تواصل الجدل حول الفوترة الإلكترونية: هيئة المحامين تعتزم رفع دعوى في الإلغاء

رغم دخول الفوترة الإلكترونية حيّز التطبيق الإجباري

منذ غرة جانفي الجاري، ما يزال الجدل محتدما في الأوساط المهنية بشأن تداعيات هذا الإجراء وحدود تنزيله خاصة بعد صدور المذكرة العامة عدد 2 لسنة 2026 التي وسّعت مجال تطبيقه ليشمل إسداء الخدمات والمهن الحرة. وقد تحوّل هذا المسار إلى محور خلاف متصاعد في ظل اتساع قائمة المطالبين بتعليق العمل بها مؤقتا إلى حين توفير إطار تشاركي واضح يوازن بين الأهداف وخصوصيات المهن الحرة.
تتعالى الأصوات الداعية لتأجيل تطبيق الفوترة الإلكترونية من قبل المحامين والأطباء والبيولوجيين الخواص، معتبرة أنّه أغفل خصوصيات المهن الحرة غير التجارية، وتجاهل الفوارق القانونية بين الفاتورة ومذكرة الأتعاب فضلا عن المخاطر المتصلة بحماية المعطيات الشخصية والمهنية. وقد كشف هذا الجدل عن أزمة غياب التشاور وهو ما فتح الباب أمام مطالب متزايدة بتعليق العمل بالإجراء أو مراجعته، إلى حين صياغة إطار قانوني وتطبيقي أكثر تدرجا وتوافقا.
موجة متصاعدة من الاعتراض من المهن الحرة
اعتماد الفوترة الإلكترونية كآلية إلزامية ووحيدة للاعتراف بالفواتير لأغراض جبائية وذلك طبقًا لما نصّ عليه الفصل 71 من قانون المالية لسنة 2026 والفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المتعلّق بقانون المالية لسنة 2026، قوبل بموجة متصاعدة من التحفّظ والاعتراض من قبل عدد من المهن الحرة، خاصة في القطاعين الصحي والقانوني، حيث عبّرت النقابة التونسية للبيولوجيين الخواص، في بيان لها عن بالغ انشغالها إزاء ما ورد بالمذكرة العامة عدد 2 لسنة 2026 المتعلقة بتطبيق أحكام الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، والقاضية بتوسيع وجوبية الفوترة الإلكترونية لتشمل إسداء الخدمات. وذكرت النقابة بأن المهن الحرة غير التجارية، ولا سيما المهن الصحية لا تصدر فواتير تجارية بل مذكرات أتعاب، وذلك طبقًا للتشريع الجبائي الجاري به العمل، كما هو منصوص عليه بالفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة والفصل 22 من قانون المالية لسنة 2016.
فوارق بين الفوترة ومذكرات أتعاب
وطالبت النقابة بتعليق التطبيق الإجباري للفوترة الإلكترونية أو تأجيله على الأقل، بالنسبة إلى مخابر البيولوجيا الطبية التي تصدر حصريا مذكرات أتعاب، داعية في الآن ذاته إلى فتح حوار بين جميع الأطراف المعنية، تكريسًا لروح القانون الجبائي القائمة على الإنصاف بدل التطبيق الحرفي للنصوص، مع الدعوة إلى إصدار فقه إداري يوضح الفوارق والحدود القانونية بين الفاتورة ومذكرة الأتعاب. كما طالبت النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص بتعليق العمل بالمذكرة العامة عدد 2 في صيغتها الحالية، داعية إلى فتح حوار جدي ومسؤول يراعي خصوصيات المهنة الطبية. وأكدت النقابة أن الفوترة الإلكترونية، بصيغتها المعتمدة، ما تزال تطرح إشكاليات حقيقية تتعلق بطبيعة مذكرة الأتعاب الطبية التي لم يُنصّ عليها صراحة في الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، إضافة إلى متطلبات السر المهني وحماية المعطيات الشخصية للمريض. واعتبرت أن هذه الإجراءات ستثقل كاهل العيادات الطبية بأعباء مالية وإدارية إضافية مما قد ينعكس سلبا على جودة الخدمات الصحية.
دعوة إلى فتح حوار
وفي السياق ذاته، كانت عمادة الأطباء قد أفادت أنّ المجلس الوطني بادر بمراسلة السلطات المعنية للتنبيه إلى المخاطر التي تهدّد السر الطبي وحماية المعطيات الصحية، وإلى الطابع الفجئي لتطبيق هذه الإجراءات على الممارسة الطبية. ورغم تأكيده دعمه لمسار التحديث والشفافية الجبائية، شدّد المجلس على ضرورة تعليق تطبيق هذه الإجراءات في القطاع الطبي وفتح حوار مؤسسي عاجل يراعي مصلحة المرضى والأطباء، محذرا من أن غياب التشاور والآجال الواقعية قد يدفع بعض الأطباء إلى التوقف عن النشاط ويؤثر سلبا في حق المواطن في النفاذ إلى الرعاية الصحية.
رفع دعوى قضائية للطعن في المذكرة العامة عدد 2
من جهتها، أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين عن عزمها رفع دعوى قضائية للطعن في المذكرة العامة عدد 2 لسنة 2026، معتبرة أنّها تشكل مخالفة صريحة للقانون وقد جاء بنظام جديد لم يرد به القانون وغير قابل للتطبيق، ولا تندرج في إطار التفسير القانوني، بل تُحدث التزامات جديدة لا سند لها في النصوص التشريعية. وحملت الهيئة الإدارة وسلطة الإشراف عليها مسؤولية ما قد ينجرّ عن هذا الإجراء من تعطيلات واضطرابات تمس معاملات المحامين مع المؤسسات العامة والخاصة، ومن مساس باستقلالية المهنة واحترام السر المهني، خاصة في ظل تغييب الإطار التشاوري، وعلى رأسه المجلس الوطني للجباية، عن كامل مسار إعداد النصوص القانونية والمقررات التطبيقية. وأكدت الهيئة تمسكها بحماية استقلالية المهنة، مع احتفاظها بحقها في اتخاذ مختلف الأشكال النضالية المشروعة، بالتوازي مع التنسيق مع بقية المهن الحرة المتضررة.
مقترح قانون لتنقيح الفصل 53
على المستوى التشريعي، أودع عدد من النوّاب منذ أيام مقترح قانون يهدف إلى الحد من مجال تطبيق الفوترة الإلكترونية في مرحلة أولى، واقتصارها على المؤسسات الكبرى، بما يضمن التدرج في التطبيق، ويتيح للإدارة الجبائية استكمال جاهزيتها التقنية والتنظيمية مع إعداد تقرير حكومي مشترك يقيّم الكلفة والبنية التحتية وحماية المعطيات الشخصية ويقترح روزنامة مرحلية واقعية لتعميم الفوترة الإلكترونية على قطاع الخدمات. وقد أكد النائب بمجلس نواب الشعب ثابت العابد في تصريح لـ"المغرب" أنّ مقترح تنقيح الفصل 53، المقدم من قبل مجموعة من النواب، يندرج في صميم المسؤولية التشريعية الهادفة إلى تصويب النصوص القانونية عند بروز إشكاليات في تطبيقها. وأكد أنّ هذا التعديل لا يمثّل تراجعا عن خيار الفوترة الإلكترونية أو مسار الرقمنة، بل يهدف إلى اعتماد مبدأ التدرج والعقلانية في التطبيق، مشيرا إلى أن المؤسسات الكبرى قادرة بحكم إمكانياتها على الانخراط الفوري، في حين قد يؤدي فرض نفس الالتزامات بشكل فجئي على بقية المتدخلين إلى نتائج عكسية، فضلا عن الإشكاليات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية والمهنية في قطاع الخدمات.
ويُذكر أنّ وزارة المالية كانت قد أعلنت خلال الشهر الجاري توسيع مجال التعامل بنظام الفوترة الإلكترونية ليشمل عمليات إسداء الخدمات، مع إقرار إجبارية اعتمادها على جميع مسدي الخدمات، بما في ذلك المهن الحرة ومشغلي الاتصالات ومؤسّسات التأمين والنزل والنقل والمهن الصغرى، بقطع النظر عن قيمة الفاتورة، وحجم المؤسّسة وطبيعة النظام الجبائي، المطبق عليها. هذا وتشمل التعديلات أصحاب المهن الحرة (مثل الأطباء) المطالبين بإصدار مذكرات أتعاب إلكترونية، ويجب أن تمر الفواتير عبر المنظومة الرسمية.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115