من التفريط في «الساتباك»إلى عجز المكتبة السينمائية: أرشيف السينما التونسية في خطر !

إنّ «الذهاب إلى السينما هو أشبه بالعودة إلى الرحم، فأنت تجلس هناك ساكنا متأملا في الظلام تنتظر الحياة لتظهر على الشاشة!».

وكم من فيلم شابه الولادة في إعادة تمثيل الحياة على شاشة الفن السابع في مد وجزر بين الثقافات والمدارس والأجيال. أكثر من خمسين سنة، مرّت على ولادة السينما التونسية لحما ودما، منذ أن أخرج الراحل عمر الخليفي فيلم «الفجر» سنة 1966.
ومنذ «فجر» السينما في تونس إلى حد اليوم تراكمت أفلام وأفلام صنعت مجد الفن السابع في بلادنا واستقطبت كبار المخرجين العالميين في سنوات مضت بفضل جودة خدمات مخابر «قمرت». إلا أنّ هذا الأرشيف السينمائي شأنه شأن كل محامل الذاكرة في بلادنا يواجه مصير التهميش وخطر الاندثار.
هناك في قمرت لم يتبق من «ساتباك» سوى أثر غابر وبكاء على الأطلال حيث ينام أرشيف السينما التونسية في أقبية منسية بها من الرطوبة ما يتربص بنسف تاريخ الفن السابع في بلادنا المحفوظ في «بكرات» قديمة عن بكرة أبيه !
عن ظروف تأسيس «ساتباك»، يقول المدير السابق للمركز الوطني للسينما والصورة فتحي الخراط في الكتاب الجماعي»خمسون سنة من السينما التونسية»، ما يلي :»بعد قصف سلاح الجو الفرنسي سنة 1958 لقرية سيدي يوسف، أراد الزعيم بورقيبة أن يعرض للعالم من خلال الأمم المتحدة وحشية المجزرة التي ارتكبتها فرنسا. بيد أنه لم يفلح في الحصول على الصور أو الفيلم الذي وثق لتلك المجزرة لأن تونس لم تكن تملك وسائل تصوير، أو تحميض، وطبع الأفلام. فقرر الزعيم بورقيبة عل الفور إنشاء مخابر سينمائية ، وبعث الشركة التونسية للإنتاج والتنمية السينمائية (ساتباك)».
وقد تم التفريط في «ساتباك» في سياق سياسة خوصصة المؤسسات حيث تمت تصفية الشركة وبيع ممتلكاتها بالمزاد العلني سنة 1992. وبمقتضى اتفاق بين وزارة الثقافة وصاحب شركة «كوينتا كومينكايشن طارق بن عمار سنة 2002 تمّ تمكين هذا المستثمر من حق استغلال الأرض التي تقع بها «ساتباك» سابقا بالدينار الرمزي مقابل التعهد برقمنة الأفلام الموجودة في أرشيف «قمرت».لكن بقيت دار لقمان على حالها ولم يف طارق بن عمار بالوعد وصمتت الوزارة عن هذا التخاذل !
في الأيام الأخيرة دعت وزيرة الشؤون الثقافية إلى ضرورة التسريع في إجراءات نقل الأرشيف السينمائي من الخزينة بقمرت وشدّدت على الانطلاق فورا في جرد الأرشيف السينمائي بقمرت والتدقيق في محتوياته ومضامينه والتسريع في عملية نقله بالتنسيق مع كلّ الادارات المركزية المتدخلة والهياكل العمومية والوزارات المعنية مشيرة إلى ضرورة التفكير في وضع رؤية واضحة المعالم لحسن استغلال هذا المخزون السمعي البصري والعمل على محاولة تماهيه ضمن قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية.
بعد افتتاحها في شهر مارس 2018 ، انتظر أهل السينما والثقافة أن تلعب المكتبة السينمائية أدوارا حقيقية في حفظ إرث الثروة الوطنية السينمائية والاعتراف بأهمية الوثائق السمعية البصرية. وهي التي تعرّف نفسها بأنها «عبارة عن متحف حي، تهدف إلى إعطاء قيمة للمدونة السينمائية بترميمها وتقديمها للجمهور وبصفتها موقعا للتواصل والمقاومة والذاكرة، توفر للأجيال المتعاقبة إرثا من الصور قصد التقاسم.» ولكن يبدو أن المكتبة السينمائية قد تحولت في نظر البعض إلى مجرد قاعة عرض للأفلام في عجز عن الاضطلاع بالمهمة الأساسية التي بُعثت من أجلها. وهو ما دفع مستشارها الفني السابق محمد شلوف إلى الاستقالة. وسبق أن ردد المدير السابق للمكتبة السينمائية هشام بن عمار مرارا وتكررا بأن ترميم الأفلام ورقمنة الأرشيف تتطلب رصد ميزانية كافية للانطلاق في هذا المشروع المهم.
ويشمل الأرشيف السينمائي في قمرت عدة أفلام طويلة وقصيرة و»أخبار تونس» من سنة 1956 إلى سنة 1980 والتي تم تحميضها في المخبر. وفق التقدير الخاص للمدير الفني للمكتبة السينمائية هشام بن عمار فإن الأرشيف يتضمن 250 فيلما طويلا وألف فيلم قصير تم إنتاجها في تونس منذ سنة 1960، إضافة إلى قرابة 600 مجلة إخبارية تونسية أسبوعية أنتجت على امتداد 25 سنة (1956 - 1980).
وفي انتظار عملية الجرد الدقيقة للتراث السينمائي، يبقى الأمل في أن تغادر أفلام تونس عتمة القبو إلى نور الشاشة بعد عملية ترميمها التي طالت أكثر من اللازم وتسببت في تلف جزء من ذاكرة السينما في بلد الطاهر شريعة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115