من الحقيقة نفسها. فيكفي أن تُنشر صور أو أخبار على مواقع التواصل الاجتماعي حتى تثير موجة من الغضب والاستنكار والتعليقات، قبل التثبت من مصدرها أو من صحتها. ولعل ما حدث مؤخرا بشأن الصور المتداولة والمنسوبة إلى أسوار مدينة سوسة ومسرح سيدي الظاهر، يمثل نموذجا واضحا لخطورة الانسياق وراء الإشاعات الرقمية التي تسيء إلى صورة تونس وتراثها دون وجه حق.
فقد تداول عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا زُعم أنها توثق اعتداءً على سور مدينة سوسة، ما أثار استياءً مشروعا لدى المواطنين الغيورين على تراث بلادهم. لكن المفارقة أنّ الحقيقة كانت مختلفة تمامًا عما تم تداوله.
عدسة مفبركة تسئ إلى صورة المدينة
كشفت المعطيات التي قدمها المتفقد الجهوي للتراث بالساحل أنيس الحجلاوي لـ «المغرب» أن الحقيقة مختلفة تماما عما تم ترويجه. فقد أوضح المتفقد الجهوي للتراث بالساحل، أنيس الجحلاوي، أن الصورة الأولى (يمر بجانبها عامل نظافة) والتي أثارت الجدل تعود إلى حائط تابع لمسرح سيدي الظاهر بسوسة، وهو جدار شُيّد سنة 1981 ولا يُعتبر معلما أثريا ولا جزءا من سور مدينة سوسة المصنف ضمن التراث العالمي. كما بيّن أن استعمال مادة الجير التقليدية في مثل هذه الأشغال أمر عادي ولا يطرح أي إشكال من الناحية الفنية أو التراثية.
أما الصورة الثانية التي تظهر العامل وهو بصدد طلاء سور أثري باللون الأبيض، فقد وصفها بأنها صورة مفبركة لا علاقة لها بأسوار مدينة سوسة، بل ويُستبعد أصلا أن تكون ملتقطة داخل تونس.
الإشاعة لا تحمي التراث... بل تسيء إليه
تتجاوز قضية سور سوسة مجرد تصحيح معلومة أو تكذيب صورة. فهي تطرح سؤالا أعمق حول مسؤوليتنا الجماعية في التعامل مع المحتوى الرقمي. فحين يتم نشر صور أو أخبار غير دقيقة، فإنّ الضرر لا يقتصر على مؤسسة أو إدارة بعينها، بل يشمل صورة وطن يسعى إلى الحفاظ على إرثه الحضاري والتعريف به. وفي هذا السياق، يكتسي التثبت من المعلومات أهمية قصوى. فالصورة، مهما بدت مقنعة، لا تروي دائما الحقيقة كاملة. وقد تكون مقتطعة من سياقها أو قديمة أو مفبركة أو منسوبة إلى مكان آخر. لذلك فإن الرجوع إلى المصادر الرسمية وطلب التوضيح من الجهات المختصة يظل السبيل الأمثل لبناء رأي سليم ومسؤول.
وقد أكد المتفقد الجهوي للتراث بالساحل أنيس الحجلاوي أنّ البلديات لا تتدخل في المواقع والمعالم الأثرية أو المصنفة إلا بالتنسيق مع المعهد الوطني للتراث وتحت إشرافه، وهو ما يعكس وجود آليات قانونية وفنية لحماية هذا الموروث الوطني.
ولأنّ التراث ليس مجرد حجارة وأسوار إنمّا هو ذاكرة شعب وهوية أمة، فإنّ الدفاع عنه يبدأ أيضا بالدفاع عن الحقيقة