دعم جوي مكثف ومئات الأهداف وباب المندب في قلب التصعيد: "فجر اليمن" ..عملية عسكرية واسعة لاستعادة مؤسسات الدولة

دخل الصراع اليمني مرحلة جديدة من التصعيد العسكري

مع إعلان الحكومة اليمنية الانتقال رسميا من مرحلة التعبئة والاستعداد إلى تنفيذ عمليات واسعة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، بالتزامن مع إطلاق عملية "فجر اليمن"، ومارافقها من تحركات ميدانية باتجاه مواقع استراتيجية، أبرزها مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويأتي هذا التصعيد بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، أمس الأول الأحد، بدء العمليات العسكرية بهدف استعادة ما تبقى من الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وبسط سلطة الحكومة ومؤسسات الدولة على كامل البلاد، في خطوة تعكس، وفق مراقبين، انتقال المواجهة من سياسة الاحتواء والضغط العسكري المحدود إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة.

وقال العليمي في خطاب متلفز إن الدولة ''انتقلت من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة العمل''، مؤكدا أن القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية ستباشر تنفيذ المهام الموكلة إليها وفق الخطط المعتمدة، بعد ما وصفه باستنفاد فرص التهدئة.

وفي تطور لافت، أعلن العليمي،أمس الاثنين، انطلاق عملية ''فجر اليمن''، التي قال إنها تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين، فيما أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني في منطقة باب المندب.

باب المندب.. البعد الاستراتيجي للمعركة

وفي أبرز التطورات الميدانية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن قوات ''العمالقة'' و''درع الوطن'' تمكنت من السيطرة على مضيق باب المندب، إلى جانب وضع مطار مديرية ذوباب تحت سيطرة القوات الحكومية.

ويكتسب هذا التطور أهمية تتجاوز الحسابات العسكرية اليمنية الداخلية، نظرا للموقع الاستراتيجي لباب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل ممرا رئيسيا لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ويرى محللون أن السيطرة على المنطقة، إذا ما ثبت استمرارها ميدانيا، يمكن أن تمنح القوات الحكومية وحلفاءها أفضلية إستراتيجية مهمة، ليس فقط في إدارة خطوط الإمداد العسكرية، وإنما أيضا في التأثير على أمن الملاحة في البحر الأحمر ومراقبة التحركات القادمة من الساحل الغربي.

ويؤكد خبراء في الشؤون الأمنية أن باب المندب يمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في الأزمة اليمنية، إذ إن أي اتساع للعمليات العسكرية في محيطه قد ينعكس مباشرة على حركة السفن التجارية والتأمين البحري وأسعار الشحن والطاقة، خصوصاً في ظل التوترات المتراكمة التي شهدها البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة.

100 مقاتلة في العملية

وفي مؤشر على اتساع نطاق العملية العسكرية، أعلن المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، مشاركة نحو 100 طائرة مقاتلة في عملية "فجر اليمن".وقال المالكي إن التحالف يوفر إسنادا جويا للقوات الحكومية على الأرض على مدار الساعة، مضيفا أن الحماية الجوية لمضيق باب المندب مستمرة، إلى جانب التعامل مع الأهداف المتحركة.

وتعكس هذه التصريحات، بحسب مراقبين، حجم الرهان العسكري على المرحلة الجديدة، خصوصا أن الغطاء الجوي يوفر للقوات البرية قدرة أكبر على التحرك في مناطق مفتوحة وعلى استهداف خطوط الإمداد ومراكز تجمع القوات الحوثية.

لكن خبراء عسكريين يحذرون في المقابل من أن التفوق الجوي لا يعني بالضرورة حسما سريعا على الأرض، خصوصا في حرب طويلة ومعقدة مثل الحرب اليمنية، حيث لعبت طبيعة التضاريس وانتشار القوات المحلية وتعدد الجبهات دورا أساسيا في إطالة أمد الصراع.

تعز.. جبهة تتصدر المشهد

وتزامن الإعلان عن العملية العسكرية مع تصعيد واسع في محافظة تعز، إحدى أكثر الجبهات حساسية في الحرب اليمنية.وأفادت مصادر محلية بسيطرة الحوثيين على منطقة الصافية في مديرية الشمايتين، وهي منطقة يمر عبرها الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن، ما أدى إلى تعطيل حركة المسافرين والسكان، بالتزامن مع تحركات عسكرية للجماعة في مناطق أخرى من المديرية.

وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 97 عملية استهداف ضد تعزيزات عسكرية للحوثيين في جبهتي طور الباحة ومحور تعز، وقالت إن العمليات أسفرت عن "تحييد" 260 من عناصر الجماعة وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

ويرى مراقبون أن تعز قد تتحول إلى واحدة من أبرز ساحات الاختبار للعملية الجديدة، نظراً لموقع المحافظة وأهميتها الجغرافية والعسكرية، فضلاً عن ارتباطها بممرات إستراتيجية تصل وسط اليمن بجنوبه وسواحله الغربية.ويؤكد محللون أن أي تغير في ميزان القوى في تعز ستكون له انعكاسات على مسارات القتال الأخرى، خصوصا أن المحافظة تقع في منطقة تتقاطع فيها خطوط المواجهة بين القوات الحكومية والحوثيين، وتقترب من طرق إستراتيجية باتجاه الساحل الغربي وعدن.

الحوثيون يردون

وفي الجانب الآخر، أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذ عمليتين عسكريتين قالت إنهما استهدفتا منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في الرياض ومنطقة خريص، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة.وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع إن العمليتين حققتا أهدافهما، متحدثا عن اندلاع حرائق في المواقع المستهدفة، من دون صدور تأكيد مستقل بشأن طبيعة الأضرار أو وقوع الحرائق.

ويأتي الإعلان الحوثي في سياق تصعيد متبادل يتجاوز الجغرافيا اليمنية، إذ تسعى الجماعة، وفق مراقبين، إلى توسيع نطاق الرد ليشمل منشآت اقتصادية ونفطية داخل السعودية، في محاولة لرفع تكلفة العمليات العسكرية على الحكومة اليمنية وحلفائها.

كما أعلنت الجماعة أن السعودية نفذت خلال الساعات الـ12 السابقة نحو 50 غارة جوية وصاروخية على مناطق عدة، بينها صنعاء والجوف وتعز وعمران وحجة وصعدة، متحدثة عن إجمالي بلغ 1460 غارة منذ بدء التصعيد، وهي أرقام لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.

ويقول خبراء إن استمرار تبادل الضربات بين الطرفين يفتح الباب أمام سيناريو تصعيد إقليمي أوسع، خاصة إذا استمرت الهجمات على المنشآت النفطية أو امتدت إلى الممرات البحرية والمنشآت الحيوية.

ولم يقتصر التصعيد على الجبهات البرية، إذ أعلنت هيئة التجارة البحرية البريطانية تلقي بلاغ عن حادث تضمن عدة انفجارات قرب ناقلة على بعد نحو 60 ميلا بحرياً جنوب مدينة المخا غربي اليمن.ووفق المعلومات الأولية، شاهد طاقم الناقلة عدة انفجارات على مقربة من السفينة، من دون تسجيل إصابات أو أضرار بيئية، فيما ظل مصدر الانفجارات وطبيعتها غير واضحين في الساعات الأولى من الحادث.

ويرى مختصون في أمن الملاحة أن وقوع مثل هذه الحوادث بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية يضاعف المخاطر على حركة السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، حتى في حال عدم إصابة السفن أو وقوع خسائر بشرية.كما أن استمرار حالة عدم اليقين في الممرات البحرية قد يدفع شركات النقل والتأمين إلى إعادة تقييم مساراتها وتكاليفها، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على حركة التجارة العالمية.

التحالف: دعم العمليات الحكومية مستمر

من جهته، أعلن التحالف بقيادة السعودية استمرار تقديم الدعم العملياتي للقوات الحكومية اليمنية، مؤكدا أن الهدف يتمثل في دعم الحكومة واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.

وقال اللواء تركي المالكي إن قيادة القوات المشتركة للتحالف تواصل تقديم الدعم العملياتي للقوات المسلحة اليمنية، مشيراً إلى أن الإجراءات العسكرية تهدف إلى مواجهة ما وصفه بـ''الاعتداءات الإرهابية'' للحوثيين.واتهم المالكي الجماعة بممارسة الحصار والتهجير والتجويع ونهب الموارد وتجنيد الأطفال، كما اتهمها بشن هجمات على الأراضي السعودية ومحاولة استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة وعدد من المدن السعودية، إضافة إلى تهديد السفن في جنوب البحر الأحمر وباب المندب.ويرى مراقبون أن الموقف السعودي يعكس عودة الملف اليمني إلى واجهة الحسابات الأمنية الإقليمية، خصوصاً مع انتقال المواجهة من الجبهات الداخلية إلى المجال البحري والمنشآت الحيوية.

أزمة إنسانية جديدة

وفي موازاة التصعيد العسكري، تتزايد المخاوف من انعكاس العمليات الجديدة على الوضع الإنساني في اليمن.ودعا رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحرك عاجل يتناسب مع تصاعد الاحتياجات الإنسانية وتزايد موجات النزوح.

وخلال لقاء مع مستشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ جون جينغ، شدد الزنداني على ضرورة تعزيز الاستجابة الدولية، وتوفير التمويل وتسريع وصول المساعدات والإمدادات، ودعم قطاعات الصحة والتغذية والحماية والإيواء.ويحذر خبراء في الشأن الإنساني من أن اتساع رقعة العمليات قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس والطرق الرئيسية، حيث يمكن لأي تغيير ميداني أن يعطل حركة السكان ويصعّب وصول المساعدات.

ويؤكد مراقبون أن التحدي الأكبر أمام الأطراف اليمنية لن يكون عسكريا فقط، بل إنسانيا أيضا، إذ إن استمرار العمليات لفترة طويلة قد يفرض ضغوطا إضافية على البنية الصحية والخدمات الأساسية ويزيد من أعداد المدنيين المحتاجين إلى المساعدة.

بين الحسم العسكري و التفاوض

ويرى محللون أن إعلان ''معركة التحرير'' لا يعني بالضرورة أن الحرب تتجه إلى حسم سريع، وإنما قد يكون بداية لمرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى على الأرض.فالحكومة اليمنية تراهن على الدعم العسكري والجوي وعلى تحريك جبهات متعددة في محاولة لتقليص مناطق سيطرة الحوثيين، بينما تعتمد الجماعة على قدرتها على الرد بالصواريخ والمسيّرات واستهداف العمق السعودي والضغط عبر الجبهات الداخلية والممرات البحرية.

ويشير خبراء إلى أن نجاح العملية الحكومية سيبقى مرتبطا بعدة عوامل، أبرزها قدرة القوات المختلفة على العمل ضمن قيادة ميدانية متماسكة، وتأمين خطوط الإمداد، والحفاظ على المناطق التي قد يتم انتزاعها، فضلا عن منع تحول تعدد التشكيلات العسكرية إلى عامل خلاف داخلي.

في المقابل، فإن الحوثيين، رغم الضغوط العسكرية، يمتلكون خبرة طويلة في إدارة المعارك غير المتكافئة، وقدرة على الاستفادة من الجغرافيا اليمنية المعقدة، وهو ما يجعل الطريق إلى أي حسم نهائي أكثر صعوبة.

معركة اليمن.. تتجاوز حدود البلاد

وتذهب تقديرات سياسية إلى أن التطورات الأخيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي، فاليمن يقع عند تقاطع ملفات أمن البحر الأحمر والطاقة والتجارة الدولية والعلاقات السعودية الإيرانية، فضلا عن ارتباط جماعة الحوثيين بمشهد الصراع الإقليمي الأوسع.

ويؤكد مراقبون أن السيطرة على باب المندب، إذا استقرت ميدانيا، ستمنح الحكومة وحلفاءها ورقة إستراتيجية مهمة، لكنها في الوقت ذاته قد تجعل المنطقة أكثر حساسية أمام أي رد عسكري حوثي.

وبينما تدخل العملية العسكرية الجديدة يومها الأول تحت عنوان "فجر اليمن"، تبدو المعركة مفتوحة على أكثر من مسار وهي جبهة برية تتسع، وممر بحري استراتيجي يخضع لإجراءات عسكرية مكثفة، وهجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت سعودية، وأزمة إنسانية مرشحة للتفاقم، ومسار سياسي لا يزال مهددا بعودة الحرب إلى مستويات أكثر اتساعا..وبحسب محللين، فإن الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في قدرة أي طرف على تحقيق تقدم ميداني، وإنما في قدرته على تحويل ذلك التقدم إلى واقع سياسي وأمني مستدام، يمنع تجدد القتال ويعيد فتح الطريق أمام تسوية يمنية شاملة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115