واقع الميدان وحسابات الخفاء ..أمريكا ترفع سقف المواجهة وإيران تختبر حدود الرد
- بقلم وفاء العرفاوي
- 15:23 10/07/2026
لم تعد الضربات الأمريكية الأخيرة ضدّ إيران تُقرأ باعتبارها ردا عسكريا محدودا
بل باتت تعكس تحولا في مقاربة واشنطن للأزمة، مع استعداد البيت الأبيض -وفقا لما تداولته وسائل إعلام أمريكية- لتوسيع عملياته العسكرية في حال واصلت طهران استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز. وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن أهدافها تقتصر على حماية الملاحة وردع إيران، فإن المؤشرات الميدانية توحي بأن الطرفين دخلا مرحلة جديدة تتجاوز سياسة "الضربات المتبادلة" نحو اختبار موازين القوة في المنطقة.
وكشف مسؤولون أمريكيون، بحسب موقع "أكسيوس"، أن البيت الأبيض يدرس سيناريوهات لحملة عسكرية قد تمتد من أيام إلى أسابيع، مؤكدين أن مدتها وشدتها ستعتمدان بالكامل على طبيعة الرد الإيراني. ويعكس هذا التقدير قناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن الأزمة لن تُحسم بضربة واحدة، وإنما عبر استنزاف تدريجي لقدرات إيران العسكرية المرتبطة بتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وتنسجم هذه الرؤية مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية ''سنتكوم" تنفيذ موجة جديدة من الضربات استهدفت نحو 90 هدفا عسكريا، شملت منظومات دفاع جوي ورادارات ومواقع مراقبة ساحلية. واختيار هذه الأهداف لا يبدو عشوائيا، فهو يشير إلى أن واشنطن تسعى إلى إضعاف البنية العسكرية التي تعتمد عليها إيران في فرض نفوذها البحري، أكثر من سعيها إلى توجيه ضربة شاملة لمؤسسات الدولة الإيرانية.
سياسيا، يرى مراقبون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول رسم معادلة تجمع بين الردع وترك باب التفاوض مفتوحا. فمن جهة، توعد في تصريحاته برد "يفوق بعشرين ضعفا" أي هجوم إيراني جديد، مؤكدا أن الضربات الحالية ليست سوى بداية الرد الأمريكي. ومن جهة أخرى، كشف عن اتصالات أجراها مسؤولون إيرانيون مع واشنطن، في إشارة توحي بأن التصعيد العسكري لا يلغي إمكانية العودة إلى التفاوض إذا اقتنعت طهران بأن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها.
لكن مراقبين يرون أنّ هذا النهج يكشف أيضا عن تحول في إستراتيجية واشنطن، ففي الأشهر الماضية كان التركيز منصبا على احتواء الأزمة عبر مذكرة التفاهم، أما اليوم فتبدو الإدارة الأمريكية مقتنعة بأن الضغط العسكري هو الوسيلة الأسرع لإعادة رسم قواعد الاشتباك، خصوصا بعد الهجمات الإيرانية على السفن التجارية، التي اعتبرت تجاوزا للخطوط الحمراء الأمريكية.
ورقة هرمز
في المقابل، لا تنظر إيران إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر ، بل باعتباره أحد أهم عناصر نفوذها الإقليمي. فمنذ عقود، شكّل المضيق ورقة ضغط إستراتيجية استخدمتها طهران في مواجهة الضغوط الغربية، سواء عبر التهديد بإغلاقه أو من خلال التأثير في حركة الملاحة داخله. ولذلك، فإن استهداف الولايات المتحدة للقدرات العسكرية المرتبطة بالمضيق يُقرأ في طهران على أنه محاولة لانتزاع إحدى أهم أدوات الردع الإيرانية.
ولهذا جاء رد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف حاسما عندما أكد أن المضيق "لن يُفتح إلا وفق الترتيبات الإيرانية"، في رسالة مفادها أن طهران لا تنوي التخلي عن هذه الورقة، حتى وإن أدى ذلك إلى تصعيد عسكري أوسع.
هجمات المنطقة
أما الهجمات التي أعلن الجيش الإيراني تنفيذها ضد مواقع أمريكية في الكويت وقطر والبحرين، فتشير إلى أن إيران تحاول نقل كلفة المواجهة إلى الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، بدلا من حصرها داخل أراضيها.
وأعلن الجيش الإيراني أن طائرات مسيرة تابعة له، استهدفت منظومة دفاع جوي من طارز باتريوت في الكويت، بالإضافة إلى هوائي قمر صناعي "موقع إنذار مبكر" في قطر، وخزانات وقود تابعة للجيش الأمريكي في البحرين، في إطار ما وصفه باستمرار الهجمات على القواعد والمراكز الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
وقال قسم العلاقات العامة في الجيش الإيراني إن هذه العمليات جاءت ردا على "العدوان الأمريكي" الذي استهدف أجزاء من البلاد ووحدات عسكرية، موضحا أن الهجمات نفذت قبل ساعة باستخدام عدد كبير من الطائرات المسيّرة من أنواع مختلفة.
ويأتي كل ذلك في وقت تبدو فيه مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران قد فقدت قيمتها السياسية. فالولايات المتحدة تتهم إيران بعدم تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالبرنامج النووي ووقف استهداف السفن، فيما ترى طهران أن واشنطن أخلّت بروح الاتفاق من خلال تقليص دورها في إدارة الملاحة عبر مضيق هرمز، وعدم تنفيذ التزاماتها الاقتصادية، بما في ذلك الإفراج عن الأموال المجمدة وتسهيل المعاملات النفطية.
ورغم التصعيد، لا تبدو واشنطن معنية ــ حتى الآن ــ بخوض حرب لإسقاط النظام الإيراني، كما لا تبدو طهران راغبة في مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة. ويشير ذلك إلى أن الهدف الحقيقي لكل طرف يتمثل في تحسين موقعه التفاوضي قبل أي جولة محتملة من المفاوضات، حتى وإن كان الطريق إلى تلك المفاوضات يمر عبر تصعيد عسكري غير مسبوق.
ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التصعيد سيظل محكوما بقواعد الاشتباك التقليدية، أم أن خطأً ميدانيا أو هجوم واسع النطاق قد يدفع الطرفين إلى مواجهة تتجاوز حدود الردع المتبادل. وحتى تتضح الإجابة، سيبقى مضيق هرمز العنوان الأبرز لصراع لا يتعلق فقط بأمن الملاحة، بل أيضا بموازين النفوذ في المنطقة ومستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران.
إعادة رسم قواعد الاشتباك
من جانبه قال الكاتب والناشط الحقوقي مصطفى ابراهيم لـ''المغرب'' أن تقديرات عدد من المحللين تشير إلى أن تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران لا يُعد بالضرورة مقدمة لحرب إقليمية شاملة، بل يمثل استمرارا للصراع بوسائل عسكرية في إطار سياسة تقوم على الضغط والتفاوض في آن واحد. ووفق هذه التقديرات، أضاف ابراهيم إن التصعيد الحالي يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وتحسين شروط التفاوض أكثر مما يهدف إلى حسم عسكري شامل، وهو ما يفسر حرص الأطراف، حتى الآن، على إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن احتواؤها.
وتابع ''يستند هذا التقدير إلى قناعة بأن إيران، رغم خطابها المتشدد، تواجه ضغوطا اقتصادية كبيرة نتيجة استمرار العقوبات الأمريكية، وهو ما يحد من قدرتها على تحمل حرب طويلة أو تحقيق مكاسب اقتصادية سريعة، حتى مع استمرار صادراتها النفطية بطرق مختلفة. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن حرباً إقليمية واسعة قد تفرض عليها أثمانًا سياسية واقتصادية وعسكرية لا ترغب في تحملها، خاصة في ظل أولويات دولية أخرى، لذلك تميل إلى سياسة الردع والاحتواء أكثر من السعي إلى حسم عسكري شامل'' وفق تعبيره.
وأضاف ''أما إسرائيل، فتعتبر أن الوضع القائم يخدم مصالحها طالما استمرت الضغوط الاقتصادية على إيران وتراجعت قدرتها على تعزيز نفوذها الإقليمي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى عالٍ من الجاهزية العسكرية. ومن هذا المنطلق، تسعى إسرائيل إلى ردع طهران عن توسيع دائرة المواجهة، مع التأكيد أنها سترد بقوة إذا أصبحت هدفًا مباشرًا أو إذا انخرط حلفاء إيران، مثل حزب الله، في القتال.وبناء على ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار سياسة "إدارة التصعيد"، أي تبادل ضربات ورسائل عسكرية محسوبة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. إلا أن هذا التقدير يبقى هشًا، لأن أي خطأ في الحسابات أو قرار سياسي بتوسيع المواجهة قد ينقل المنطقة سريعًا من مرحلة الضغط المتبادل إلى صراع أوسع يصعب احتواء تداعياته'.
آخر مقالات وفاء العرفاوي
- حرب إيران تستنزف ترسانة واشنطن.. هل بدأت القوة العسكرية الأمريكية تدفع تكلفة المواجهة؟
- مع تجدّد الضربات الأمريكية.. سيناريوهات تضع إيران أمام خيارات صعبة
- نفوذ بكين الاقتصادي يتوسّع.. كيف تبني الصين بوابتها الاقتصادية نحو افريقيا؟
- صراع النفوذ في هرمز يتجدّد..ترامب يدرس ''ضربات محدودة'' ضد إيران
- فيما بكين ترفض الانخراط في إستراتيجية العزل الأمريكية : ترامب يصعّد "الحرب الاقتصادية" والعسكرية على إيران..