ارتفاعه أمرا واقعا في أغلب الاقتصاديات وسط تزايد الضغوط على الأسعار بسبب تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط ويأتي ارتفاع التضخم في وقت بدأت فيه البنوك المركزية في سياسة تخفيف سياساتها النقدية تمهيدا لتخفيض نسب الفائدة.
كان ارتفاع التضخم وما نتج عنه من سياسات تشديد السياسة النقدية من اغلب البنوك المركزية في العالم سببا مباشرا في انكماش النمو وتباطؤه، ثم وبعد تسجيل انفراج في نسق ارتفاع الأسعار العالمية بدأت معدلات التضخم في إبداء قابليتها للتراجع لتشهد الدول مرة أخرى صدمة أسعار تدفع نحو خطر عودة التضخم مرة أخرى وفي آخر المعطيات تسارع معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.2% خلال شهر ماي، مقابل مع 3% في أفريل، مقارنة بالسنوات الماضية يعد هذا المعدل أول تجاوز لمستوى 3% منذ عام 2023، وسط تداعيات التوترات في الشرق الاوسط، ويعقد مهمة البنك المركزي الأوروبي في مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
ولا تقتصر مؤشرات عودة الضغوط التضخمية على منطقة اليورو فقط، بل تشمل عدداً من الاقتصادات الكبرى. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم التراجع النسبي للتضخم مقارنة بالذروة التي سجلها خلال السنوات الماضية، فإن المؤشرات الأخيرة أظهرت استمرار الضغوط على الأسعار، خاصة في قطاعات الطاقة والخدمات والإسكان. ويثير هذا الوضع مخاوف من أن تؤدي التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط إلى تعطيل المسار النزولي للتضخم الذي راهنت عليه البنوك المركزية خلال الأشهر الماضية.
وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، إذ تشكل المنطقة أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في تكاليف النقل والشحن عاملاً مباشراً في رفع أسعار النفط والغاز. وعادة ما تنتقل هذه الزيادات إلى أسعار الإنتاج والنقل والاستهلاك، لتغذي موجة تضخمية جديدة على المستوى العالمي.
أما في تونس، فتأتي هذه التطورات في وقت سجل فيه التضخم خلال شهر أفريل 2026 ارتفاعاً إلى 5.5% مقابل 5 % في مارس، مدفوعاً أساساً بزيادة أسعار المواد الغذائية والملابس. ورغم أن هذا المستوى يظل أقل بكثير من المعدلات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فإنه يسلط الضوء على استمرار هشاشة التوازنات الاقتصادية وتأثر السوق المحلية بالتقلبات الخارجية.
ويكتسي هذا الارتفاع أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد التونسي على واردات الطاقة والعديد من المواد الأولية، وهو ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على الأسعار المحلية. كما أن استمرار الضغوط التضخمية قد يحد من قدرة البنك المركزي التونسي على المضي سريعاً نحو تخفيف السياسة النقدية وخفض نسب الفائدة، رغم حاجة الاقتصاد إلى تمويل أرخص لدعم الاستثمار والنمو.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الرهان الأساسي خلال الفترة المقبلة لن يقتصر على استعادة النمو الاقتصادي فحسب، بل سيشمل أيضاً الحفاظ على استقرار الأسعار ومنع عودة موجة تضخمية عالمية جديدة قد تعيد الاقتصادات إلى المربع الأول بعد سنوات من جهود مكافحة التضخم والتشديد النقدي.
بعد أشهر من الانفراج التضخم يعود الى الواجهة ويهدد تعافي الاقتصاد العالمي ويربك مسار خفض الفائدة
- بقلم شراز الرحالي
- 15:13 03/06/2026
لم يعد التحذير من عودة التضخم مجرد توصية بل أصبح
آخر مقالات شراز الرحالي
- العجز التجاري التونسي يتجاوز 10 مليارات دينار: الطاقة تبتلع أكثر من نصف الاختلال الخارجي
- قد يكون لقانون الشيكات دور بارز ارتفاع النقد المتداول في تونس إلى 29.3 مليار دينار
- استقرار الاحتياطي من العملة الصعبة فوق المائة يوم توريد بين دعم السياحة والتحويلات وضغوط التوريد وخدمة الدين
- رغم التوقعات بارتفاع إنتاج الحبوب: استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك
- التضخم في تونس خلال ماي 2026: استقرار حذر و استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية