والرؤى الجمالية.
وقد عكست الأعمال التونسية المتنافسة تنوّع المقاربات الفنية بين الاشتغال على التراث والحكاية الشعبية، والانفتاح على قضايا معاصرة بلغة بصرية حديثة. وهو ما يؤكّد حيوية المشهد العرائسي التونسي وقدرته على التطوّر والتجريب.
وقد أسفرت نتائج لجنة التحكيم عن الفوز مناصفة بين مسرحيتي «النمل والسلام» لحسّان السلاّمي و«تيدينيت» لحافظ خليفة. وهذا التتويج بعث برسالة إيجابية إلى الفنانين والعرائسيين تتمثل في دعم التجارب الجادّة وتشجيع روح المنافسة الخلّاقة. وهو ممّا من شأنه تحفيز الفنانين على مزيد من البحث والابتكار، وبالتالي تعزيز مكانة أيام قرطاج لفنون العرائس كمنصّة إشعاع واعتراف واحتفاء بفنّ يحمل في بساطته عمقا إنسانيا نادرا.
لملمت أيام قرطاج لفنون العرائس قاعاتها وأوراقها، لكن العرائس لم تغادر الركح، بل بقيت أرواحها معلّقة في أعين الحاضرين، وفي ضحكات الأطفال ودهشة الكبار، وفي صمت الجمهور الذي يعرف أن ما شاهده كان أكثر من عرض… كان رحلة عبر خمسين سنة من الإبداع والتجربة الإنسانية. إنّ الدورة السابعة أكدت أن فنون العرائس لا تتوقف عن التجدد والتطور. وأنها ليست موجهة للأطفال فقط بل للجميع، للفنان الذي يبحث عن لغة جديدة، للجمهور الذي يتوق لحكاية تشبهه، وللعالم الذي يحتاج إلى لحظات من الدهشة والإنسانية. إنّ العرائس بخفتها وظرافتها، بخيوطها ورؤيتها، تُحرّك خيالنا وتغذي أملنا، وتذكّرنا دائما أن الفن الحقيقي يقترح ويؤثر ويفتح الآفاق.