في السنوات الأخيرة، تواترت إضرابات الجوع فأصبحت لا تحصى ولا تعد ، ولم يعد إضراب الجوع في تونس فعلا استثنائيا بل تحول إلى شكل من أكثر الأشكال قسوة للاحتجاج السلمي داخل السجون التونسية يلجأ إليه السياسي والصحفي والحقوقي من مختلف الفئات .... للتعبير عن تمسكه بالحرية وبالمحاكمة العادلة.
معركة "الأمعاء الخاوية" ، حين يحول السجين جسده إلى أداة للضغط ومقاومة عندما تغلق كل الأبواب والطرق رغم خطورته لإيصال صوته للرأي العام المحلي والدولي ، وتسليط الضوء على القضية لتكون الحدث الابرز.
لقد شكّلت إضرابات الجوع داخل السجون التونسية قبل ثورة 14 جانفي 2011 سلاحاً نضالياً أساسياً وملاذاً أخيرأ للسجناء السياسيين وسجناء الرأي لمواجهة ظروف الاعتقال القاسية ولفت انتباه الرأي العام، وها هي اليوم تعود للواجهة من جديد واصبحت من ابرز الطرق المتعمدة من قبل اغلب السياسيين والصحفيين ونشطاء المجتمع المدنى والقضاة وايضا المطالبين بالتشغيل والحقوق الاقتصادية والاجتماعية .
ففي سنة 2021 على سبيل المثال سجل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقريره السنوى حول الاحتجاجات الاجتماعية ان إضرابات الجوع التى وقع تنفيذها في اطار التصعيد في بعض الاحتجاجات حتى تجد تفاعلا من طرف السلطة وصل عددها الى 1258 اضراب جوع ، كان من بينها اضراب جوع مفتوح للدكاترة الباحثين المعطلين عن العمل امام وزارة التعليم العالي وحظي هذا الإضراب بزخم واسع دفع حينها برئيس الجمهورية الى زيارتهم ومطالبتهم بفك الاضراب حفاظا على سلامتهم ، كما خاص اعضاء تنسقية سوسة للمطالبة بالتشغيل اضرابا مطولا عن الطعام ...
ثم تزامنا مع الإجراءات الاستثنائية التى اعلن عنها في 25 جويلية 2021 تحول اضراب الجوع الى وسيلة نضال سياسي فقد نفذت مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" في ديسمبر 2021 بمشاركة شخصيات وطنية وسياسية معارضة وحقوقية معروفة اضرابا عن الطعام ولاقى الاضراب اهتماما اعلاميا كبيرا.
اما في السنة الموالية فقد عرفت خاصة باضراب الجوع الذي نفذه عدد من القضاة المعفيين في 2022 – المشمولين بالامر الرئاسي رقم 516 لاعفاء 57 قضايا-، بمقر جمعية القضاة التونسيين احتجاجا على قرار إعفائهم ودفاعا عن استقلال القضاء ولم تخلو هذه السنة ايضا من اضرابات جوع للمطالبة بالحقوق الاجتماعية .
اما في 2023 شهدت تونس موجة واسعة من الإعلانات عن الدخول في إضرابات جوع خاضها بشكل أساسي عدد من أبرز الموقوفين السياسيين والقيادات المعارضة الموقوفين في قضية ما يُعرف بـ"التآمر على أمن الدولة"، احتجاجاً على ظروف إيقافهم ومطالبةً بإطلاق سراحهم ومن بينهم من دخل في إضراب جوع وحشي في تلك الفترة، كما عرفت تلك الفترة بالموجة الاولى في مارس 2023، ثم الموجة الثانية سبتمبر واكتوبر ، بالإضافة الى إضرابات مساندة من خارج السجن على غرار اضراب اعضاء من الحزب الدستوري الحر في نوفمبر احتجاجا على سجن رئيسة الحزب عبير موسى فضلا عن اضرابات لتحسين وضعيات مهنية.
تواصلت إضرابات الأمعاء الخاوية خلال سنة 2024 كوسيلة للاحتجاج خاصة من قبل السياسيين والصحفيين حيث خاض الموقوفين في قضية التأمر على امن الدولة إضرابا جماعيا ، ثم سجلت اضرابات عن الطعام فردية لكنها عرفت بسنة الاضرابات عن الطعام ايضا.
نفس الشيء بالنسبة للسنة التى تلت فانطلاقا من بيانات نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقصتادية والاجتماعية ، شهدت السجون التونسية خلال أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبرمن 2025، 170 يوما من إضراب الجوع، لكن سبقها إضرابات جوع في جانفي وافريل وماي..
اللجوء إلى هذا النمط من الاحتجاج الجسدي منذ سنوات بين إضرابات الصحفيين والسياسين والمحاميين تؤكد تصاعد نسق مثل هذه الاضرابات مما حول السجون التونسية الى فضاء للاحتجاج عبر الجسد كالوسيلة وحيدة متاحة لاثبات الحق في الحياة والكرامة والعدل وما موجة الاضرابات الاخيرة المعلن عنها خلال 2026 الا حلقة من بين حلقات " الامعاء الخاوية" .
لقد كان لمثل هذه الإضرابات في السنة الماضية صدى واثار جدلا خاصة اثر تصريح وزير العدل في مجلس نواب الشعب حول المضربين عن الطعام في السجون التونسية ونفت وجود أي سجين في تونس يشن اضراب جوع وحشي وان بعضهم يضربون عن الطعام "شوية شوية ، كلهم ياكلو" من لا ياكل كثيرا ياكل قليلا" مؤكدة انه من حق السجين الاضراب عن الطعام لكن هناك برتوكول صحى يجب اتباعه.... وانه لا يوجد أي سجين في حالة خطرة .
إلا أن الإضراب عن الطعام وخاصة الوحشي او المتكرر يُمثل خطراً جسيماً على حياة الإنسان وصحته، وتتدهور وظائف الجسم الحيوية بشكل تدريجي وفقاً لمدّة الإضراب ونوعه سواء كان بالاكتفاء بالماء فقط أو بالامتناع التام حتى عن الماء والطعام.