في "المهرجان الدولي للعود بالمدينة": من تونس إلى "الثلاثي جبران"... العود  يعزف ذاكرة الأوطان

يقول  الغزالي «من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره

والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج». ولأنّ العود  لا يكتفي بصناعة النغم  إنما يحمل في تجاويفه حكايات الأمم وملامح الأمكنة والذاكرة، يواصل النادي الثقافي الطاهر الحداد الاحتفاء بآلة العود وعزف أوتارها، وذلك عبر تنظيم  الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للعود بالمدينة. وتكتسب هذه الدورة نكهة خاصة مع اختيار "الثلاثي جبران" من فلسطين لإحياء سهرة الاختتام يوم السبت 24 أكتوبر بمسرح الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي.

احتفاء بآلة تختزن ذاكرة الموسيقى العربية، تنطلق يوم الجمعة 16 أكتوبر فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للعود بالمدينة وتتواصل إلى غاية 24 أكتوبر ضمن برنامج يجمع العروض الموسيقية والورشات التكوينية والمسابقة واللقاءات العلمية.

العود التونسي.. خصوصية السماع والاستماع

لا تنحصر هوية العود في خشبه وأوتاره وشكله الخارجي، إنما تتجلى أيضا في  خبرة الحرفي وعدد الأوتار وطرق العزف.. لذلك فإن الحديث عن العود التونسي يمثل مدخلا إلى التعريف بخصوصية التجربة الموسيقية المحلية وتوثيق ما راكمته من معارف وممارسات.

وفي الجمع بين الآلة لأنها موضوعا للمعرفة والحرفي لأنه حاملا لخبرة الحرفة والعازف  لأنه من  يمنح  الآلة صوتها وحياتها أمام الجمهور، اختار المهرجان الدولي للعود أن يفتتح برنامجه بمعرض لآلة العود التونسي والمشرقي من إعداد الحرفي في صناعة العود الهادي بالأصفر الذي سيتم تكريمه بالمناسبة. وإلى جانب ورشة حية في صناعة العود، سيكون الافتتاح  بإمضاء الفنان زياد غرسة.

يتجاوز التكريم هنا معنى الالتفاتة الرمزية إلى حرفي ساهم في صناعة العود  إلى  تأكيد مكانة الصناعات الموسيقية التقليدية في المنظومة الثقافية. فلا يمكن الحديث عن استمرارية الموسيقى دون  حفظ تقنيات الحرفة وتشجيع نقل الخبرة وخلق التواصل  بين الحرفيين والمؤسسات الثقافية والمعاهد الموسيقية.

من أشور إلى إشبيلية.. رحلة العود عبر الثقافات

لأن الموسيقى تجتاز الحدود،  يفتح المهرجان الدولي للعود نوافذ على العالم عبر باقة من اللقاءات والعروض. ففي يوم الاثنين 19 أكتوبر، يحتضن النادي الثقافي الطاهر الحداد عرض «رحلة العود من أشور إلى إشبيلية» للفنان هيكل سيالة، في عنوان يستحضر الامتدادات التاريخية والثقافية التي ارتبطت بتطور الآلات الوترية وانتقالها بين الحضارات. ويليه، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، عرض للفنان التركي محمت أمين بيتماز. ، فيما يلتقي الجمهور يوم الأربعاء 21 أكتوبر مع «ثنائي زياد مهدي»، الذي يجمع زياد مهدي وكايل شافير في مدينة الثقافة.

وتتواصل البرمجة يوم الخميس 22 أكتوبر بعرض «ما وراء المقام» للفنانة غالية بن حليمة في النادي الثقافي الطاهر الحداد، بينما يجمع عرض يوم الجمعة 23 أكتوبر الفنان اللبناني شربل روحانا بإيلي الخوري ومكرم أبو الحسن. وتكشف هذه اللقاءات عن قابلية العود للعبور بين التجارب الموسيقية المختلفة، وعن قدرة الآلة على استيعاب حوارات جديدة من دون أن تفقد صلتها بجذورها.

وتحضر هذه الفكرة أيضا في عرض الفنان التونسي رامي الكافي، الذي يسهر معه الجمهور يوم السبت 17 أكتوبر، عقب انطلاق مسابقة العزف على آلة العود المشرقي، التي يشرف على تحكيمها سفيان نقرة وعلي السياري وأنيس غراب.

 أما الاختتام، فيكون يوم السبت 24 أكتوبر بمسرح الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، مع عرض للثلاثي جبران الفلسطيني، في لقاء يربط بين تجربة موسيقية عربية معاصرة وفضاء واسع من التعبير على آلة العود.

الإخوة جبران.. والعود العابر للحدود

يأتي اختيار الثلاثي جبران لإحياء سهرة اختتام المهرجان الدولي للعود  موفقا إلى أبعد الحدود. فتجربة هذا الثلاثي تلتقي فيها الذاكرة بالتجريب، والتراث بالتعبير المعاصر. وقد ارتبطت تجربة الإخوة جبران - وهم من أبرز الأسماء الفلسطينية التي جعلت العود محور مشروعها الموسيقي- بالبحث عن إمكانات جديدة في الأداء والتأليف، وببناء لغة موسيقية تستند إلى هوية واضحة من دون أن تنغلق على قالب واحد.

وفي تجربتهم، لا يبدو العود مجرد آلة ترافق الصوت أو تزين اللحن، إنما يمثل نقطة ارتكاز لبناء موسيقي تتجاور فيه الجمل اللحنية وتتفاعل، وتتسع فيه مساحة الحوار بين العازفين. وهو ما يمنح حضورهم في اختتام المهرجان دلالة تتجاوز قيمة العرض نفسه، ليفتح بابا للتفكير في قدرة العود على أن يكون أداة للتجديد، وأن يخاطب جمهورا متنوعا من دون أن يتخلى عن جذوره.

ومن تونس إلى فلسطين، لا يحتاج العود إلى ترجمة كي يصل إلى مستمعيه. فدندنة العود  قادرة على عبور المسافات، وعلى حمل ما تعجز الكلمات عن قوله والحروف عن ترجمته.

بين المحافظة والتجديد.. أي مستقبل للعود التونسي؟

من خلال مؤتمر بعنوان «مقاربات نقدية معاصرة ورهانات التجديد» يحتضنه قصر النجمة الزهراء بسيدي بوسعيد يوم الجمعة 23 أكتوبر، سيكون المجال مفتوحا للنقاش والتفكير بعيدا عن الاكتفاء بالاحتفاء بالآلة أو استعادة تاريخها.

فكيف يمكن تحديد خصوصية العود التونسي وتوثيق خصائصه؟ وما الذي يحتاج إلى الحفظ بوصفه جزءا من الذاكرة الموسيقية المحلية، وما الذي يمكن أن يخضع للتطوير والتجريب؟ وكيف يمكن التوفيق بين صون تقاليد الصناعة والعزف، وتشجيع الموسيقيين على ابتكار أشكال جديدة في التأليف والأداء؟

تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى توثيق تجارب العازفين والصنّاع، وجمع الشهادات والمخطوطات والتسجيلات المتصلة بالعود التونسي، وإتاحة هذا الرصيد للباحثين والطلبة والموسيقيين. كما أن إدماج التعريف بالآلة في برامج التكوين الموسيقي، وتشجيع الحرفيين على نقل خبراتهم، وتوفير فرص للتعاون بين الصناع والعازفين، يمكن أن يحوّل الاهتمام بالعود التونسي من مناسبة احتفالية إلى مسار ثقافي متواصل عبر الأجيال.

على امتداد تسعة أيام، يوزع المهرجان الدولي للعود فعالياته بين فضاءات ثقافية مختلفة، من النادي الثقافي الطاهر الحداد في المدينة العتيقة إلى دار العود التونسي وقصر النجمة الزهراء ومدينة الثقافة. كما تتعدد الفضاءات، تتنوع أيضا الفقرات في المهرجان من عروض موسيقية تستقطب الجمهور، وورشات تتيح التعرف على  صناعة الآلة، ومسابقة تشجع العازفين على الإبداع، ولقاء علمي يضع أسئلة الهوية والتجديد على طاولة النقاش.

وبين أوتار تستعيد ذاكرة المكان، وأصابع تختبر إمكانات الصوت، وحرفة تمنح الخشب حياة موسيقية، يبقى العود لحن الذاكرة الموسيقية التونسية ووترها الرنّان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115