المرصد الوطني للفلاحة في تونس مشهداً ماليّاً يبدو للوهلة الأولى مبعثاً على الاطمئنان إذ أظهرت المؤشرات المحدثة إلى موفى أوت 2026 تسجيل الميزان التجاري الغذائي فائضاً مالياً بـ 983.1 مليون دينار مقابل 684.1 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2025 مسجلاً قفزة بنسبة 43.7% مع تحسن نسبة تغطية الصادرات للواردات لتصل إلى 119.3% غير أن القراءة المتعمقة لطبقات هذه الإحصائيات تظهر شروخاً هيكلية داخل النسيج التجاري والإنتاجي للبلاد فهذا التوازن الإيجابي ليس نتاج طفرة إنتاجية شاملة أو تحول بنيوي في الخريطة الزراعية الوطنية بل هو حصيلة ظرفية تحكمت فيها معادلة غير متكافئة بين الارتفاع التراكمي لعائدات صادرات الفلاحة من جهة والارتفاع المتواصل في فاتورة استيراد المواد الأساسية من جهة أخرى.
تضعنا هذه الواقعية الرقمية أمام أسئلة استراتيجية ملحة هل يعكس هذا الفائض تعافياً حقيقياً أم أنه مجرد غطاء مؤقت يخفي تحته ارتهاناً أعمق للتغيرات المناخية وتقلبات البورصات العالمية؟ وكيف تؤثر هذه الديناميكية المزدوجة على استنزاف النقد الأجنبي واستقرار الاقتصاد الكلي؟
عند مفترق التصدير ارتفعت المبيعات الخارجية للقطاع بنسبة 20.7% لتصل إلى 6 مليارات دينار في نهاية أوت 2026 مقارنة بـ 5 مليارات دينار في الفترة نفسها من 2025 إلا أن تشريح هذا النمو يبرز تركز الفائض في محرك منفرد تقريباً وهو زيت الزيتون مدعوماً بالتمور ومنتجات الصيد البحري.
تكشف البيانات المحدثة بوضوح بداية تشكل كوابح سعرية إذ تراجع متوسط سعر تصدير الكيلوغرام الواحد من زيت الزيتون بنسبة 2.5% ليعود إلى حدود 12.51 ديناراً يرافقه انخفاض في أسعار تصدير منتجات الصيد البحري بنسبة 7.2% والحمضيات بنسبة 12%. إن الرهان المالي على سلع أولية ترتبط أسعارها بتقلبات البورصات وتتأثر كمياتها بموجات الجفاف الممتدة، يظل مجازفة عالية المخاطر؛ إذ إن أي انزلاق إضافي في الأسعار العالمية كفيل بتبديد هذا الفائض وإعادة الميزان للضغط السلبي.
في المقابل صعدت فاتورة الواردات الغذائية بنسبة 17.1% لتبلغ 5 مليارات دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 مقارنة بـ 4.3 مليارات دينار في الفترة المماثلة من السنة السابقة.
يعزى هذا الارتفاع بالأساس إلى تسارع التضخم المستورد في سلة المواد الاستراتيجية لتأمين الاستهلاك المحلي حيث ارتفعت أسعار واردات السكر بنسبة 9.7%، والشعير بنسبة 3.6% والزيوت النباتية بنسبة 3.3% مقابل تراجع أسعار الحليب ومشتقاته بنسبة 7.7%.
تؤكد هذه الأرقام العبء التمويلي المباشر الذي تتحمله المؤسسات الحكومية كديوان الحبوب في ظل انخفاض المحصول المحلي الناجم عن تراجع مخزونات السدود الرئيسية مما يجعل البلاد في حالة مطاردة مستمرة لشحنات التوريد الخارجية للحبوب السائبة وضغط دائم على احتياطيات النقد الأجنبي.
يتضح من الفحص المالي لهذه المؤشرات الرسمية أن المأزق التونسي يتجلى في خيارات السياسة الفلاحية المتبعة منذ عقود والتي ركزت على الزراعات الموجهة للتصدير على حساب الشق المتعلق بالإنتاج المحلي من الحبوب والأغذية الأساسية.
مع تفاقم ظاهرة الشح المائي وتكرار سنوات الجفاف تجد الدولة نفسها في حلقة مفرغة تعتمد فيها على مداخيل موجهة لتغطية الشراء المباشر للغذاء من البورصات الدولية.
إن معالجة هذا العجز الهيكلي تتطلب الانتقال من الاحتفاء بالنتائج الوقتية للميزان إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية وفي مقدمتها إعادة توجيه الاستثمارات نحو تكنولوجيات الري الذكي وتطوير الأصناف المحلية المقاومة للجفاف للرفع من إنتاجية الحبوب فضلاً عن دعم الصناعات التحويلية للرفع من القيمة المضافة لزيت الزيتون والتمور بدلاً من تصديرها كخامات. إن الفائض المسجل اليوم هو فرصة استراتيجية سانحة لإعادة بناء نموذج زراعي متكامل يضمن تحصين السيادة الاقتصادية والغذائية للبلاد وسط اضطرابات الأسواق العالمية.