محمد ياسر إرشادمنش أستاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران لـ''المغرب'' "قد يكون هذا الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة وفرصة لأمريكا لبدء جولة جديدة من العداء "

قال أستاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران والكاتب الإيراني

محمد ياسر إرشادمنش في حوار لـ''المغرب'' أنّ أهم وأخطر مخاوف بشأن طبيعة هذا الاتفاق هي استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للدبلوماسية كأداة لتعويض نقاط ضعفها الحالية في القدرة على الهجوم العسكري، في خضم المفاوضات مع جمهورية إيران الإسلامية، في وقت بلغت فيه مخزونات النفط الأمريكية أدنى مستوياتها، وارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بشكل كبير، واستُنزفت مخزوناتها العسكرية في أعقاب المواجهات الأخيرة.

وتابع محدثنا '' يمكن أن يكون هذا الاتفاق مجرد هدنة تكتيكية مؤقتة، ولا يوجد أي ضمان بأن أمريكا، بعد إعادة ملء مخزوناتها الإستراتيجية من النفط، وتعزيز مخزوناتها العسكرية، وإجراء تحليل دقيق لنقاط القوة والضعف لديها ولدى إيران ، لن تهاجم إيران مرة ثالثة. بل في الواقع، يمكن أن يكون هذا الاتفاق فرصة لأمريكا لبدء جولة جديدة من العداء بيد ممتلئة ومعرفة أوسع، في إطار حرب وجودية شاملة''.
واكد : ''أذكّر بأن أي اتفاق مع إيران يقع تحت سقف قانون "إينارا"، أي أنه لن يكون له أي شرعية تنفيذية مستقرة دون موافقة الكونغرس، وبالنظر إلى النفوذ العميق للوبي الصهيوني، فإن احتمال الحصول على تصويت إيجابي لرفع العقوبات يكاد يكون معدومًا. فجذور نفوذ نتنياهو بين الحزبين راسخة إلى درجة أنها تتجاوز حتى نفوذ ترامب الشخصي، وهذا يضع أي اتفاق أو تنازل تجاه إيران في مأزق صعب. كما أن تجربة خروج ترامب من الاتفاق النووي (برجام) بعد 12 عامًا من المفاوضات، وتفعيل آلية "الزناد التلقائي" (سناب باك)، أثبتت أن توقيع المسؤولين الأمريكيين يفتقر إلى أي مصداقية على المدى البعيد. فعندما لا تلتزم أمريكا بالاتفاقات السابقة، لا يوجد أي ضمان للوفاء بالتفاهم الجديد أيضًا.ومع ذلك، فإن النص الحالي يوفّر الحد الأدنى من المتطلبات الإيرانية، لكن الغموض المحيط بعودة الرقابة الإيرانية الكاملة لا يضمن بالتأكيد هذا المسار الأساسي، والقيود المفروضة على التخصيب، حتى تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تستهدف توازن الردع الإيراني في مقابل تنازلات غير كافية. ويبدو أن الوظيفة الأساسية لهذا الاتفاق هي خلق مساحة للتنفس لحكومة ترامب، تتيح لها تخفيف الضغط الداخلي عليها'' .
وتابع ''إن الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف دائمًا بناءً على رد الدول على تهديداتها. والهدف النهائي لواشنطن هو الحفاظ على هيمنتها المطلقة، وتحويل الدول إلى "بقرة حلوب"؛ بمعنى أنها لا تتحمّل أي دولة إلا إذا كانت تخدم مصالح أمريكا دون أي نقاش. فأمريكا تنظر إلى دول المنطقة كأدوات، وأي دولة تسعى للدفاع عن استقلالها ستواجه غضبًا هيمنيًا.وبالاستعارة من قانون نيوتن الأول للحركة، فإن نزوع أمريكا نحو الهيمنة يمتلك ما يشبه القصور الذاتي، وهذه العقيدة لن تتوقف أو تتغير إلا إذا واجهت قوة رادعة هائلة. ومن هذا المنظور، فإن الاتفاق الجديد ليس خطوة نحو السلام، بل هو أداة لإدارة الوقت والتحكم في الإرادة الوطنية الإيرانية. ولهذا السبب فإن الإيرانيين غير راضين عن هذا الاتفاق، بل إنهم في الواقع يتوقعون هجومًا جديدًا ونقض الاتفاق من جانب أمريكا.وبناءً عليه، لا ينبغي بأي حال من الأحوال اعتبار هذا الاتفاق نهاية للحرب، بل ينبغي اعتباره مجرد تغيير في التشكيل من المرحلة العسكرية إلى العقيدة الدبلوماسية. وما دامت النظرة الاستعمارية لواشنطن لم تتغير، وما دامت أمريكا تستخدم الاتفاق كفرصة لاستجماع أنفاسها في إعادة بناء قواتها العسكرية وملء مخزونات النفط ضد إيران، فإن الحرب ستستمر. وهذا الاتفاق ليس إلا قرصًا مسكّنًا مؤقتا، وربما خدعة سياسية-عسكرية، تحافظ على جذور الصراع من أجل انفجار أكبر في المستقبل، انفجار من شأنه أن يدفع إيران هذه المرة - بطبيعة الحال - إلى التوجه نحو بناء قنبلة نووية تجنبًا للهزيمة وخلقًا للردع''.
وتابع أن التجربة التاريخية أثبتت لإيران أن الصبر الاستراتيجي لم يعد علاجا للأزمة، بل إن الرد القوي والمباشر هو ما يمكن أن يمنع الهجوم والتعدد والتفكيك ضد إيران. وأضاف أن الحرب التي بدأها الأمريكان والصهاينة هي حرب مركّبة وشاملة بدأت لاغتيال العلماء، والهجمات السيبرانية، والعقوبات المتتالية التي تهدف قطعا إلى انهيار النظام الداخلي في إيران، وهي في الحقيقة حرب وجودية.
وتابع محدثنا ''بالنسبة للنظام الصهيوني وخارطة طريقه التي تبدأ من النيل إلى الفرات، والتي تتبنى منذ نشأتها سياسة الواقعية الهجومية، فإن هدفها هو التدمير الكامل للقدرة العسكرية لإيران وحلفائها. لكن بالنسبة لإيران، فإن وقف إطلاق النار لن يكون له معنى إلا عندما يحصل محور المقاومة وإيران على ضمانات بعدم التعرض للهجوم والعدوان'' .
وأكد محدثنا أن جذور الخلاف الأساسي تتمحور حول موضوع النظام الإقليمي الجديد واستقلال إيران، مضيفا أن الولايات المتحدة تسعى إلى جعل إيران مكبّلة ومحاصرة في المنطقة، في حين أن إيران تسعى دائما إلى أمن إقليمي ينبع من جميع دول المنطقة دون وجود أمريكا وعدوان "إسرائيل".
وأشار محدثنا إلى أن " الخطوط الحمراء لطهران تتمثل في عقيدتها الأمنية-العسكرية في النقاط التالية، مع الإشارة إلى أن هذه النقاط تنطبق تقريبا على جميع دول العالم، وإيران لا تطرح فيها أمورا خاصة أو استثنائية. ومع ذلك، فإن إيران - للأسف - تواجه ردود فعل خاصة من جانب أمريكا حتى عند مراعاتها لهذه الأمور الطبيعية".
وأضاف الباحث الإيراني أن أول أكبر خط أحمر لإيران هو محاولات ''إسرائيل'' وأمريكا لتغيير حدود إيران، في حين أن ترامب اعترف صراحة بأن أمريكا تزوّد القوات الكردية الانفصالية المعارضة بالأسلحة وتقدّم لها الدعم العسكري. وتابع ''لا تقتصر عقيدة إيران للحفاظ على هذا الخط الأحمر المهم على حدودها الجغرافية فقط، بل ترى طهران أن الحفاظ على السلامة الإقليمية يتطلب أولا استهداف العدو في أراضي البلد المعارض ومواقع تمركزه. ولهذا السبب نشهد أحيانا قيام إيران بقصف صاروخي لمواقع إقامة القوات الكردية الانفصالية في إقليم كردستان العراق''.
وأكد : '' ثانيا محاولات تغيير البنية وزعزعة الاستقرار الداخلي في إيران فهذا الخط الأحمر المهم قائم في جميع الدول القومية، حيث إن أي محاولة لتدمير وزعزعة استقرار النظام السياسي ترتبط ارتباطا مباشرا بالأمن القومي لتلك الدولة. فاغتيال قادة إيران ومسؤوليها الكبار - كاغتيال الشهيد سليماني على الأراضي العراقية - يُعدّ مثالا على إرهاب الدولة، وقد أظهر رد إيران باستهداف قاعدة عين الأسد بصواريخ باليستية محلية الصنع أن طهران، في حال استُهدفت مراكز القوة الأساسية فيها، تملك إمكانية الرد العسكري المباشر، وأنها قادرة - عند الضرورة - على إعادة إنتاج هذا الردع والحفاظ عليه دائما''.
وأضاف ''ثالثا الاعتراف بحقوق إيران النووية في إطار القوانين الدولية، هي من الخطوط المهمة أن طهران تحتفظ لنفسها بحق استخدام الطاقة النووية في إطار الوكالة، وقد أقرّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مرارا، بعد توقيع الاتفاق النووي، بحسن تعاون إيران مع الوكالة. هذا في حين أن الكيان الصهيوني، الذي يملك قنابل نووية، ليس عضوا في منظمة الطاقة الذرية، ولم يُسمح حتى الآن بدخول المفتشين لتفتيش المنشآت النووية في ''إسرائيل''. وتشير طهران إلى أن لديها وثائق، وتعتقد أن غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يزوّد الكيان الصهيوني بكل المعلومات النووية السرية الخاصة بإيران. ومع ذلك، لا ينبغي لأي قوة أن تحرم إيران من حقها الثابت بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي، خاصة في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. وإذا ابتعدت إيران عن مزايا عضويتها في هذه المعاهدة، فإن المنطق السليم يحكم بانسحابها من تلك المنظمة، وهو أمر لن يكون مرضياً بأي شكل للولايات المتحدة الأمريكية. لذلك يجب بالضرورة إيجاد توازن بين الالتزام والاستفادة بالنسبة لإيران''.
وأضاف ارشادم ''رابعا أمن البنى التحتية الحيوية والطاقة، وبما أن إيران تحصل على نحو 50 بالمائة من دخلها الاقتصادي من صادرات النفط، فيجب أن تتمكن من الاستمرار في تصدير النفط. وقد أعلنت طهران بوضوح عن إستراتيجيتها القائمة على أنه إذا حدثت مشكلة في صادرات النفط الإيرانية أو تعرضت جزيرة خارك لهجوم، فإنها لن تكون قادرة بعد ذلك على ضبط حركة الطاقة في مضيق هرمز. وبعبارة أخرى، فإن شعار إيران هو: الأمن للجميع أو لا أمن لأحد. وعلاوة على ذلك، فإن محطات الكهرباء والمياه تُعدّ، كصادرات النفط، خطاً أحمر لإيران، وفي حال تعرّضها لهجوم فإنّ إيران ستردّ على مراكز مهمة واقتصادية للعدو خارج حدودها. ويجب الإشارة أيضاً إلى أن هذا الرد الإيراني أوجد نوعا من الردع المتبادل، لأن اقتصاد العالم أكثر حساسية لصدمات النفط في الشرق الأوسط من حساسية الاقتصاد الإيراني، وهو اقتصاد خاضع للعقوبات منذ سنوات".وتابع ''خامسا قوة الطائرات المسيّرة والصواريخ المحلية الصنع الإيرانية ، أكدت طهران دائما أنها لن تتفاوض على توازن قوتها وردعها ولن تتنازل عنه. وبما أن طهران، بسبب العقوبات الأمريكية القاسية وغير المنطقية والقيود الدولية، لا تملك إمكانية وصول كافية إلى الإمكانات الجوية الحديثة، فإن أنواع الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز البحرية والطائرات المسيّرة تلعب دوراً بديلاً بالنسبة للأمن القومي الإيراني. وهذه الأدوات، التي تحققت لإيران عبر جهاد ومشقات كثيرة، هي الوسيلة الوحيدة لإيجاد توازن في القوى ومواجهة قوى أمريكا والكيان الصهيوني. وتسمح هذه القدرة لإيران بالنفوذ من عمق استراتيجي أكبر، دون حاجة إلى التواجد الفعلي في قلب العدو، والدفاع عن استقلالها، بل تمكّنت أيضا من نقل هذه المعرفة إلى محاور المقاومة في المنطقة والاستفادة من ذلك. وإذا كانت هذه القدرة قد أثارت غضب أعداء إيران، إلا أنها جعلت إيران لا تكون أبدا بقرة حلوبا لأمريكا، ولهذا فهي أحد أبرز الخطوط الحمراء لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية''.
وأضاف '' خامسا هو محور المقاومة، وهو من النظريات المهمة لإيران في غرب آسيا والشرق الأوسط، نظراً للقواسم المشتركة الكثيرة، هي النظرية البنائية. وترى طهران أنها إذا لم تدافع عن حلفائها خارج البلاد، فسيتعين عليها دفع تكلفة ذلك مضاعفة في طهران. ومن أمثلة ذلك دعم لبنان وفلسطين وسوريا في الوقت الحالي. وقد رسّخت طهران، من خلال تنسيق الجبهات، فكرة لدى الأعداء بأن أي محاولة للقضاء على أحد هذه الأطراف تعني تجاوز الخط الأحمر لإيران وإيجاد تهديد لها. كما أن الوجود القوي لحلفاء إيران جعل الحصار الكامل لإيران أمرا لن يحدث أبدا. ولذلك فإن دعم هذه الأذرع القوية ليس خيارا بل ضرورة لمنع أي اختناق استراتيجي محتمل لإيران''.
- "وقف إطلاق النار مرهون بضمانات عدم تعرض إيران ومحور المقاومة للعدوان "

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115