خطة أمريكية إسرائيلية لتقسيم غزة خرائط نفوذ جديدة فوق ركام كارثة العصر

تتواصل التحذيرات من كارثة إنسانية جديدة تهدد

ما تبقى من حياة في غزة ، وذلك في خضم واقع مفتوح على مزيد من التعقيد مع استمرار المخططات السياسية والعسكرية وتدهور الأوضاع الميدانية والإنسانية. ففي ظلّ مشهد إنساني متفاقم يعيشه قطاع غزة منذ أكثر من عامين من الإبادة والدمار ، وفي ضوء التطورات الأخيرة في قطاع غزة، كشفت صحيفة ''وول ستريت جورنال'' عن ملامح الخطة الأمريكيةـ الإسرائيلية الجديدة والتي تأتي في سياق محاولة لإعادة هندسة الواقع السياسي والسكاني في القطاع عبر تقسيمه إلى مناطق نفوذ ملونة. ووفق الخطة ، توضع مناطق تحت سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي ، تمهيدا لإقامة ما تسميه واشنطن ''مجتمعات آمنة بديلة'' للنازحين وفق زعمها. ورغم أن الخطة تُقدم بعبارات إنسانية وتنموية، إلا أنّ جوهرها يعكس رؤية احتلالية تسعى إلى إدارة غزة بدل حلّ أزمتها، وإلى فرض وقائع ميدانية جديدة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه.
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع تحذيرات أممية صادمة، إذ أعلنت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ''أونكتاد'' أن إعادة إعمار غزة ستحتاج أكثر من 70 مليار دولار وقد تمتد لعقود، مشيرة إلى انهيار غير مسبوق للاقتصاد الفلسطيني وتدمير كل ركائز البقاء الأساسية في القطاع. وفي الوقت الذي يواجه فيه السكان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية، جاءت الأمطار الغزيرة الأخيرة لتغرق مئات الخيام ومراكز الإيواء، ما فاقم معاناة عشرات الآلاف من النازحين وسط نقص حاد في الإمكانات ومنع مستمر لوسائل الإغاثة ومواد الإيواء
من التفكيك الى إدارة الصراع
ووفق مراقبين فإن التحوّل في خطاب الإدارة الأمريكية من وضع تفكيك حماس كهدف إلى الإقرار باستحالة تحقيق ذلك على المدى القريب لا يمثّل مراجعة حقيقية للسياسات الخاطئة، بل تكتيكا جديدا لإدارة صراع طويل، تُبقي فيه واشنطن و"إسرائيل" قبضتهما على القطاع، فيما يُترك الفلسطينيون في مساحات معزولة، تنتقل من خيام النزوح إلى ''مساكن مؤقتة'' لا تختلف إلا في الشكل. وفي رفح تحديدا، التي تحولت إلى مركز أكبر موجة تهجير داخلية عرفها القطاع، تريد واشنطن اختبار مشروعها الجديد، متجاهلة الواقع المعقد الذي تفرضه شبكة الأنفاق والاشتباكات المستمرة، ومتناسية أن إرادة الصمود لدى أهل غزة لا يمكن محاصرتها بخرائط أو ألوان.
وتكشف المعضلة الأمنية داخل هذه الخطة-وفق خبراء- هشاشتها منذ لحظتها الأولى، كما يؤكد خبراء أنه حتى التوجّه الأمريكي لإنشاء قوة دولية لاحقا، تحت مظلة مجلس الأمن، لا يبدو أكثر من محاولة لإضفاء شرعية على وصاية جديدة على القطاع، تحرم الفلسطينيين من إدارة شؤونهم بأنفسهم.
كما يرى البعض أن ''مجلس السلام'' المقترحة، التي يُفترض أن تشرف على إعادة الإعمار والإدارة المدنية خلال ما يُسمى بالمرحلة الانتقالية، لا تختلف في جوهرها عن تجميد مؤقت للسيادة الفلسطينية. فهي تبقي القرار الداخلي مرهونا بتوازنات خارجية، وتقدّم نموذجا لإدارة دولية لا تنظر إلى الفلسطيني إلا كمتلقّ للمساعدات، لا كشريك في صناعة القرار.
في المقابل، يأتي رفض حركة حماس للخطة باعتبارها ''وصاية دولية'' كتأكيد على استمرار المقاومة ، حيث يُنظر إلى هذه المقترحات كجزء من محاولة متواصلة لفصل القطاع عن محيطه الوطني وإضعاف بنيته الاجتماعية والسياسية. فالغزيّون الذين صمدوا تحت أشد الظروف القاسية لن يقبلوا، بوعيهم الوطني وتجربتهم التاريخية، أن تتحول أرضهم إلى رقع جغرافية معزولة تحرسها قوات من الخارج وتدار بمعايير ليست لهم فيها كلمة.
"70 مليار دولار وعقودا من الزمن للبناء''
على صعيد متصل حذرت وكالة تابعة للأمم المتحدة من أن إعادة إعمار غزة ستتطلب استثمارات ضخمة تتجاوز 70 مليار دولار وقد تستغرق عقوداً عديدة. وثق التقرير "انهياراً غير مسبوق" للاقتصاد الفلسطيني فيما حُطّمت جميع ركائز البقاء الأساسية بالقطاع
وقال تقرير الوكالة الأممية إن العمليات العسكرية "قوّضت بشكل كبير كل ركيزة من ركائز البقاء، من الغذاء إلى المأوى والرعاية الصحية" وأفادت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) في تقرير جديد نشر أمس أن إعادة إعمار قطاع غزة ستكلف أكثر من 70 مليار دولار وقد تستغرق عدة عقود، محذرة من أن الحرب والقيود تسببا في "انهيار غير مسبوق في الاقتصاد الفلسطيني".
وأضافت الوكالة أن العمليات العسكرية "قوّضت بشكل كبير كل ركيزة من ركائز البقاء، من الغذاء إلى المأوى والرعاية الصحية، ودفعت غزة إلى هاوية من صنع الإنسان". وتابعت أن "التدمير المستمر والممنهج يُلقي بظلال من الشك على قدرة غزة على إعادة بناء نفسها كمساحة ومجتمع صالحين للعيش".
دمار هائل في قطاع غزة
وتسببت الحرب بدمار هائل في القطاع وأزمة إنسانية وصلت إلى حد إعلان الأمم المتحدة المجاعة في بعض مناطقه. ووفق تقرير أونكتاد فإن حجم الدمار الذي لحق بالقطاع "أطلق العنان لأزمات متتالية، اقتصادية وإنسانية وبيئية واجتماعية، دفعته من حالة تراجع التنمية إلى حالة دمار كامل".
وأضاف التقرير" "حتى مع توقع نمو بأرقام عشرية ودعم كبير من المساعدات الخارجية، قد تحتاج غزة عدة عقود لاستعادة مستويات الرفاه التي كانت عليها قبل أكتوبر 2023".ودعت أونكتاد إلى "خطة إنعاش شاملة" تجمع بين "المساعدات الدولية المنسقة واستئناف التحويلات المالية واتخاذ تدابير لتخفيف القيود على التجارة والتنقل والاستثمار".
وبينما يواجه سكان غزة "فقراً شديداً متعدد الأبعاد" وفق وصف التقرير، طالبت الوكالة الأممية أيضاً بإطلاق دخل أساسي طارئ شامل، يمنح كل فرد في غزة تحويلاً مالياً شهرياً متجدداً وغير مشروط.
وأظهر التقرير انكماش اقتصاد غزة بنسبة 87% خلال الفترة 2023-2024، ليصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 161 دولاراً فقط، وهو من بين أدنى المعدلات عالمياً.
وبينما لم يكن الوضع بهذا السوء في الضفة الغربية، وجد التقرير أن "العنف وتسارع التوسع الاستيطاني والقيود على تنقل العمال قد دمر الاقتصاد" هناك أيضاً، "مما أدى إلى أسوأ تدهور اقتصادي منذ أن بدأت أونكتاد تسجيل بياناتها عام 1972".
الأمطار تغرق مئات الخيام
ميدانيا قال جهاز الدفاع المدني بغزة، أمس الثلاثاء، إن مياه الأمطار الغزيرة أغرقت مئات الخيام ومراكز الإيواء في مختلف محافظات القطاع، محذرا من تساقط أبنية استهدفتها إسرائيل خلال عامي الإبادة الجماعية.
أفاد بذلك متحدث الدفاع المدني محمود بصل، وفق الأناضول، تعقيبا على المنخفض الجوي المصحوب بأمطار غزيرة ورياح شديدة، ما فاقم أوضاع النازحين الذين هجرتهم ''إسرائيل'' خلال عامي الإبادة الجماعية.وقال بصل إن مياه الأمطار تسببت في إغراق مئات الخيام ومراكز الإيواء في مختلف محافظات القطاع.
وأشار إلى مئات البلاغات عن مخلفات إسرائيلية خطيرة جرفتها مياه السيول إلى مناطق مأهولة، ما يشكل خطرا على حياة الأهالي.وأكد أن قدرات الدفاع المدني "معدومة، ولا نمتلك مضخات لسحب المياه، وآلاف المباني الآيلة للسقوط تهدد حياة الفلسطينيين"، جراء غزارة الأمطار.
وتسبب المنخفض الجوي المصحوب بأمطار غزيرة، في غرق مئات من خيام النازحين الفلسطينيين في مختلف محافظات قطاع غزة، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية، وفق مؤسسات محلية.وهذا المنخفض الجوي الثاني الذي يضرب قطاع غزة خلال 10 أيام، إذ تسبب الأول بغرق عشرات آلاف الخيام المهترئة، ما فاقم المعاناة الإنسانية التي خلفتها حرب الإبادة الإسرائيلية على مدى عامين.
ويأتي غرق الخيام وسط انعدام توفر بدائل الإيواء، مع تنصل إسرائيل من التزاماتها باتفاق وقف إطلاق النار، خاصة فيما يتعلق بفتح المعابر وإدخال مواد الإيواء، إذ يحتاج القطاع إلى نحو 300 ألف خيمة وبيت متنقل لتأمين الحد الأساسي للسكن.
جرف مخلفات الحرب
في السياق، أشار بصل إلى أن الغرق شمل مخيمات ومراكز إيواء في أرض العشي بحي الزيتون بمدينة غزة، ومخيم حلاوة في جباليا (شمال)، إضافة إلى المخيمات المقامة على الشاطئ والتي غرقت بالأمواج وتطايرت بفعل الرياح.
وحذر من أن يؤدي المد البحري إلى سحب الخيام وممتلكات النازحين إلى داخل البحر.وشدد على أن "الخيام الحالية مهترئة وغير صالحة للاستخدام، وأماكن نصبها عشوائية وتفتقر للبنية التحتية، ما أدى إلى تدفق مياه الصرف الصحي إلى داخل الخيام وإتلاف الأغطية والفرش والممتلكات الشخصية".ولفت متحدث الدفاع المدني بغزة إلى أن "أي هطل غزير سيقود إلى كارثة إنسانية محققة".
وعن المستلزمات المطلوبة، قال إن القطاع "بحاجة عاجلة إلى نحو نصف مليون خيمة بمواصفات تتحمل الأمطار والرياح، ريثما تتوفر مساكن بديلة أو حلول مؤقتة للنازحين".
وأوضح أن الجهاز "لا يملك مضخات سحب مياه، ودوره يقتصر حاليًا على نقل الأسر المتضررة ومساعدتها بالحد الأدنى".ودعا بصل إلى "تحرك دولي عاجل لتوفير الخيام والمستلزمات الأساسية، وإزالة مخلفات الحرب، ودعم جهود البلديات والدفاع المدني لتفادي تدهور الأوضاع الإنسانية".
وقال جهاز الدفاع المدني، في بيان، إنه يستعد للتعامل مع التأثيرات السلبية لمنخفض جوي جديد متوقع، وسط إمكانات محدودة وأزمة وقود، ومعاناة النازحين الذين يقيمون في خيام مهترئة.يأتي ذلك بينما دخل اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بين تل أبيب وحركة حماس حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، منهيا إبادة إسرائيلية خلفت أكثر من 69 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 170 ألف مصاب.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115