مشهدية طارئة، إذ إن بعضها صامت هادئ يتسلل دون ضجيج إلى مفاصل كل شيء ليصبح جزءا مستأنسا مألوفا من المشهد العام لا وافدا عليه، وهذه سمات الأزمة التي نعيشها اليوم في تونس وفرضت نسقها على كل مظاهر الحياة العامة واليومية، لنكون في وضع رمادي لا نعيش في سياقه لحظة انفجار وانهيار ولا نشهد استقرارا.
منطقة وسطى يتعايش فيها الجميع، أفرادا وجماعات ومؤسسات، مع الانتظار وسيولة الزمن الذي تجمد لدى الجميع، متجاوزا ثنائية السلطة والمعارضة، المجتمع والدولة، الحاضر والمستقبل، الاستقرار والانفجار، الثقة واللايقين، لتنتج معضلة تونسية عنوانها الأبرز: إلى أين نتجه؟ وأي مستقبل نحن بصدد صناعته؟
فبعد عشرية من التجاذب والسيولة السياسية استقر مشهد الحكم وتمركز القرار خلال السنوات الخمس الفارطة، ولكن لم يقد ذلك إلى صياغة معنى جماعي للمستقبل، أو إنتاج حلم وأمل، أو رسم أفق مشترك لكل التونسيين. ففي السياسة لا يكفي أن يقع توحيد مركز القرار والحكم، وأن تتم السيطرة على الفضاء والمجال لترسيخ النظام وضمان الاستقرار آليا، أو تخفيف حدة التوتر الاجتماعي ومنع الأزمات، بل ما يجعل كل ذلك ممكنا هو وجود أفق، ووجود يقين بالمستقبل وأمل. ففي غياب هذا الأفق يسود الشعور بالقلق الذي يولد لاحقا الانتظار.
انتظار امتد فبات أداة لإدارة الزمن والشأن العام والفعل السياسي والاجتماعي. سلطة تنتظر شيئا ما يحقق لها انفراجا اقتصاديا واجتماعيا يعزز شرعيتها ومشروعيتها ويضمن سيطرتها. معارضة تنتظر خطأ أو تعثر السلطة يدفعها ويعيدها إلى الواجهة أو يمنحها زخما تؤسس عليه. منظمات اجتماعية تنتظر الحوار واستعادة دور الوساطة. شارع ينتظر أن تتحسن شروط الحياة اليومية، وأن يولد أمل في المستقبل. الجميع ينتظر دون أن تكون له القدرة على كسر هذه الحلقة المغلقة.
حلقة من الانتظار والجمود يغذيها إدراك مختلف الفاعلين لحدود قدرتهم وموازين القوى في المشهد، الذي وإن ورغم ما شهدته البلاد خلال أشهرها القليلة الفارطة من حركية، لم يعد صياغة الوضع القائم أو يكسر حالة الجمود والانتظار. فلا الأحكام القضائية، ولا السجال والجدل المتصاعد في ملف الحقوق والحريات، ولا ارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي جراء ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، ولا غيرها من التطورات والأحداث، رغم تواترها وكثافتها، أنتجت أي أفق سياسي أو توازن جديد.
فالوضع كما هو عليه. سلطة ما تزال تمتلك القدرة على إدارة المجال السياسي وضبط إيقاعه والتحكم في مراكز القرار، لكنها تجد نفسها في مواجهة توتر اجتماعي يطالبها بالمنجز الاقتصادي والاجتماعي، وهي غير قادرة، رغم كل أدواتها السياسية، على تقديمه. وفي المقابل تسعى المعارضة إلى الإمساك بزمام المبادرة، وأن تستثمر التوتر المتصاعد لإنتاج توازن جديد، لكنها لا تزال بعيدة عن تحقيق ذلك وعن أن تصبح قوة سياسية قادرة على تحريك الشارع وحشده. والأمر لا يختلف كثيرا لدى المنظمات والمجتمع المدني الذي يتحرك في هوامش ضيقة بحثا عن الحفاظ على دوره ومكانه أكثر من بحثه عن التأثير والمساهمة في إدارة المشهد.
واقع سمته أن لا أحد يستطيع تحقيق اختراق يكسر حالة الانتظار. فلا السلطة قادرة على تحقيق منجز اقتصادي واجتماعي يعيد تشكيل المزاج العام وحشده خلفها كما كان عليه الأمر في جويلية 2021، ولا خصومها استطاعوا استثمار انحسار شعبيتها لفرض توازن قوى جديد. وما بينهما مجتمع في حالة ترقب طويلة، وضغوط اقتصادية، وتراجع في القدرة الشرائية، وتنامي للشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل.
مجتمع التزم الصمت نسبيا، لا تعبيرا عن الرضا أو الدعم، ولا هو الصمت الذي يسبق العاصفة لينظر إليه على أنه مؤشر على انفجار اجتماعي وشيك، بل صمت يعبر أكثر عن حالة من الإرهاق الجماعي التي دفعت بجزء واسع من التونسيين إلى الانسحاب والانشغال بيومهم واستحقاقاتهم الفردية، منتظرين شيئا ما يأتي. منتقلين بذلك من مرحلة كان فيها الأمل أو الغضب محركا رئيسيا لكبرى التطورات السياسية إلى مرحلة أصبح فيها الانتظار هو القاسم المشترك بين الجميع.
انتظار انفراج اقتصادي يعيد الثقة، أو مبادرة سياسية تفتح أفقا جديدا، أو متغيرات تنعكس إيجابا على كل أوجه الحياة. انتظار لم يعد مجرد حالة عابرة ظرفية، بل تحول إلى نمط لإدارة الزمن السياسي والاجتماعي. وهذا أخطر ما في الأمر، ففراغ تتوسع مساحته، ومعه يسود اللايقين، ويصبح الزمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي معلقا، تتحرك مكوناته دون إنتاج أثر فعلي أو تغيير.
خطر أن تدفع هذه الأزمة إلى انهيار سرديتنا المشتركة ومشروعنا الجماعي منذ دولة الاستقلال، وأن يتجمد زمننا في منطقة رمادية يضبط إيقاعها الانتظار.