سلطة  السيادة الرقمية: عندما تُحاصِر قيود الصرف طموح المؤسسات الناشئة

تخوض تونس اليوم صراعاً صامتاً ومصيريا بين نموذجين

اقتصاديين لا يلتقيان وهما نموذج قديم متوجس يعتمد على ترسانة تشريعية مكبلة تعود إلى عقود غابرة ونماذج أعمال حديثة خفيفة الوزن وعابرة للحدود ترتكز على البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتدفق الحر للبيانات ورؤوس الأموال. وفي قلب هذا الاشتباك الهيكلي، تقف المؤسسات الناشئة او ما نعبر عنها بالStartups التونسية في منطقة منعدمة الجاذبية حيث تصطدم العقول الشابة التي أثبتت جدارتها في منافسات الابتكار العالمية بجدار صلب الملمس  يدعى مجلة الصرف.

تتجاوز هذه المعضلة حدود العوائق الإدارية العابرة لتتحول إلى نزيف استنزافي غير معلن للممتلكات الفكرية ولرؤوس الأموال مما يحرم الاقتصاد الوطني من القيمة المضافة العالية التي يفترض أن تقود قاطرة التحول التنموي في البلاد.

تتجلى أزمة هذا القطاع الواعد في انفصام صارخ بين الخطاب التشريعي المشجع والواقع المصرفي الإجرائي فرغم النجاح الأولي الذي حققه قانون المؤسسات الناشئة كإطار تحفيزي إيجابي إلا أن أثره البنيوي يظل محدوداً أمام ترسانة الرقابة المالية الصارمة المعمول بها والتي تُعامل الشحنات الرقمية والخدمات السحابية بالآلية الدفاعية نفسها التي تعامل بها السلع المادية التقليدية.

تكشف القراءات الميدانية الحديثة لبيانات بيئة الأعمال في تونس عن واقع معقد فبينما تجاوز عدد الشركات المتحصلة على علامة مؤسسة ناشئة أكثر من 1150 شركة تشير المسوح الميدانية الموجهة لأصحاب هذه المؤسسات إلى أن القواعد المنظمة للصرف والتأخير في تنفيذ المعاملات المالية الدولية تسببا مباشرة في فقدان أكثر من 12% من هذه الشركات لعملائها الدوليين لعدم قدرتها على الوفاء بالتزامات الدفع والاشتراكات في الخدمات التكنولوجية بالسرعة والموثوقية المطلوبة.

لقد أفرز هذا الانسداد الهيكلي ظاهرة اقتصادية متنامية تتمثل في الهجرة  الهادئة، حيث يتجه رواد الأعمال والمطورون التونسيون بشكل متزايد نحو إعادة نقل مقراتهم الاجتماعية وقواعدهم القانونية إلى بيئات مصرفية مرنة ومفتوحة عالمياً مع إبقاء فرق العمل الفنية في تونس للاستفادة من انخفاض كلفة أجور الكفاءات المحلية. يترتب على هذا التكتيك  تبعات اقتصادية شديدة الضرر بالمالية العمومية والميزان التجاري حيث تُحوّل الأرباح وعوائد الجولات التمويلية الضخمة مباشرة نحو الحسابات المصرفية الخارجية، محرومةً بذلك الخزينة التونسية من المداخيل الضريبية الاستراتيجية ومن ضخ تدفقات العملة الصعبة داخل القنوات المصرفية المحلية في وقت يواجه فيه احتياطي البلاد من العملة الأجنبية ضغوطاً متواصلة لاستيفاء خدمة الديون وتغطية الواردات الأساسية.

تتسع دائرة التأثير الشديد لتشمل منظومة العمل الحر والمستقلين الرقميين من نسمؤهم بال Freelancers الذين يمثلون الخزان الحيوي للابتكار ففي ظل المعايير الحالية المقيدة للبطاقات التكنولوجية والحواجز المرتفعة أمام فتح الحسابات القابلة للتحويل تجد آلاف العقول التونسية الشابة نفسها مجبرة على سلوك مسارات مالية غير رسمية أو الاستعانة بوسطاء خارجيين لاستلام مستحقاتها المالية بالعملة الأجنبية. إن عدم إدماج هذه الشريحة الرقمية في الدورة الاقتصادية الرسمية يعطل السياسة النقدية للبنك المركزي التونسي ويفقد الدولة  إمكانية الاستفادة من كتلة نقدية ضخمة بالعملة الصعبة كافية لدعم صلابة الدينار ومجابهة عجز الميزان الجاري، لو تم تبسيط مسالك دخولها وتداولها قانونياً.

لا تكمن معضلة الاقتصاد التونسي اليوم في نقص المبادرات ولا في ندرة الكفاءات بل في البطء الشديد المتمثل في تعديل التشريعات الاقتصادية مقارنة بالسرعة الفائقة للتطور الرقمي العالمي.

لئن انطلقت أروقة مجلس نواب الشعب بالتعاون مع الهياكل المهنية في استماع ومناقشة المقترحات الجديدة لمشروع مجلة الصرف فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بحذف القليل من التراخيص بل بحدوث تحول جذري في العقيدة الاقتصادية للدولة تحول ينتقل بها من عقود الرقابة الصارمة القائمة على التوجس الشديد والخشية من تسرب السيولة إلى منطق التحرير الشامل والانفتاح المنظم الذي يبني الثقة مع الفاعلين الجدد.

إن الحفاظ على العقول الوطنية وبناء اقتصاد القيمة المضافة لا يتحققان بالشعارات بل بإرسال رسالة شجاعة للمبتكرين تؤكد أن وطنهم هو المكان الأنسب والأكثر أماناً لتكبير أحلامهم الاستثمارية وإدارتها نحو العالم بحرية كاملة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115