تحصينات إيرانية وتحشيد أمريكي..  واشنطن وطهران تتحسبان لاستئناف الحرب وسط تعثر الدبلوماسية

تعزز إيران تحصين منشآتها النووية ومواقعها الحساسة

بالتزامن مع تحركات عسكرية أمريكية متزايدة في الشرق الأوسط، في مؤشرات تعكس استمرار الاستعداد لاحتمال استئناف المواجهة بين الطرفين، رغم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. وبينما تعمل طهران على ترميم قدراتها الصاروخية وتدعيم دفاعاتها، تدرس واشنطن خيارات عسكرية جديدة وتواصل الضغط الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الإيرانية من توسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل المصالح الأمريكية في المنطقة.

وتكشف هذه التطورات، وفق تقديرات مراقبين، أن الهدوء النسبي الذي أعقب جولات المواجهة السابقة لا يعكس تحولا حقيقيا نحو التسوية، بقدر ما يمثل مرحلة لإعادة ترتيب القدرات العسكرية والاستعداد لسيناريوهات أكثر خطورة. وفي ظل استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني وشروط إعادة فتح مضيق هرمز، تبدو فرص التوصل إلى تفاهم قريب محدودة، خصوصا مع تمسك كل طرف بأوراق الضغط التي يعتقد أنها قادرة على تحسين موقعه التفاوضي.

تحصينات إيرانية

أظهرت صور ملتقطة بالأقمار الصناعية أن إيران تعمل على تعزيز الإجراءات الدفاعية حول مواقع حساسة، تشمل منشآت نووية ومناطق مرتبطة بالأمن القومي، استعداداً لاحتمال تعرضها لهجمات أميركية جديدة. وذكرت صحيفة ''وول ستريت جورنال'' أن طهران أقامت سواتر ترابية حول موقعي ''جبل الفأس'' و''نطنز'' النوويين، في خطوة تهدف، وفق تحليل الصور الذي أجراه معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، إلى تعزيز الحماية وعرقلة أي محاولة محتملة لشنّ هجوم بري.

وتشير هذه التحركات إلى أن القيادة الإيرانية تتعامل مع احتمالات تجدّد الحرب باعتبارها تهديدا قائما، لا مجرد سيناريو بعيد، خاصة في ظلّ التصريحات الأمريكية التي أبقت خيار الضربات العسكرية مطروحا، رغم استبعاد الرئيس دونالد ترامب شن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل.

ويرى مراقبون أنّ تعزيز التحصينات لا يقتصر على حماية المنشآت النووية من الضربات الجوية، بل يشمل محاولة تقليص أثر الهجمات المحتملة وإطالة قدرة المواقع الحيوية على الصمود، بما يرفع كلفة أي عملية عسكرية أمريكية. فإيران تدرك محدودية قدرتها على مواجهة التفوق الجوي الأمريكي بصورة مباشرة، الأمر الذي يدفعها إلى الاستثمار في التحصينات والتمويه وإعادة بناء المنشآت المتضررة، بالتوازي مع التلويح بتوسيع المواجهة إقليمياً.

وفي هذا السياق، أفادت ''وول ستريت جورنال'' بأن مسؤولين إيرانيين حذروا، علنا وخلال اتصالات مع مسؤولين إقليميين، من أن استئناف الهجمات الأميركية سيقابله تصعيد في العمليات الإيرانية في أنحاء الشرق الأوسط. وتندرج هذه التحذيرات ضمن إستراتيجية ردع تقوم على إقناع واشنطن بأن أي هجوم جديد لن يظل محصورا داخل الأراضي الإيرانية، بل قد يمتد إلى القواعد العسكرية والمصالح البحرية الأمريكية في المنطقة.

كما تعمل السلطات الإيرانية على تهيئة الداخل لاحتمال تجدد الحرب، من خلال تنظيم تجمعات حاشدة وتكثيف الأنشطة التعبوية والتدريبات، بما فيها دورات تتعلق باستخدام الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف. وذكرت الصحيفة أن قوات شبه عسكرية تشارك في أنشطة توعوية داخل رياض الأطفال تتناول قصص المعارك، في مؤشر على توسيع الاستعدادات لتشمل الجبهة الداخلية والمجتمع.

ويؤكد محللون أن التعبئة الداخلية تؤدي وظيفتين متوازيتينّ، أولهما رفع مستوى الجاهزية المعنوية والتنظيمية تحسبا لأي مواجهة جديدة، وثانيتهما نشر صورة الدولة الصامدة في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، اعتبرت تقديرات نقلتها ''وول ستريت جورنال'' أن الاستعداد للحرب قد يخدم حسابات القيادة الإيرانية في مرحلة الجمود الدبلوماسي والاقتصادي، إذ يمكن أن يساهم التصعيد في إعادة ترتيب المشهد الداخلي وتحويل الاهتمام بعيداً عن الأزمات المعيشية. لكن مراقبين يحذرون من أن الرهان على المواجهة قد يحمل مخاطر كبيرة، خصوصا إذا تحولت التهديدات المتبادلة إلى عمليات عسكرية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.

خيارات عسكرية مفتوحة

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة لتعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط، تحسبا لاحتمال انهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى المواجهة المباشرة. ووفقا لما أوردته ''وول ستريت جورنال''، تتجه مجموعة حاملة طائرات ثالثة ووحدة إضافية من مشاة البحرية إلى المنطقة، فيما يدرس البنتاغون إرسال مزيد من معدات الدفاع الجوي والذخائر إلى القواعد الأمريكية.

وتأتي هذه التحركات في وقت لم تستبعد فيه واشنطن تنفيذ ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية، رغم إعلان ترامب أنه لا يعتزم شن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي. كما ألمح الرئيس الأمريكي إلى إمكانية استهداف موقع ''جبل الفأس'' النووي، بينما أفاد مسؤولون أمريكيون بأن المؤسسة العسكرية تواصل إعداد مجموعة من الخيارات للتعامل مع تطورات الموقف.

ويرى خبراء عسكريون أن تعزيز الانتشار الأمريكي يهدف إلى تحقيق أكثر من غاية، أبرزها رفع مستوى حماية القوات والمنشآت الأميركية، وتأمين حرية الحركة البحرية، وتوفير خيارات عملياتية جاهزة إذا قررت الإدارة الأمريكية استئناف الضربات. كما يمكن أن يشكل الحشد العسكري رسالة ضغط على طهران لحملها على تعديل شروطها التفاوضية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالعودة إلى الحرب.

وتكشف هذه التحركات، في المقابل، أن واشنطن لا تنظر إلى التهدئة بوصفها ضمانة كافية لاحتواء المخاطر، بل تسعى إلى الحفاظ على تفوقها العملياتي والاستعداد لمختلف السيناريوهات. وتزداد أهمية هذه الاستعدادات مع استمرار التهديدات الإيرانية للملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.وكانت المواجهة المباشرة بين الطرفين قد تراجعت إلى حد كبير بعد إلغاء ترامب خططا لتصعيد عسكري واسع في أواخر يوليو الماضي، وسط مخاوف تتعلق بمخزونات الصواريخ الاعتراضية اللازمة لحماية الأهداف الأميركية والإقليمية. غير أن فترة التوقف لم تؤد إلى تسوية سياسية، بل أتاحت لكل طرف فرصة لإعادة تقييم قدراته ومراجعة خياراته.

وفي هذا السياق، أفادت الصحيفة بأن البنتاغون نقل، الأسبوع الماضي، 12 طائرة قاذفة من طراز ''B-1'' من قاعدة عسكرية بريطانية، وسط مخاوف من أن الحرس الثوري الإيراني كان يخطط لهجوم باستخدام الطائرات المسيّرة. كما أشارت إلى أن صواريخ إيرانية اقتربت من سفن حربية أمريكية خلال هجمات وقعت في سبتمبر، في تطورات تعكس استمرار المخاطر الميدانية رغم تراجع وتيرة المواجهة المباشرة.

ويؤكد محللون أن الحشد العسكري المتبادل يضع الطرفين أمام معادلة دقيقة: فالتراجع عن التصعيد قد يُفسر باعتباره تنازلا تحت الضغط، بينما يمكن أن يؤدي الإقدام على ضربة جديدة إلى إطلاق سلسلة من الردود يصعب احتواء نطاقها. لذلك، تبدو الاستعدادات العسكرية جزءاً من صراع الإرادات والتفاوض بالقوة، لكنها في الوقت نفسه ترفع احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة أوسع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115