رغم حفظ التهمة: في حق بورقيبة والورداني وزرق العيون ماذا وراء زوبعة محاكمة «الزعيم «؟

ولو أنه تمّ حفظ التهمة في حق كل من الحبيب بورقيبة وحسن الورداني والبشير زرق العيون ، في القضية الّتي أثيرت ضدّهم

من أجل القتل العمد للمناضل صالح بن يوسف و ذلك بموجب الوفاة ، فقد تعهّدت إحدى الدوائر المختصة في العدالة الانتقالية بتتبع كل من عبداللّه بن مبروك الورداني و محمّد بن خليفة محرز و حميدة تربوب من أجل جريمة القتل العمد مع سابقية الاضمار و المشاركة في ذلك، وهو قيام اقتصر على تتبع الأشخاص الطبيعيين .

حدث هذا بعد أن كانت الأنظار متجهة للبحث عن المسوغات القانونية الّتي يمكن أن يستند إليها القضاء لرفض القضايا الّتي أحيلت على الدوائر القضائية المختصة بالعدالة الانتقالية التي عهدت إليها مهمة النظر في العدد الكبير من القضايا الّتي سبق للقضاء البت فيها أو الّتي تمّت احالتها بعد انقضاء المدّة الزمنية لمنظومة العدالة الانتقالية طبق التشريع الجاري به العمل.

إن فتح هذا الملف في هذا الوقت بالذات تمّ تفسيره على أنه إعادة محاكمة لبورقيبة بصفة خاصّة و ما لذلك من توظيف سياسي قبل مدة قصيرة من الإستحقاقات الانتخابية التشريعية و الرئاسية ، و هو توظيف يستهدف كل القوى السياسية ذات المرجعيات الدستورية البورقيبية وكل الأطياف المتبنية «للفكر» البورقيبي ويتسع حتى لمتبني الفكر الحداثي الّذي يحلو لذوي التوجهات الاسلامية ،تسميته بالعلماني على خلفية عقائدية.

إذن يكون هذا التوظيف مفترضا بالرغم من أن الهدف المعلن هو إعتباري بالأساس حسب مصادر من عائلة بن يوسف أو من هيئة الحقيقة والكرامة ، لذلك كانت ردود فعل العائلة الدستورية والبورقيبية قوية في شذبها لإثارة هذا الموضوع في هذا الظرف بالذات و اعتبرته حشرا للقضاء في حملة انتخابية سياسية غير بريئة.

ولكن الملفت أن النقاش إنحصر في التداعيات السياسية و أهمل الجوانب القانونية الّتي يجب الاحتكام إليها و الانحياز إليها بكل شجاعة ووضوح ، لأن مسار العدالة الانتقالية لا يمكن أن يبقى سيفا مسلولا على الدوام ، على خلاف ما تهدف إليه منظومة العدالة الانتقالية من تصالح وطي صفحة الماضي في كنف احترام التشريع المنظم لهذه المنظومة.

والملفت أيضا أن نشر هذه القضية تم بعد إنقضاء مدّة منظومة العدالة الانتقالية، واقتصرت على إثارة قضية اغتيال المناضل صالح بن يوسف ولم تثر قضيتي إغتيال المناضلين شكري بلعيد و محمّد البراهمي ، مثلا و بقية الاغتيالات الّتي نفذت قبل 24 ديسمبر 2013 تاريخ صدور القانون الأساسي عدد 53 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية و تنظيمها حيث تنتهي فترة تغطية عمل هيئة الحقيقة والكرامة و العدالة الانتقالية.

انتـــــقاء هذه القضية بالذات يمكن أن يبرّر القول بوجود نوايا التوظيف السياسي و يعطي فكرة عن الأطراف المستفيدة منه ،و نعني بها كل الأطياف المعادية للفكر البورقيبي و بالتحديد المعادية للرصيد الحداثي و المكاسب الّتي وفّرها للمجتمع التونسي بمعية كفاءات تونسية آزرته و ساندته في اختياراته.

والملاحظ أن تعامل هيئة الحقيقة والكرامة بإنتقائية حتى لا نقول بمكيالين ، تحول إلى ظاهرة في منظومة العدالة الإنتقالية التونسية لإنسحاب أحكام هذه المنظومة على البعض دون البعض الآخر، و برز هذا الانتقاء سواء في فتح الملفات أو في تطبيق مقتضيات المصالحة، وهو موضوع يضيق المجال للتوسع فيه.
ولا يخفى السعي مرّة أخرى إلى حشر القضاء في معارك سياسية ، بإدخاله في تنازع قانوني لمنظومتين قضائيتين ، محكوم عليهما أن تحتكما للمبادئ القانونية العامّة و للإجراءات الجزائية المعمول بها الواجبة الاحترام بصورة عامّة ومجرّدة .

صحيح أن الدستور الجديد ألزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها دون قبول الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن ، ولكن يجب ان يكون ذلك في المدّة الزمنية المحدّدة لمنظومة العدالة الانتقالية في التشريع (الفصل 148/9 من الدستور ) الّتي سبقت الإشارة إليها و يكون تطبيق المدّة الزمنية بصورة صارمة لا تقبل الاجتهاد ، و ذلك حتى لا يصبح الاستثناء أوسع من القاعدة .

كما يجب أن يكون ذلك بقراءة متفاعلة مع مقاصد المشرّع ، لأن حجية اتصال القضاء مثلا، لا يقصد بها الأحكام الّتي صدرت بعد جانفي 2011 من المحاكم العسكرية و العدلية و إنّما تلك الّتي صدرت في ظل المنظومة السياسية السابقة والتّي ثبت تدخّل السلطة التنفيذية فيها ، و على ذلك الأساس بُني العفو التشريعي و تمّ إقرار مبدإ التعويض.

ومحاكمة التاريخ كما يقال أو رد الإعتبار لا تكون أمام هيئات قضائية منتصبة إذا لم تتوفر الشروط القانونية للمحاكمة ، وإنّما تتولاها المؤسّسات الماسكة بالسلطة في نطاق مصالحة أو مبادرات سياسية، و تقديم اعتذار، هو ما يمكن أن يحصل أيضا بخصوص التعويضات للمتضرّرين إذا أعوزتهم العوائق الإجرائية أو الأطر القانونية .

ومرّة أخرى يكون جزء من القضاء أمام معادلات متقاطعة بين التقيّد بالقانون والإجراءات الثابتة بكل شجاعة ومسؤولية، و بين التوسع في السلطة التقديرية ولو كانت مخالفة للتشريع والذوق القانوني السليم، وتبقى أبواب العدالة الانتقالية مفتوحة لا تستوعب الداخلين فيها و لا الخارجين منها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115