التشغيل: الملف المرحّل

يبدو ان  أزمة المعطلين عن العمل من أصحاب

الشهائد العليا قد تعرف المزيد من التصعيد، في الاسابيع القادمة ان لم تنجح السلطة في انتزاع فتيلها، وهو تأخر  تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 والفصل 57 من قانون المالية ليسنة 2026، والمتعلقين بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية.

اذ خلال الايام القليلة الفارطة تساعدة حدة خطاب المعطلين وتلويحهم بمواصلة التحرك الى حين تحقيق مطلبهم المركزي وهو الانتداب، ولاستجابة لمطلبهم  بتقديم برنامج واضح ومحدد للتطبيق القانون ومعالجة  التأخر في تانطلاق منصة التسجيل الخاصة بالانتداب.

وهي ذات المطالب التي رفعوها في تحركهم الاخير المتمثل في  «مسيرة الكرامة» التي انطلقت سيرا على الأقدام من منزل بوزيان من ولاية سيدي بوزيد باتجاه العاصمة وقصر قرطاج قبل ان تتوقف مسيرتهم على اعتاب العاصمة وتدفعهم السلطة الى العودة دون التزامات واضحة وفق ما يصرح به قادة التحرك، وهو ما زاد من درجة الاحتقان في صفوفهم ودفعهم للتلويح بالتصعيد.

هذا التطور جاء  بعد أشهر من الانتظار وتحركات قابلتها مؤسسات الدولة بالوعود وترحيل الازمة، التي كان جليا منذ  المصادقة على القانون وإصداره بالرائد الرسمي انها ستندلع في ظل وضع المالية العمومية وهشاشة توازناتها. وعود قدمت لشارع غاضب ضم  لآلاف من المعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا ومن طالت بطالتهم نحج خطاب الانصاف ورد الاعتبار في ان يمتص غضبهم لاسابيع ولكن اليوم وبعد مرور اشهر عدة لم يعد الخطاب وحده قادرا على احتوائهم .

فالازمة اليوم هي ازمة  بين المعطلين والسلطة، فمن وجهت نظر المحتجين التزمت السلطة عبر  القانون عدد 18 صدر بالرائد الرسمي، و قانون المالية لسنة 2026 الذي خصص اعتمادات للدفعة الأولى من الانتدابات.في فصله 57  ولكنها وبعد اكثر من سنة على صدور القانون عدد18  و9 أشهر من دخول قانون المالية حيز النفاذ لم تصدر الإجراءات والنصوص الترتيبية الي تسمح بالشروع الفعلي في الانتداب.

هذه النصوص التي لم تصدر إلى اليوم كانت المحرك الأول للتحركات الاحتجاجية في الاشهر الفارط قابلتها الدولة بخطاب يجدد الالتزام والوعود بقرب التفعيل وانتداب المعطلين ضمن خطة شاملة وان التأخير سببه تقني لا مالي، اذ ان الخطاب الرسمي كان يتجنب الاشارة من بعيد او قريب إلى أن الدولة تواجه تحديات مالية أثرت سلبا على قدرتها على الإيفاء بوعودها خاصة في ملف الانتدابات.

فما لم تقله السلطة بشكل صريح وواضح هو أنها تواجه ضغط مالي متصاعد، وان كتلة الأجور  ارتفعت بنسبة  اقتربت من خمس نقاط  مقارنة بـ2025 وأن نصف إنفاقها العمومي  في الاشهر الستة الاولى من السنة الحالية هو نفقات تأجير، وهذا يسلط عليها ضغط مالي كبير يهد توازنها الكبرى، وهو ما قد يحد من قدرتها على الانتداب في الوظيفة او القطاع العمومي.

عوضا عن خطاب المصارحة والبحث عن نقطة التقاء مع المحتجين اختارت السلطة ان تقدم خطاب الوعود وان تؤجل الحل  الى المستقبل، وهذا ما أبلغته للمحتجين وممثليهم وهو أيضا ما ضمنته في توجهاتها الكبرى لميزانية 2027 التي قدمتها لمجلس النواب، والتي جاء فيها ان الحكومة ستتجه الى تفعيل الية الانتداب في الوظيفة العمومية والقطاع العام وهو توجه مركزي لم تحدد الوثيقة تفاصيله، فقط اكتفت بتقديمه كأحد الالتزامات الكبرى.

هذا الخطاب الرسمي لم يكن كاف لإقناع  المعطلين بخفض التوتر فهم اليوم ووفق ما يعلن من قبلهم لا ينتظرون الكلمات بل  ترجمة عملية للالتزامات، اي تفعيل عاجل للقانون وتحديد لعدد الوظائف وفرص العمل وتوزيعها ومواعيد الانتداب والاهم إطلاق منصة التسجيل. وهذه هي نقطة الخلاف بين الطرفين ومصدر التوتر.

قد تعقد في القادم إمكانية  احتواء الأزمة خاصة وأن البلاد في خضم نقاشات ميزانية جديدة سترحل إليها تعهدات الميزانية الراهنة  وهو ما يجعل أي وعد جديد  محل شك في ظل محدودية قدرة السلطة على تنفيذ ما سبق أن التزمت به وما قد تلتزم به لاحقا في ظل صعوبات مالية وارتفاع نفقات التأجير وتواصل ضغط الدعم وخدمات الدين، وهو ما يجعل ملف الانتدابات في القطاع العام والوظيفة العمومية مرتبطا بقدرة الدولة على توفير اعتمادات إضافية وتحمل أعباء مالية جديدة.

وهذه هي الحلقة المغلقة الي يخشى أن تدفع إليها البلاد بشأن هذا الملف الذي كلما طال فيه زمن انتظار العاطلين اتسعت المسافة بينهم وبينهم السلطة ومع اتساعها قد يعتبر المحتجين أن التحركات السابقة لم تكن ناجعة وبالتالي فإن عليهم الذهاب الى اشكال اشد لدفع  السلطة على الاستجابة.

اليوم قد لا يكون التصعيد أمرا حتميا ولكنه احتمال مطروح بشدة، والاسابيع القادمة ستكشف لنا الى اين يتجه الملف الاحتواء ان نجحت السلطة في كسب الثقة من جديد ام التصعيد  خاصة وأن المحتجين أعلنوا بوضوح أنهم لن يكتفوا بعد الآن بالوعود.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115