بالفنان وبالمهن الفنية واحدا من أكثر الملفات الثقافية إلحاحا في تونس. وبين ما يبدعه الفنانون على الركح والشاشة وفي مختلف فضاءات الإبداع، وما تتيحه التشريعات من ضمانات وآفاق، تتشكل ملامح العلاقة الشائكة بين الثقافة والقانون. وللبحث في هذا التقاطع بين القانوني والثقافي، والحقوقي والإبداعي، احتضنت كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس يومي 22 و23 سبتمبر ملتقى علميا خُصّص لمناقشة قانون الفنان والمهن الفنية الجديد، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء والفاعلين في الحقل الثقافي.
وقد التقيت "المغرب" على هامش هذا الملتقى الأستاذ غازي الغرايري، سفير تونس لدى اليونسكو سابقا وأحد اكبر الخبراء في مجال قوانين الثقافة والتراث على المستوى الدولي والمشرف العام على فريق البحث "نُظم، ثقافة وتراث" بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، فكان هذا الحوار الذي تناول رهانات القانون الجديد، وما يحمله من وعود للفنانين، وما يطرحه في المقابل من تحديات على مستوى التطبيق والحوكمة الثقافية واستشراف مستقبل السياسات الثقافية في تونس.
* كيف تقيمون اعتماد البرلمان التونسي للقانون عدد 8 لسنة 2026 المتعلق بالفنان وبالمهن الفنية في شهر ماي الفارط وما هي أبرز ملاحظاتكم العامة حول سياقه ومضامينه؟
إن اعتماد هذا النص الجديد من قبل البرلمان خلال شهر ماي الفارط هو حدث يسترعي الانتباه ويستدعي الوقوف عند جملة من الملاحظات العامة الأساسية:
أولاً، جاء هذا القانون ليتفاعل ومطالب تاريخية رفعتها قطاعات واسعة من الفنانين على مدى عقود من الزمن متمثلة في ضرورة وضع نظام قانوني خاص حامي وداعم للفنان وللفعل الفني عموماً. كما أنه جاء في فترة اتسمت بزخم قانوني وسياسي دولي حول مسألة الفن و الفنان وضرورة حمايته ودعمه.
ثانياً، لابد من الملاحظة أن بداية المسار التشريعي لإعداد هذا النص كانت في إطار حكومي كلاسيكي قبل أن يقدم النص لاحقاً إلى مجلس النواب بمقترح من مجموعة من النواب. وكون هذا النص صدر بناءً على مبادرة نيابية يعد حدثاً نادراً واستثنائياً في الحقل التشريعي التونسي مقارنة بمشاريع القوانين الصادرة عن السلطة التنفيذية.
ثالثاً، وعلى الرغم من الإيجابيات العديدة التي يحملها هذا القانون إلا أنه سكت عن مسائل واستحقاقات جوهرية لطالما انتظر المبدعون إجابة المشرع عنها ومن ذلك مثلاً تنظيم السوق الفنية وآليات انتقال وتصدير الأعمال الفنية خارج البلاد التونسية وغيرها من القضايا المحورية التي لم يتطرق إليها النص.
ومهما يكن من أمر فإن هذا النص يشكل طفرة تشريعية جديدة ومحطة هامة يمكن أن تكون منطلقاً لإعادة ترتيب وتنظيم علاقة الفنان بالمجتمع من جهة وعلاقته بالسلطة والمؤسسات العمومية من جهة أخرى.
* ينص القانون الجديد على تحديد شروط لإصدار البطاقة المهنية وإحداث عقود فنية. كيف ترون خطورة أو إيجابية تحويل البطاقة المهنية إلى شرط لممارسة المهنة، وهل تخشون أن تتحول من أداة حماية وتنظيم إلى وسيلة إقصاء أو رقابة على الفعل الإبداعي؟
من الواضح أن مسألة البطاقة المهنية قد استقطبت النصيب الأكبر من المداخلات والنقاشات سواء خلال الندوة العلمية المنعقدة بكلية العلوم القانونية يومي 22 و23 سبتمبر أو على مستوى الاستشارة الرقمية الممتدة من 10 سبتمبر إلى 10 أكتوبر وكذلك خلال الاستشارة الحضورية التي دارت بمقر جمعية "الفن شارع" يوم 19 سبتمبر الفارط، إذ أضحت هذه المسألة تختزل جزءاً كبيراً من الانطباعات والمواقف إيجابية كانت أم سلبية تجاه القانون عدد 8 لسنة 2026.
وفي هذا الإطار يجدر التأكيد على أنه لا يمكن في حدود النص التشريعي الحالي كما صدر في 13 ماي الفارط الجزم نهائياً وبشكل قاطع حول إيجابية هذه البطاقة أو سلبيتها؛ فمن ناحية يحمل اعتمادها جوانب مفيدة قد تجعل منها أداة لإصباغ الاعتراف القانوني والمهني بالفنان وتنظيم القطاع وتسهيل اندماجه في منظومة الحماية الاجتماعية والمكاسب الاقتصادية المرتبطة بصفة الفنان. ومن ناحية أخرى تبرز محاذير ومخاوف جدية يجب تلافيها لا سيما إذا ما أسيء استخدامها وتحولت من أداة حماية وتنظيم إلى شرط وجوبي ومسبق يقيد حرية الإبداع المكفولة دستورياً أو وسيلة للرقابة الإدارية والوصاية والفرز والإقصاء من الدعم خاصة بالنسبة للمبدعين الشبان وفناني الشارع وغيرهم من الفنانين الذين قد لا يتأقلمون مع الأطر البيروقراطية الرسمية.
لذلك فإن حسم هذه المسألة وتحديد تأثيرها النهائي يظلان موكولين كلياً إلى كيفية تقبل الفاعلين وتأثير المجتمع المدني وما ستسفر عنه مرحلة صياغة النصوص والأوامر التطبيقية القادمة من ضمانات فعلية.
أما فيما يتعلق بمؤسسة العقود الفنية فمن الواضح أن من أبرز وأهم ما جاء به هذا الإطار التشريعي الجديد هو التركيز على إرساء وترسيخ هذه المؤسسة القانونية وهو معطى لافت ومهم على الصعيد القانوني تتعدد مداراته وتتداخل أبعاده.
لا يمكن بطبيعة الحال تصور إطار تعاقدي موحد ينطبق بنفس الكثافة والآلية على جميع المجالات إذ أن الحقول والتعبيرات الفنية لا تستعمل العقود بنفس الدرجة ولا بذات الوتيرة كما أن القيمة المالية أو المدارات القانونية لهذه العقود تتفاوت تفاوتاً كبيراً. فالحديث عن اعتماد العقود الفنية في مجال الفنون الموسيقية على سبيل المثال هو أمر متواتر ويسير بنسق عال يومياً وعدد العقود المبرمة فيه مرتفع جداً، بينما في حقول فنية أخرى يعد اللجوء إلى العقد كآلية لتنظيم العلاقة القانونية أقل تواتراً بل قد يكون أحيانا كثيرة أمراً نادراً، ومن ثم فإن تسليط الضوء على العقد الفني والاهتمام به يختلف بحسب العائلة الفنية المعنية ومدى حاجتها المباشرة لهذا الإطار القانوني الجديد.
من ناحية أخرى تحمل آلية العقد الفني في طياتها بعداً تمويلياً لحماية الفنانين والقطاع الفني عموماً وذلك من خلال إقرار طابع المساهمة الفنية الذي يشترط اعتماده ووضعه إجبارياً على هذه العقود وتخصص هذه الموارد المباشرة لخدمة الأهداف الاجتماعية والرعائية التي نص عليها القانون، فيمكن أن يشكل إذاً تمويلاً إضافياً ومفيداً جداً للقطاع. غير أن العبرة الحقيقية لا تكمن فقط في إبرام العقد في حد ذاته بل في مدى التطبيق الفعلي على أرض الواقع وتحديداً في ضمان توجيه وتخصيص تلك المداخيل الجبائية نحو الأغراض والأنشطة ذات الأولوية التي وجدت أساساً لحمايتها وتغطيتها.
* ناقشت الندوة مدى استيعاب التشريع التونسي لتوصية اليونسكو لعام 1980 والدليل المنهجي لعام 2023 الصادر بالاشتراك مع منظمة العمل الدولية. ما هي أبرز الفجوات التي تراها بين النص القانوني التونسي الصادر في ماي 2026 وهذه المعايير الدولية من حيث الضمانات الفعلية لحرية الإبداع والحماية الاجتماعية؟
عند قراءة القانون عدد 8 لسنة 2026 في علاقته بالمعايير والتوجهات الدولية يمكن التأكيد على أن هذا النص الجديد قد جاء في سياق دولي خاص ومتسارع؛ فمنظمة اليونسكو تؤكد منذ عقود ولا سيما في توصيتها لسنة 1980 والدليل المنهجي لعام 2023 ومؤتمري مونديالكولت بالمكسيك سنة 2022 وبرشلونة سنة 2024 على إرساء حماية شاملة للفنانين وصولاً إلى إعلان الثقافة كمرفق عام كوني. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن تقييم قانون 2026 التونسي من خلال ثلاثة محاور أساسية:
أولاً، يتميز القانون برجع صدى واضح ومباشر لأدبيات اليونسكو؛ فبالإضافة إلى تعريفه الشامل للفنان نجد أن تصنيف الحقول والأوجه المختلفة للأعمال الفنية يكاد يكون مقتبساً ومستوحى بشكل كبير من التصنيفات والمعايير التي تعتمدها اليونسكو وهو جانبامر إيجابي يحسب لهذا القانون وإن كان يتعين علينا التثبت لاحقاً من مدى استيعاب هذه التصنيفات على مستوى الأوامر التطبيقية والعمل اليومي للهياكل الرسمية المشرفة على هذه النشاطات.
ثانياً، يتضمن النص محاولة جادة لترسيخ ولتأكيد ضمان حرية الإبداع وسلامة الفنان. وفي ذلك ليس فقط تناغم إيجابي مع مواثيق اليونسكو بل هو أيضاً انسجام تام مع الوضع الدستوري الوطني إذ أن دستور 2014 كرس لأول مرة مبدأ حرية الإبداع الفني بشكل صريح وبدون أي لبس أو تضييق وجاء دستور سنة 2022 ليواصل نفس النهج والالتزام به، وبالتالي فإن القانون يأتي في سياق يزاوج بين متطلبات القانون الدولي والمرجعية الدستورية الثابتة وهو أمر محمود.
ثالثاً، رغم هذه المكتسبات المفاهيمية والدستورية يظل الامتحان الحقيقي هو تكريس هذه المبادئ في مرحلة تنزيلها العملي والتطبيقي لهذا القانون على ارض الواقع؛ إن الحماية الاجتماعية وتقليل الهشاشة لا يمكن أن يتحققا بصفة فعالة إلا عبر اعتماد نهج تشاركي مفتوح في صياغة الأوامر التطبيقية وضمان ألا تستخدم الإجراءات التنظيمية لتكبيل ذات الحرية التي كفلها الدستور والقوانين الدولية.
* تؤكد الورقة التقديمية للندوة أن جودة أي قانون لا تقاس إلا بتطبيقه وأن الأوامر والنصوص التطبيقية تشكل الرهان الحاسم المرتقب. ما هي النقاط الجوهرية التي يجب على المجتمع المدني والمهنيين اليقظة بشأنها أثناء صياغة هذه الأوامر التطبيقية لضمان استقلالية المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وتجنب أن تفرغ المبادئ العامة للقانون من محتواها؟
تؤكد الورقة التقديمية للملتقى صراحة على حقيقة قانونية وميدانية ثابتة: إن جودة القوانين لا تقاس بالنوايا أو بالصياغات النظرية بل بجودة تطبيقها في الواقع العملي والمعيش بالنسبة للمعنيين بها وهم هنا كافة المبدعين والفنانين. وبما أن هذا القانون قد وضع إطاراً عاماً يتناغم مع المعايير الدولية تعريفا وتبويباً ويعيد تأكيد حرية الإبداع كما كفلها الدستور في 2014 و في 2022 فإن المحك الحقيقي والمدار الواقعي اليوم وكذلك الهامش المتاح للمجتمع المدني للتفاعل والتأثير يكمن في مدى سرعة وجودة وتطابق النصوص التطبيقية (أوامر ترتيبية وقرارات وزارية) مع هذا التوجه الإيجابي وكذلك في الهامش المتاح للمجتمع المدني للتفاعل والتأثير.
وقد شَدَّدْتُ منذ التقرير التمهيدي على أن الفصل الأخير من هذا القانون يعد حجر الزاوية والمدار الفعلي لنجاح هذه العمليةالتشريعية أو فشلها، وذلك لأن النص يقوم بإلغاء نصوص تشريعية سابقة تنظيمية هامة (تهم السينما و المسرح وغيرها) ويحيل تنظيمها إلى نصوص تطبيقية قادمة كما يربط دخول إلغاء النصوص القديمة حيز النفاذ الفعلي باعتماد هذه النصوص الجديدة. وهذا يعني أن ثمرة هذا القانون لن نجنيها في الواقع إلا متى صدرت كافة النصوص التطبيقية. وتعلمنا التجربة في القانون المقارن وفي القانون التونسي أن الإدارة قد تبطئ كثيراً في إصدار هذه النصوص أو تعتمد بعضها وتهمل البعض الآخر أو لا تصدرها بتاتاً مما يبقي النص التشريعي معطلاً أو مؤجلاً مما قديعطل إنفاذ حقوق الفنانين.
لذلك يجب على المجتمع المدني والجمعيات المهنية العمل على ضمان ألا تفرغ القرارات الوزارية المرتقبة القانون من روحه التحررية؛ فلا يجب أن تتحول الشروط الإدارية كآلية منح البطاقة أو معايير المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة أو الأدوات الجبائية إلى عوائق بيروقراطية أو أدوات للوصاية والرقابة المسبقة. فالمطلب الأساسي اليوم هو ضمان مشاركة المبدعين والهياكل الممثلة لهم في لجان صياغة هذه الأوامر التطبيقية والقرارات الوزارية.
* يتطرق المحور الرابع للندوة إلى إشكالية مسؤولية الفنان بين التحفيز والزجر. كيف يستطيع هذا القانون الموازنة بين تشجيع الإنتاج الوطني والرعاية الجبائية من جهة، وبين حماية حرية التعبير وعدم إخضاع العمل الفني لتأويلات زجرية أو ضغوطات من المؤسسة العمومية الوصية؟
إن التوازن بين التحفيز الاقتصادي والجباية الرعائية من جهة، وعدم إخضاع العمل الفني للتضييق أو للتأويلات الزجرية من جهة أخرى، يمثل إحدى الإشكاليات المحورية والجوهرية لهذا القانون.
يجب أن تتم القراءة القانونية لنص ماي 2026 حتماً تحت مظلة الأحكام الدستورية المستقرة التي تحمي حرية الإبداع؛ فلا يجوز بحال من الأحوال استخدام أحكام المسؤولية أو المقتضيات المنظمة للمهنة لتمرير أحكام زجرية أو عقابية تستهدف جوهر العمل الفني أو تضيق على حرية المبدع.
كما يجب أن يتحول دور المؤسسات العمومية بشكل جذري من دور ولائي ووصائي إلى دور مرافقة ودعم؛ إن التشجيع الجبائي والتمكين الاقتصادي هما حق للمبدع وواجب على الدولة والمجتمع لدعم الثقافة الوطنية، ولا يجوز إطلاقاً مقايضة هذا الدعم المالي والجبائي بولاءات أو محددات مضامينية.
إن حماية المجتمع أو النظام العام لا تكون بتجريم العمل الفني أو إخضاعه لتأويلات جزائية، بل بضمان مناخ من الحرية وبإفساح المجال للتعددية والتعبير الحر وإيلاء الحوار وتبادل الآراء والأفكار المكانة الأساسية حتى نضمن ألا تحيد فلسفة التشجيع والتحفيز إلى أدوات للضغط أو الزجر.إذ لا تَيْنَعُ الْفُنون ولا يُبْدِعُ الفنان إلا في ظل الحرية و التعددية.
- سكت قانون الفنان عن مسائل واستحقاقات جوهرية مثل: تنظيم السوق الفنية وآليات انتقال وتصدير الأعمال الفنية...
- لا يمكن الجزم نهائياً وبشكل قاطع حول إيجابية البطاقة الفنية أو سلبيتها...
- إنّ جودة القوانين لا تقاس بالنوايا أو بالصياغات النظرية بل بجودة تطبيقها في الواقع العملي والمعيش
-لا يجوز إطلاقاً مقايضة الدعم المالي والجبائي للمبدع بولاءات أو محددات مضامينية