في رفوف مكتبتي 6 «العظماء يموتون في أفريل» لـ أميرة غنيم بورقيبة.. كما لم تعرفوه من قبل

أميرة غنيم جامعية وروائية تونسية نحتت اليوم اسمها

بين الكبار في الرواية العربية..

لقد أصدرت أميرة غنيم إلى حدّ اليوم أربع روايات خلال خمس سنوات: أولها «الملف الأصفر» الحائزة على جائزة راشد بن حمد الشرقي للابداع سنة 2020 ثم «نازلة دار الأكابر» سنة 2021 والتي ترجمت إلى الايطالية والفرنسية والانقليزية وتحصلت بفضلها على جائزة الأدب العربي لمعهد العالم العربي سنة 2024 ثم «تراب سخون» سنة 2024 و «العظماء يموتون في أفريل» سنة 2025، وهذه الروايات الثلاث الأخيرة صدرت كلها عن دار «مسكلياني» كما انتمت كلها إلى جنس الرواية التاريخية وكانت شخوصها الأساسية على التوالي الطاهر الحداد ووسيلة بن عمار والحبيب بورقيبة.

الرواية التاريخية أنواع وأصناف، بعضها شديد الالتصاق بالأحداث والوقائع وبعضها الآخر لا تكاد تربطه بالتاريخ المتعارف عليه وشيجة تذكر..

لقد انتهجت أميرة غنيم أساليب مختلفة من رواية إلى أخرى ثم اختارت في روايتها الأخيرة «العظماء يموتون في أفريل» طريقة مستجدة فالراوية هي الممرضة سعاد التي رافقت الزعيم خلال سنواته الثلاثة عشر الأخيرة بعد أن أزاحه «انقلاب طبي» من الحكم.. راوية تعتمد على ذاكرة في تذكر ما روته لها ذاكرة مريض وجد نفسه في سجن ذهبي لكن على عكس سجون ومنافي شبابه وكهولته سجن لا فكاك منه إلا عندما تغادر الروح الجسد..

ولكن سعاد سرعان ما تختفي وراء الأنا البورقيبية ليأخذ الزعيم مقاليد السرد تماما كما كان يفعل دائما أيام العنفوان والمجد.. وأحيانا تتسلل بين منعطفات الذاكرة الروائية حتى لا يستنزف القارئ من استفراد المجاهد الأكبر به..

نجد في الرواية زمنين رئيسيين: زمن الحدث التاريخي وزمن الما يحدث النفسي.. زمن يروي لنا ما نعلمه من حياة بورقيبة إلى حدود الاستقلال الداخلي الذي توقفت عنده الرواية وزمن الأحاسيس والمشاعر والحسابات الداخلية والمخططات الذهنية والعاطفية.. زمن داخلي.. زمن الكشف والاكتشاف ثم هنالك زمن ما بين بين .. زمن برزخي.. زمن لا ينتمي للتاريخ ولا ينتمي كلية للمشاعر الداخلية.. زمن خلقته أميرة غنيم.. زمن فاضح كاشف ولكنه حاجب وعازل أيضا.. زمن بشري لا مكان فيه للتاريخ وللزعامة..

تبدأ الرواية بلحظة برزخية.. لحظة غياب الزعيم عن الناس وعن جسده خلال مرضه الأخير.. لحظة برزخية بين عالمين ينظر فيها الزعيم إلى المحيطين به من علٍ.. تبدأ الرواية من المنستير في مارس سنة 2000 وتنتهي بعد أكثر من خمسمائة صفحة في المنستير كذلك في شهر أفريل من نفس السنة.. عندما دفن الزعيم في بهتة من سجانيه وفي غفلة من الزمن..

زمن الرواية أسابيع معدودات تستعيد فيها الممرضة سعاد ما علق بذاكرتها من روايات الحبيب بورقيبة من الولادة إلى الاستعداد للعودة إلى تونس في غرة جوان 1955.. نصف قرن من حياة بدأت متعثرة حزينة زادها يتم الأم حزنا وكمدا وعقد الذات اضطرابا..

عقدة القصر فهو «طابو» و«شبر غير ربع» عند أقرانه وعقدة ستلاحقه في شبابه وكهولته عقدة الخصية التي تأبى أن تأخذ مكانها الطبيعي مخلفة في النفس مرارة مع عشق لا يشفى.. عشق النساء لازم الحبيب منذ شابه ورافقه طيلة كفاحه ولنا أن نتخيل مواصلته زمن مجده وقوته وكذا - ربما - زمن الجحود والمرض والسجن الذهبي الذي لم يفارقه إلا مع الانفصال عن الجسد وعن العالم..

حرصت أميرة غنيم على احترام التسلسل التاريخي للزمن وما رواه بورقيبة عن مسيرته وحياته وخاصة في تلك المحاضرات التسع التي ألقاها ما بين أكتوبر وديسمبر سنة 1973 بمعهد الصحافة والتي مثلت مادة لا غنى عنها للبناء الدرامي للرواية.. ولكن الراوية لم تقنع بهذا بل أرادت النفاذ إلى الحبيب الذي يقبع خلف وداخل بورقيبة المجاهد الأكبر..

كان هاجس أميرة غنيم أن تكشف لنا مشاعر وأحاسيس وحسابات ذلك الفتى ثم الشاب والكهل الذي تنبأ له القدر بأن يكون « الدنفير الذي يخرج من المنستير والذي جميع الدول فيه تحير»..

بورقيبة أميرة غنيم يشبه ولا يشبه في آن واحد ما نعرفه عن بورقيبة انطلاقا من روايته عن نفسه..

لا شك أن بورقيبة أميرة غنيم عظيم ولكن ليس بنفس مقياس عظمة «المجاهد الأكبر»..

فبورقيبة أميرة غنيم ذكي ذو خبث ودهاء يصل به أحيانا إلى الاحتيال: وكيف يمكن لذلك الصبي الفقير واليتيم والمريض ألا يحتال على الزمن لكي يتمكن من تحقيق أحلامه العظيمة وأن يصبح «الباي» الموعود من قبل درويش القصبة عندما كان الصبي في المرحلة الابتدائية وكيف له ألا يحتال على عالم عنيف يحيط به من كل جانب.. هو لا يعيش لكن يحتال بل يحتال فقط لكي يعيش..

عاش الحبيب ردحا من الزمن لم يكن أحد فيه مقتنع بعظمته.. وحده الحبيب في منعطفات ذاته كان يحلم بعظمة كل المؤشرات كانت تقول بأنها لن تأتي.. ولكن لا حدّ لأحلام هذا الفتى...

الأحلام لا تتحقق دفعة واحدة بل تبنى لبنة لبنة كما خطط لذلك الحبيب ليحصل على ما يكفي من مال للذهاب إلى باريس لدراسة الحقوق وهذه الاستراتيجية الذاتية ستصاحب الزعيم طوال حياته ويجعل منها نظرية كاملة وشاملة «سياسة المراحل»..

بعد «الدنفير» و«الباي» تكتمل ثلاثية الغيب بكلمات متشرد في مدخل حديقة «التويلري» عندما قال له وهو مازال حديث عهد بباريس: «في حياتك أربع نساء أيها الصغير (...) الأولى امرأة أنت تحبها.. ترفعك فتضعها، ومنها نسلك.. والثانية امرأة هي تجدك، ترفعها فتضعك، ومعها مجدك.. والثالثة امرأة تسير بك إلى حتفك.. والرابعة توصلك إلى قبرك»..

اثنتان للحب وللحياة واثنتان للهلاك وللنهاية..

ولكن قصة بورقيبة أميرة غنيم مع النساء أكبر وأوسع من هذا.. بورقيبة عاشق وهو عند النساء يبحث عن تلك الأم التي فقدها صغيرا وفقد معها الحنان المطلق والأول وهو يبحث عما قد يداوي به أرقه ويثبت به لنفسه فحولته ولكن يبحث كذلك عن الحب.. عن العشق.. عن جنون الحب بأكمله وعظمته.. بورقيبة عاشق ولهان ويحب إلى حدّ الهذيان.. كل أجيال التونسيات والتونسيين منذ أواسط القرن الماضي يعلمون أن «المجاهد الأكبر» وقبل وصوله إلى الحكم كان يعيش قصة حب استثنائية بكل المقاييس الشخصية والاجتماعية، قصة حب جمعت بين متزوجين انتهت بطلاق كليهما ثم زواجهما بعد أن أضحى المجاهد الأكبر رئيسا للجمهورية، ولكن لا يبدو أن التونسيين - رغم المحافظة الطاغية في مجتمعنا - قد نقموا على الزعيم من أجل هذا وكأنّ من حق الشخص الاستثنائي أن يعيش بصفة استثنائية...

ولكن في الرواية قصة الحب بين الحبيب ووسيلة أعظم وأعنف وأعمق وأجمل.. قصة حب اختلط فيها كل شيء، لقد ملكت قلب وروح وعقل الزعيم حتى وهو يخطط للانتصار على خصوم وأعداء الداخل والخارج..

بورقيبة في رواية أميرة غنيم شخصية برزخية لا تنتسب لعالم محدد ولا تخضع لمزاج واحد وهي في شد وجذب بين متناقضات شتى: الشجاعة والخوف.. شدة الانفعال وبرودة الحسابات فلا نحن أمام ملاك طاهر ولا ابليس الأبالسة.. اننا أمام انسان عظيم.. عظيم بجراحاته وأحلامه.. بعقده وقدرته على التجاوز.. بضعفه وقوته.. نحن أمام عظمة لا تلغي الانسانية وما يتبعها ضرورة من أنانية ومما يعتبره بعضهم انتهازية.

اننا لسنا فقط أمام رواية عن رجل عظيم اننا أيضا أمام رواية عظيمة تدخلنا إلى عالم افتراضي داخلي للأب المؤسس لتونس الحديثة.. رواية أوديبية إلى حدّ ما .. إنها تعرّي الأب ولكنها لا تقتله..

لقد خصصت بيت الحكمة يوم السبت 30 ماي الماضي ندوة بعنوان «السرد والتأريخ والتأويل: قراءات في أعمال أميرة غنيم».. ندوة تدخّل خلالها المختصون في الأدب والتاريخ والفلسفة احتفاء بهذه الروائية التي أضحت في سنوات قليلة علما من أعلام الأدب التونسي وحملت رايته عاليا عربيا ودوليا..

قد يتبادر إلى ذهن البعض تساؤل حول مدى وفاء الرواية لشخصية الزعيم.. والجواب الاستفزازي هو أن الغدر أجمل أشكال الوفاء...

والأهم من كل ذلك أن المطلوب من الرواية أن تبني عالمها الخاص وأن تغرينا بالدخول فيه وحتى بالتيه في ثناياه.. والانتاج الأدبي لا يكون ابداعا إلا متى تركنا حيارى وسكارى من لذة التجوال في دروب الذات المتعرجة

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115