يعود ملف الكراء المملّك ليتصدر جدول أعمال السلطة التشريعية والتنفيذية باعتباره إحدى الآليات التي تراهن عليها الدولة لإعادة إحياء دورها الاجتماعي في قطاع السكن، ويأتي تداول مشروعي القانونين المتعلقين بالشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية في هذا السياق، حيث استمعت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية أمس إلى وزير التجهيز والإسكان، الذي قدّم ملامح برنامج حكومي يرتكز على تمكين الباعثين العموميين من آليات جديدة للتصرّف في المساكن الاجتماعية، عبر البيع بالتقسيط أو الكراء الذي يكلّل بالتمليك وتستهدف أساسا الأجراء والطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل.
قدم وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري في لجنة التخطيط عرضا مفصلا حول خطة الوزارة لإنجاز مشاريع سكنية في إطار آلية الكراء المملّك، وذلك في سياق مناقشة مشروعي قانونين يهدفان إلى تدعيم الدور الاجتماعي للدولة في مجال السكن، ويتمثل مشروع القانون الأول في إتمام القانون الأساسي للشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية الموافق عليه بمقتضى القانون عدد 19 لسنة 1957، في حين يتعلّق المشروع الثاني بإتمام القانون عدد 53 لسنة 1977 الخاص بإحداث شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.
1213 مسكنا في القسط الأول
أوضح وزير التجهيز والإسكان أن القسط الأول من برنامج الكراء المملك يتكوّن من 1213 مسكنا، بكلفة جملية تقدّر بـ212 مليون دينار، على أن يتم إنجازها تدريجيا بداية من شهر فيفري الجاري، مع برمجة بعض المشاريع خلال سنتي 2027 و2028. وبيّن الوزير أن المساكن المزمع إنجازها تتوزّع بين مساكن فردية وأخرى جماعية، ويتراوح عدد الوحدات السكنية في كل مشروع بين 45 و193 مسكنا، حسب المساحة العقارية المتوفرة وطبيعة المشروع. وتشمل المرحلة الأولى من البرنامج ولايات منوبة وبن عروس وأريانة ونابل و بنزرت والقيروان وسوسة والقصرين وصفاقس وقابس وتوزر. وتتولى الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (السنيت) وفروعها إنجاز عدد من المشاريع، من بينها مشروعان بالمرناقية ومشروع بفوشانة، إضافة إلى مشروعين بوادي المرج وحي الجلاء من ولاية بنزرت، والذي يعدّ المشروع الوحيد المبرمج انطلاقه سنة 2028. كما تتعهد شركة سنيت الوسط بإنجاز مشاريع سوسة جوهرة، وسوسة سيدي عبد الحميد، ومشروع حي الخضراء بالزهور من ولاية القصرين، في حين تشرف شركة سنيت الجنوب على مشاريع طينة والصخيرة بصفاقس وبوشمة من ولاية قابس. من جهة أخرى، ستكون مشاريع ساقية الزيت، ورواد، وسليمان، ومدينة توزر في عهدة شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.
5000 مسكن بكلفة جملية تناهز 750 مليون دينار
ترتكز خطة الوزارة على إنجاز وحدات سكنية يتم التفويت فيها لفائدة الفئات محدودة ومتوسطة الدخل عبر آلية الكراء المُملّك أو البيع بالتقسيط، إلى جانب تهيئة مقاسم اجتماعية موجّهة بالأساس للفئات محدودة الدخل وقد شرعت في توفير رصيد عقاري من الأراضي الدولية بعدد من الجهات، يتم التفويت فيه بالدينار الرمزي لفائدة الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، بما يتيح إنجاز برامج سكنية اجتماعية وفق صيغ تمليك ميسرة. ويهدف مخطط التنمية 2026-2030 إلى إنجاز نحو 5000 مسكن بكلفة جملية تناهز 750 مليون دينار، على أن ينطلق القسط الأول سنة 2026 مع برمجة مشاريع لاحقة لتشمل تدريجيا كامل ولايات الجمهورية. هذا وتعمل الوزارة على إرساء منظومة رقمية شفافة لإسناد المساكن، عبر تركيز منصة إلكترونية لتسجيل مطالب الترشح وضبط القائمات بناء على مقاييس موضوعية وواضحة، ضمانا لتكافؤ الفرص ونزاهة عمليات الإسناد. وإلى جانب ذلك، يجري العمل على توفير رصيد عقاري إضافي يتم اقتناؤه بأسعار تفضيلية من قبل الوكالة العقارية للسكنى، بهدف تهيئة مقاسم اجتماعية جديدة لفائدة العائلات محدودة الدخل بعدد من الجهات.
فحوى مشروعي القانونين المتعلقين بالكراء المملّك
يندرج مشروعا القانونين والتي قدمتهما رئاسة الجمهورية منذ جويلية 2025 في إطار تدعيم الدور الاجتماعي للدولة في مجال السكن، وتمكين الفئات محدودة ومتوسطة الدخل من آليات ميسّرة لامتلاك مسكن لائق، وذلك عبر إقرار آلية الكراء المُملّك والبيع بالتقسيط بالنسبة للمساكن الاجتماعية. ويتعلق المشروع الأول بإتمام القانون الأساسي للشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية الموافق عليه بمقتضى القانون عدد 19 لسنة 1957 المؤرخ في 10 سبتمبر 1957. ويتضمّن فصلا وحيدا يضاف إلى الفصل الثالث من القانون المذكور، يُمكّن الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وفروعها من بيع المساكن الاجتماعية المموّلة من موارد صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء، إمّا بالتقسيط أو بمقتضى عقود الكراء المملّك، وهو ما لم يكن متاحا في الصيغة القانونية السابقة. ويهدف هذا التنقيح إلى تجاوز القيود الواردة بالفصل 6 من القانون عدد 39 لسنة 1998 المتعلق بالبيوعات بالتقسيط، والذي يحجّر بيع العقارات عن طريق تجزئة الثمن أو عبر الكراء المملّك بما يسمح بتعديل أسعار المساكن الاجتماعية وتيسير اقتنائها دون إثقال كاهل الشركة الوطنية العقارية.
توحيد الإطار القانوني
أما المشروع الثاني فيتعلّق بإتمام القانون عدد 53 لسنة 1977 المؤرخ في 3 أوت 1977 والمتعلّق بإحداث شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية. ويقضي هذا المشروع بإضافة فصل وحيد إلى الفصل الثاني من القانون، ينصّ صراحة على أن بيع المساكن الاجتماعية المموّلة من موارد صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء يتمّ إما بالتقسيط أو عبر عقود الكراء المملّك. ويهدف هذا المشروع إلى توحيد الإطار القانوني المنظم لتصرف الباعثين العقاريين العموميين في المساكن الاجتماعية وتمكين شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية من اعتماد نفس الآليات التيسيرية في التفويت في المساكن بما يعزز قدرتها على تنفيذ البرامج السكنية الموجهة للفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.
نحو تسريع المصادقة على الإطار القانوني
وقد أكد رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي صابر الجلاصي أن اللجنة تعمل على تسريع المصادقة على مشروعي القانونين، موضحا أن تقرير اللجنة سيحال خلال هذا الأسبوع إلى مكتب المجلس، على أن يعرض المشروعان على الجلسة العامة خلال الأيام القادمة. وشدّد الجلاصي في تصريح لـ"موزاييك" على أن قانون الكراء المملّك ينتظره عدد كبير من التونسيين، خاصة في ظل معطيات إحصائية تُفيد بأن 30 بالمائة من المواطنين لا يمتلكون مساكن، مبرزا أن اللجنة ستواصل الاهتمام بملف السكن والبحث عن آليات جديدة تُمكّن الطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل من امتلاك مسكن لائق.
انجاز أحياء جديدة في كامل أنحاء الجمهورية
ويأتي هذا التوجّه في سياق تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال استقباله يوم 2 فيفري الجاري لكل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير التجهيز والإسكان، على ضرورة معالجة الإخلالات المتراكمة في قطاع البنية التحتية والإسكان، والإسراع في إنجاز أحياء سكنية جديدة وفق تصوّرات عمرانية تستشرف المستقبل. كما تطرّق رئيس الجمهوريّة مجددا إلى الكراء المُملّك الذي تمّ إقراره، وأكّد على ضرورة الإسراع بإنجاز أحياء جديدة في كامل أنحاء الجمهورية عن طريق الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية أو عن طريق شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية وفق أمثلة عمرانية لا تأخذ في الاعتبار الوضع الحالي فحسب بل تقوم أيضا على استشراف للمستقبل. هذا وشدّد على أهمية المحاسبة وتغيير المنظومة التشريعية والفكرية التي تحكم هذا القطاع، معتبرا أن السكن ليس مجرد مشروع عمراني بل حق اجتماعي يتطلّب رؤية شاملة وعدالة في التوزيع وحسن تصرّف في المال العام.
- البرنامج يستهدف أساسا الأجراء والطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل و1213 مسكنا قي القسط الأول مع برمجة مشاريع لاحقة لتشمل تدريجيا كامل الولايات
لجنة التخطيط تسرّع النظر في قوانين الكراء المملك: تشريعات جديدة و برنامج حكومي لإعادة تفعيل الدور الاجتماعي للدولة في السكن
في ظلّ تعمّق أزمة السكن وارتفاع كلفة الاقتناء المباشر
آخر مقالات دنيا حفصة
- جامعة التعليم الثانوي تعيد ترتيب تحركاتها النضالية: إلغاء مقاطعة التقييمات مقابل الدخول في إضرابات إقليمية لـ3 أيام
- نشطاء سياسيون ومدنيون وصحفيون ومثقفون يطلقون: عريضة مواطنية تمهّد لتحرّك وطني دفاعا عن حرية التعبير واستقلال الإعلام
- 28 نائبا يودعون لائحة لسحب الثقة من رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم: تحرك غير مسبوق تحت قبة الغرفة التشريعية الثانية يكشف عن أزمة داخلية
- هيئة إدارية للتعليم الثانوي يوم الاثنين القادم للبحث في الأزمة القطاعية: بعد مقاطعة كافة الامتحانات..ما القرارات الجديدة ؟
- تواصل الجدل حول الفوترة الإلكترونية: هيئة المحامين تعتزم رفع دعوى في الإلغاء
Leave a comment
Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.