التي شهدت استعمالًا مباشرًا أو غير مباشر للقوة من قبل قوى كبرى، تجاوز الثنائية الأخلاقية المبسّطة التي تقابل بين «القانون» و«العنف» أو بين «الشرعية» و«الخرق»، لأن مثل هذه الثنائية، مهما بدا بريقها المعياري واضحًا، تميل إلى حجب التاريخ الفعلي الذي تشكّل فيه القانون الدولي كمنظومة حديثة، حيث لم يقم القانون في تعارض جوهري مع القوة، بل قام بوصفه آلية لإدارتها وإعادة توزيعها وترشيد استعمالاتها ضمن سقف مؤسساتي يَزعم الحياد والكونية. بهذا التصوّر، تغدو ممارسة القوة في سياقات مثل فنزويلا مؤشرًا لا على انهيار القانون الدولي أو مغادرته، بل على اشتغال بنيته الداخلية وحدودها؛ فالقانون، حين تتم مخاطبته بمنطق «الأمن» و«الضرورة»، لا يُلغى بل يُعاد تأويله في اتجاه يتيح تبرير إجراءات استثنائية تُقدَّم بوصفها وسائل مؤقتة لحماية النظام القانوني ذاته، بينما تُطبع هذه الوسائل المؤقتة وتستقر كأفق دائم مع مرور الزمن وتكرار الأزمات.
من منظور الفهم التقني للقانون الدولي كما تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، يمكن القول إن هذا القانون لم يُصمَّم كمنظومة عدالة كونية صلبة قائمة حصريًا على مساواة سيادية مجردة، بل كمنظومة براغماتية لإدارة الاستقرار الدولي ولو على حساب مساواة الشكل، ويكفي النظر إلى بنية ميثاق الأمم المتحدة كي نرى كيف أُدرجت «الضرورة» و«الدفاع عن النفس» و«تهديد السلم والأمن الدوليين» ضمن آليات عمل مجلس الأمن في الفصل السابع، حيث تُعطى الدول دافعًا لتوسيع تفسير الدفاع عن النفس (المادة 51) أو لتعزيز خطاب «الوقاية» و«التدابير المؤقتة» حين تُقرّر الهيئات المختصة أن الوضع يبلغ حدّ تهديد السلم. هذا الإدراج المؤسسي لمفاهيم الاستثناء، من قبيل الضرورة والحالة الطارئة، لا يُعدّ إضافات طارئة على القانون بل مكوّنات بنيوية فيه، ما يجعل الاستثناء جزءًا من قواعد اللعبة القانونية لا خروجًا عليها؛ وعلى هذا الأساس، غدت تقنيات مثل العقوبات أحادية الجانب، وتسيير الاعترافات السياسية في أوقات الأزمات، وتوسيع مفهوم «العجز أو عدم الرغبة» (unable or unwilling) لتبرير عمليات عبر الحدود، أدوات قانونية تُجرى عليها عمليات تبرير منهجية باسم الأمن العام أو الاستقرار الإقليمي، دون أن تُقدَّم رسميًا بعبارة «الخرق»، بل بوصفها «استجابات ضرورية» في أفق إدارة المخاطر.
ويُعمّق التحليل ما بعد الوضعي في فلسفة القانون الدولي—بالأخص لدى مارتي كوسكنييمي—فكرة أنّ الخطاب القانوني يتحرّك دومًا بين قطبين: قطب معياري مثالي يزعم الحياد والكونية ويدافع عن قواعد عامة مجردة، وقطب تبريري واقعي يُخضع القواعد لتوازنات القوة ومقتضيات «الملاءمة» و«المصلحة» و«الأمن»، بحيث تتبدّل اللغة القانونية في الأزمات من لغة القاعدة إلى لغة الاستثناء، ومن خطاب العدالة إلى خطاب الإدارة؛ فالقانون، وفق كوسكنييمي، ليس بناءً مغلقًا ينتج نتائج محددة سلفًا، بل هو ممارسة حجاجية (argumentative practice) تسمح بدرجات واسعة من التأويل وإعادة التوصيف، ما يُنتج «لا-حسمًا» بنيويًا (indeterminacy) يُفتح على إمكانات التبرير المتناقضة: من «الاعتذار» الواقعي إلى «اليوتوبيا» المثالية. عند هذه العتبة، لا ينهار القانون تحت ضغط القوة، بل ينزلق ليصير إطارًا تبريريًا يُضفي على قرارات القوة شرعية تقنية من داخل المنظومة ذاتها، ويستدعي مفاهيم «الاستعجال» و«الإجراءات المؤقتة» و«التناسب» بوصفها عدّة خطابية للانتقال من قاعدة تُقيِّد إلى استثناء يُسوِّغ، فتظهر الأزمات الكبرى كمحطات يُعاد فيها وصف الوقائع على نحو يتيح هندسة الشرعية دون مغادرة النصوص، بل عبر توسيع تأويلها واستدعاء مقاصد عامة تبرّر التعليق المؤقت للحقوق والقواعد.
ويقدّم جورجيو أغامبين إضافةً مفهومية حاسمة حين يستخلص، في استلهام واضح لقراءة كارل شميت، أن الاستثناء ليس فراغًا قانونيًا يخرج فيه السيّد من القانون، بل تقنية قانونية فعّالة تُفعَّل من داخل المنظومة بدعوى حمايتها؛ إذ إن الدولة الحديثة لا تعلّق القانون لتغادره، بل لتعزّز سلطتها باسمه، فـ«الحالة الاستثنائية» تعني أنّ القاعدة لم تعد كافية، وأن تعليقها هو الصيغة الأعلى لحمايتها من خطر يُعرّف عبر السلطة ذاتها؛ وهنا يتحوّل «المؤقت» إلى نمط دائم، إذ تُستدعى حالة الطوارئ مرارًا، وتُستبطن في إجراءات إدارية وتنظيمية تعيد إنتاج الاستثناء كقاعدة غير معلنة، فيظهر ما يسميه أغامبين «حالة الاستثناء المعمّمة»، حيث تتوزّع أدوات التعليق والتقييد والتحكّم عبر منظومة الحكم لتصير جزءًا من اليومي القانوني، لا انفجارًا عابرًا خارجه. في الحقل الدولي، يتبدّى هذا في توسيع نطاق أنظمة العقوبات الذكية، وقوائم الإرهاب، وإجراءات الحظر المالي، والمناطق المحظورة جوًّا، والعمليات عبر الحدود باسم «الدفاع الوقائي»، وجميعها تُقدَّم بوصفها آليات لضبط المخاطر في عالم مُعرّض للتهديد، بينما هي تُنتج توزيعًا هرمّيًا للسيادة والحقوق مشفوعًا بتقنيات مؤسسية تضفي الخطاب القانوني على ما هو، في جوهره، هندسة سياسية للقوة.
أما النقد ما بعد الكولونيالي—كما بلوره أنطوني أنغي ومدرسة مقاربات العالم الثالث للقانون الدولي (TWAIL)—فيذهب أبعد ليكشف أن هذه التقنية القانونية للضرورة والاستثناء لم تكن موزعة بالتساوي بين الدول والشعوب، لأن القانون الدولي نفسه نشأ تاريخيًا في سياق إمبريالي قصد تنظيم علاقة القوى الأوروبية فيما بينها، ثم شرعنة تدبير الفضاءات غير الأوروبية بوصفها مناطق خاضعة للإدارة والتحضّر لا شركاء متساوين في السيادة؛ فالـ«مهمة التمدين» التي رافقت القانون في القرن التاسع عشر، ثم منظومات «الانتداب» و«الوصاية» في القرن العشرين، وإلى حدّ كبير أنماط «الإدارة الدولية» المعاصرة، تكشف عن تراتبية مضمرة تُحدّد أي الأقاليم تكون موضوعًا للاختبار الاستثنائي، ومن تُمنَح له مرونة تفسيرية وأدوات تعليق القواعد عندما تقتضي الضرورات «الكبرى» ذلك. بهذا المعنى، قابلية بعض الدول لأن تكون موضوعًا للاستثناء ليست حادثًا طارئًا، بل أثرًا بنيويًا لمنطق إمبريالي مُعاد إنتاجه داخل البنية القانونية ذاتها، حيث تُعاد صياغة السيادة بوصفها امتيازًا مشروطًا بالقوة وبالاندماج في منظومات الاقتصاد العالمي، لا حقًا قانونيًا متساويًا؛ ويستكمل هذا النقد التنبيه إلى بنى قانونية موازية—كالتّحكيم الاستثماري وآليات تسوية منازعات الاستثمار (ISDS) ومحاكم مثل «مركز تسوية منازعات الاستثمار» (ICSID)—التي تُنشئ طبقات من «السيادة المحدودة» تُخضع الدول الضعيفة لمنطق تعاقدي يقيّد خياراتها الاقتصادية والسياسية عبر التزامات يَسهل تفعيلها بآليات ضغط قانونية ومالية عابرة للحدود، فيتحول القانون إلى جهاز إدارة للاستخراج والضبط بدل أن يكون إطارًا متكافئًا لتنظيم العدالة بين الأطراف، ويزداد أثر ذلك حين تُستدعى لغة «الإصلاح» و«الاستقرار» لتجميل انحياز بنيوي يكرّس علاقة غير متوازنة بين المركز والأطراف.
ضمن هذا السياق النقدي، تبدو الحالة الفنزويلية مثالًا كاشفًا لا عن غياب القانون، بل عن طبيعته الانتقائية وقدرته على استيعاب القوة وتطبيعها؛ إذ تستطيع الدولة القوية أن تستدعي القانون حين يخدم تأويلها للوضع، وأن تُعلّق بعض القواعد أو تُعيد توصيفها حين تُقيّد خياراتها، من دون أن تُدان رسميًا بالخروج عن النص، لأن لديها أدوات الاعتراف والتمثيل، وموارد الحجاج القانوني، وإمكانية الوصول إلى المنصّات التي تُحدّد السرديات الشرعية؛ في المقابل، تُحرم الدولة الضعيفة من حقّ القاعدة كما تُحرم من حقّ الاستثناء، فتغدو موضوعًا لتدابير «مشروعة تقنيًا» تُمارَس عليها باسم الضرورة والأمن والاستقرار الإقليمي، مثل منظومات العقوبات الاقتصادية ذات الأثر الاجتماعي العميق، وعمليات الاعتراف المتنازع عليها، وتقييدات الوصول إلى الأسواق والمؤسسات المالية، وكلها تُنتج أثرًا معياريًا يعيد تشكيل السيادة باعتبارها قدرة على النفاذ إلى بنيات القانون الدولي والحكم العالمي، لا باعتبارها صفة مجردة مُعلنة في الميثاق. هنا يظهر الطابع الكولونيالي المتجدّد للقانون الدولي: سيادة مشروطة وقابلة للقياس بقدرة الدولة على التكيّف مع هرمية القوة وامتلاك أدوات الخطاب القانوني المؤثر، مع استمرار تقديم الإجراءات القسرية بوصفها «علاجًا» للأزمة بينما هي، في واقع الأمر، إعادة إنتاج لأسباب هشاشتها.
ولا يعني الدفاع التحليلي عن فكرة أنّ استعمال القوة تمّ «من داخل القانون الدولي» الدفاع الأخلاقي عن هذا الاستعمال؛ على العكس، إنّه يكشف محدودية الرؤية التقنية حين تفصل بين الشرعية والإتيقا، وتحوّل القانون إلى جهاز تنظيم إداري يدير الوصول إلى الموارد والحقوق، بدل أن يكون أفقًا لنقد القوة وكبحها؛ فالقانون الذي يستطيع أن يُبرّر الاعتقال القسري، والتدخّل العابر للحدود، وتعليق ممارسة السيادة باسم الضرورة وحماية النظام، هو قانون يحتاج إلى مساءلة فلسفية جذرية تتجاوز ترقيعات معيارية تزيد من أدوات الإدارة ولا تُغيّر المنطق المؤسس. هذا يستدعي إعادة التفكير في أولويات المنظومة القانونية ذاتها: ما الذي يحدث عندما تُقدَّم «الأمن» و«المنفعة» على «الواجب» و«العدالة»؟ وكيف يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة عبر تقنيات التناسب والملاءمة و«إدارة المخاطر» التي تُطبع في الصيغ الإجرائية؟ إنّ هذا التحوّل لا يُقاس فقط بنتائج ملموسة على الأرض، بل يُقاس أيضًا بما يفعله في اللغة القانونية ذاتها: يُرخّي معايير التفسير، يوسّع مناطق اللا-حسم، ويُدخل على منظومة الحقوق والالتزامات درجات مرونة تُتيح إعادة ترتيبها وفق ميزان القوى، بحيث يصبح «الاستقرار» عنوانًا لإدامة تفاوتات بنيوية لا لتصحيحها.
من هنا، يتبدّى الرهان الفلسفي الحقيقي ليس في إنكار القانون الدولي أو إعلان موته، بل في تفكيك منطقه الداخلي والكشف عن تحيّزاته التاريخية والمعرفية، وإخضاع مفاهيم الضرورة والاستثناء والسيادة لمساءلة أخلاقية وسياسية صارمة تُعيد الاعتبار للعدالة بوصفها معيارًا لا يُعلَّق باسم الأمن؛ وهذا التفكيك لا يعني هدم المؤسسات، بل يعني إعادة بنائها على نحو يقلّل مساحة الاستثناء ويجعل تفعيلَه محكومًا بشروط موضوعية صلبة وقابلة للتقاضي والمراجعة، مثل إخضاع قرارات الفصل السابع لرقابة قضائية حقيقية حيثما أمكن، وتقييد أدوات العقوبات أحادية الجانب وتجريم استخدامها خارج تفويض جماعي واضح، وتعزيز حجّية الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وتوسيع نطاق الوصول إليها، وإعادة توزيع السلطة داخل مجلس الأمن لتقليص أثر حق النقض على حالات الفظائع الجماعية والأضرار الاجتماعية الجسيمة، وإدماج مقاربات العالم الثالث في صناعة قواعد التفسير والتعليم القانوني بحيث يصبح «الحياد» خطابًا مُمتحنًا لا افتراضًا موروثًا. كما يستدعي الأمر نقل النقاش من إدارة «المخاطر» إلى إدارة «العدالة»، أي تثبيت أن معيار الضرورة لا يعمل إذا كان يُنتج على نحو مُمنهج أضرارًا غير متناسبة على الفئات الأضعف—داخل الدول وبينها—وأن أيّ استثناء يُقاس بمعيار أثره على بنية الحقوق لا بمعيار فاعليته الأمنية فحسب.
خاتمة : نحو عدالة مغايرة تعيد تأسيس القانون الدولي
تكشف الأزمة الفنزويلية، في ضوء تفكيكنا المعياري لما بعد الوضعية وما بعد الكولونيالية، عن مفارقة بنيوية في القانون الدولي: فالمشكلة ليست في خرق القانون بقدر ما هي في قابليته لتوليد شرعية تقنية لاستعمالات القوة عبر مفاهيم «الضرورة» و«الاستثناء» و«الأمن»، بما يجعل تعليق القاعدة يُقدَّم بوصفه حمايةً لها، ثم يستقرّ، مع تكرار الأزمات، كأفق دائم. إنّ قراءة كوسكنييمي لبنية الحجاج القانوني تُظهر أن «اللا-حسم» ليس عيبًا عرضيًا بل سمة تسمح بنقل الخطاب من الاعتذار الواقعي إلى اليوتوبيا المعيارية، بينما يبيّن أغامبين أن الاستثناء تقنية قانونية تُفَعّل من داخل المنظومة لا خارجها. ويُعمّق نقد المقاربات العالمية الثالثة للقانون الدولي TWAIL هذه الصورة حين يكشف التراتبيات المضمرة التي تجعل من بعض الدول—ومنها فنزويلا—موضوعًا للاستثناء أكثر من غيرها، لأن توزيع أدوات التأويل والتعليق والاعتراف ليس محايدًا ولا متكافئًا. هكذا يصبح الخطر الحقيقي في قدرة القانون ذاته على استيعاب القوة وتطبيعها، بحيث يُعاد تعريف السيادة امتيازًا مشروطًا بميزان القوة لا حقًا قانونيًا متساويًا، وتغدو «الإدارة القانونية للأزمات» مسارًا لإدامة اختلالات تاريخية لا لتصحيحها.
غير أنّ الانطلاق من هذا التشخيص لا يكفي؛ إذ إنّ تجديد القانون الدولي يتطلّب انتقالًا معيارياً يتجاوز ترميم الإجراءات أو توسيع النصوص إلى إعادة تأسيس فلسفية تعيد مركز الثقل من إدارة المخاطر إلى رعاية العدالة. هنا تقدّم العدالة الديكولونيالية إطارًا مضادًا للهيمنة يستعيد «الكرامة» و«الحياة» و«التكافؤ» بوصفها معايير غير قابلة للتعليق. فقراءة إنريكي دوسّل لأخلاقيات التحرّر تضع «حسّ الحياة» قاعدةً معيارية تُحاكم بها شرعية التدابير: ما يُضعف حياة الأكثر هشاشة يصبح، من حيث المبدأ، غير مشروع مهما كانت ذرائع الأمن. ويضيف أنيبال كويخانو مفهوم «استعمارية السلطة» لكشف كيف تُعيد البنى القانونية إنتاج تراتبيات تاريخية تجعل من العقوبات، وحظر الوصول إلى الموارد، والتحكيم الاستثماري، أشكالًا من العنف البنيوي المقنّن. ويقترح والتر مينيولو «تفكير الحدود» بوصفه ممارسة معرفية تُدخل إلى الحقل القانوني أصواتًا ومرجعيات من الجنوب تتحدى أحادية اللسان الكوني المزعوم، فيما يدعو بوفنتورا دي سوزا سانتوس إلى «إيكولوجيا المعارف» التي تُنهي احتكار المركز لابتكار المعايير، وتفتح القانون على تعدّد عقلانيات العدالة لدى الشعوب والحركات الاجتماعية. وتذكّرنا قراءة أشيل مبمبي لـ«سياسات التمييت» بأن أي نظام قانوني يطبّع حرمان الفئات الضعيفة من سبل العيش—عبر حصار اقتصادي أو قيود مالية—ينزلق، مهما تحصّن بحجج الأمن، إلى شرعنة إدارة الموت بدل حماية الحياة.
من هذا الأفق، تُصبح الحالة الفنزويلية اختبارًا معياريًا لا لمدى «فعالية» التدابير الأمنية بل لمدى «عدالتها» وفق مبادئ ديكولونيالية ملموسة. أولًا، مبدأ الكرامة غير القابلة للتعليق: لا تُقاس شرعية أي استثناء بقدرته على تثبيت الاستقرار، بل بقدرته على صون الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفئات الأضعف؛ فإذا كانت العقوبات الشاملة تُنتج حرمانًا واسعًا من الغذاء والدواء والعمل، فهي، من منظور التحرّر، غير مشروعة مهما زُخرفت بتبريرات تقنية. ثانيًا، مبدأ التناسب الحياتي: التناسب هنا لا يُختزل في قياس «الوسيلة» و«الهدف» أمنياً، بل يُقرأ في ضوء أثر التدبير على الحياة اليومية؛ كل إجراء يُحدث أضرارًا غير متناسبة على الفقراء والنساء والمرضى والأقليات يَسقط معياريًا—even إن أمكن الدفاع عنه إجرائيًا. ثالثًا، مبدأ التشاركية والاعتراف: العدالة لا تُنتج في غرف مغلقة؛ إنّ إشراك المجتمعات المحلية والنقابات والحركات الاجتماعية في تقييم أثر التدابير وإعادة تصميمها شرطٌ لمشروعية تطبيقها، بما يعيد توزيع سلطة التأويل خارج احتكار الدول الكبرى والمؤسسات المالية. رابعًا، مبدأ التعدّدية القانونية (pluriversality): ينبغي فتح القاعدة القانونية على خبرات الجنوب ومعارفه المعيارية—من العدالة المجتمعية إلى أشكال المصالحة والوساطة الشعبية—لأن الكونية الحقيقية تُبنى بالتعدّد لا بالفرض. خامسًا، مبدأ الإصلاح والترميم: العدالة لا تكتفي بوقف الضرر؛ هي تسعى إلى جبره عبر مسارات تعويض وإصلاح بنيوي للدول والمجتمعات المتضرّرة من تدابير قسرية أو تدخلات زادت هشاشتها الاقتصادية والسياسية.
وتبعًا لهذه المبادئ، لا يعود تجديد القانون الدولي مجرّد «تحسين» لأدوات مجلس الأمن أو «ترشيد» للعقوبات، بل مشروع إعادة بناء يَحدّ بشكل ملموس من مساحة الاستثناء ويجعل تفعيله محكومًا بشرطَيْن متلازمَيْن: المساءلة القضائية والعدالة الاجتماعية. عمليًا، يعني ذلك: إدخال شرط الأثر الاجتماعي بوصفه معيارًا ملزمًا في أي تفويض جماعي للتدابير القسرية، وإقرار فترات انقضاء تلقائي (sunset clauses) مع مراجعات دورية تُدار بمشاركة مجتمعية؛ تقييد العقوبات أحادية الجانب خارج التفويض الجماعي وتجريم استخدامها حين تُنتج أضرارًا جسيمة غير متناسبة؛ توسيع الوصول إلى محكمة العدل الدولية والرأي الاستشاري وجعل وزنِه المعياري أعلى في تقييم شرعية التدابير؛ إعادة توزيع السلطة داخل مجلس الأمن لتقليص أثر حق النقض في حالات الأضرار الاجتماعية الجسيمة؛ إدماج «اقتصادات التضامن» و«عدالة الدين» و«عدالة المناخ» في تقدير شرعية التدابير، لأنّ هشاشة الجنوب ليست معزولة عن بنى مالية وبيئية عالمية؛ وأخيرًا، بناء آليات «تحكيم شعبية» موازية (مجالس خبراء مستقلة، محاكم شعبية مدعومة أكاديميًا) تُزوّد المجتمع الدولي بتقييمات أخلاقية مُعلِّلة لأثر القرارات الكبرى على الحياة والكرامة.
بهذا المعنى، تُصبح العدالة الديكولونيالية ليس فقط نقدًا للبنية القانونية القائمة، بل مسارًا لإعادة تأسيس القانون كـ«أفق مقاومة» ضد الهيمنة الناعمة، يَستبدل مركزية «الأمن» بمركزية «الكرامة»، ويحوّل معيار الضرورة من ذريعة للتعليق إلى امتحان أخلاقي صارم لا يُمرَّر إلا إذا حافظ على حياة الأضعف وصان حقوقهم الأساسية. وإذا كان القانون الدولي قد أثبت قدرته على استيعاب القوة وتطبيعها، فإنّ تحريره يبدأ بإعادة توزيع سلطة التأويل وتقييد أدوات الاستثناء ومنح أصوات الجنوب موقعًا تأسيسيًا في صناعة القاعدة ذاتها. عندها فقط يمكن للحالة الفنزويلية أن تتحوّل من «مرآة للاستثناء» إلى مختبرٍ للعدالة، حيث يُقاس نجاح القانون لا بقدرته على إدارة الأزمات، بل بقدرته على حماية الحياة والكرامة والمساواة في قلب الأزمات.
بقلم: نوفل حنفى