رقم قياسي للحروب في العالم سنة 2025 .. تعدد الجبهات واستنزاف القوى الكبرى.. إلى أين تتجه الصراعات الدولية؟

في مشهد دولي يزداد تعقيدا عاما بعد آخر، تكشف المؤشرات الحديثة

عن تحول عميق في طبيعة الصراعات التي يشهدها العالم، حيث بات العنف المسلح أكثر انتشارا وتنوعا، متجاوزا الحدود التقليدية للحروب والنزاعات الإقليمية. ومع تسجيل مستويات غير مسبوقة من المواجهات المسلحة خلال عام 2025، تبدو المنظومة الدولية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على احتواء الأزمات ومنع تحولها إلى صراعات أوسع نطاقا.
وتشير بيانات حديثة صادرة عن مؤسسات دولية متخصصة في رصد النزاعات إلى أن العالم يعيش واحدة من أكثر الفترات اضطراباً منذ عقود، مع ارتفاع عدد الحروب والمواجهات المسلحة التي تشارك فيها حكومات وجيوش نظامية، بالتزامن مع تزايد حدة العنف ضد المدنيين في مناطق متعددة من العالم.
تغير نوعي
ووفق تقرير صادر عن معهد أبحاث السلام في أوسلو بعنوان "اتجاهات الصراع" أمس الأول خلص أيضا إلى ارتفاع الهجمات ضد المدنيين. وما يلفت الانتباه في المشهد الراهن ليس فقط ارتفاع عدد النزاعات، بل طبيعتها المتغيرة. ووفق التقرير وبينما كانت الحروب خلال العقود الماضية تتركز غالبا داخل حدود الدول، باتت المواجهات الحالية أكثر تشابكا، حيث تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتشارك فيها أطراف متعددة بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويرى محللون أنّ هذا التحول يعكس تراجع فعالية المؤسسات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لضمان الاستقرار العالمي، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري.
وتبرز الحرب المستمرة في أوكرانيا بوصفها أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، إذ تجاوزت آثارها حدود أوروبا لتؤثر على أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، بينما تشهد مناطق أخرى من العالم توترات متصاعدة تحمل مخاطر مماثلة.
وشهد العام الماضي وفق التقرير 65 صراعا بمشاركة طرف حكومي واحد على الأقلّ، في أعلى مستوى منذ 1946. وبلغت النزاعات بين الدول أعلى مستوياتها خلال 80 عاما، إذ تضاعف عددها ليصل إلى ثمانية، شملت اشتباكات حدودية بين الهند وباكستان، وأفغانستان وباكستان، وكمبوديا وتايلاند، إضافة إلى الغزو الروسي لأوكرانيا والعمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا.
وكان العام الماضي ثالث أكثر الأعوام دموية منذ نهاية الحرب الباردة، إذ سجّل نحو 245 ألف قتيل نتيجة المعارك المباشرة أو العنف السياسي، من بينهم محو 76 ألفا 500 شخص سقطوا في هجمات استهدفت المدنيين بشكل مباشر، مقارنة بـ14 ألفا و200 في العام 2024. ولفتت الدراسة إلى أن الارتفاع الكبير في عدد الضحايا المدنيين سببه النزاع المتواصل بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث أسفرت عمليات الحصار والمجازر في مدينة الفاشر في إقليم دارفور عن نحو 60 ألف وفاة. ومنذ نهاية الحرب الباردة، لم يشهد العالم مستويات عنف أعلى سوى في العامين 1994 و2021، نتيجة الإبادة الجماعية في رواندا والحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي على التوالي.
إفريقيا في قلب الأزمة

رغم الاهتمام الإعلامي الواسع بالصراعات الدائرة في أوروبا والشرق الأوسط، فإن القارة الإفريقية لا تزال تتحمل النصيب الأكبر من النزاعات المسلحة. فمنطقة الساحل الإفريقي، والقرن الإفريقي، وأجزاء من وسط القارة، تشهد سلسلة متواصلة من المواجهات التي تجمع بين جيوش نظامية وجماعات مسلحة وتنظيمات محلية متنافسة.
ويؤكد خبراء أن استمرار هذه النزاعات يرتبط بعوامل متعددة، من بينها ضعف مؤسسات الدولة، والأزمات الاقتصادية، والتغيرات المناخية التي تزيد من التنافس على الموارد الطبيعية، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي غالباً ما تعقد فرص التسوية السياسية.
وفي السودان تحديدا، تحولت الأزمة المستمرة إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة، حيث تسببت المواجهات المسلحة في موجات نزوح واسعة النطاق وخسائر بشرية كبيرة، وسط تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد على استقرار المنطقة بأكملها.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
ومن بين أكثر المؤشرات إثارة للقلق، الارتفاع الحاد في أعداد الضحايا المدنيين. فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل أصبحت المدن والأحياء السكنية والبنى التحتية الحيوية أهدافاً مباشرة أو غير مباشرة للعمليات العسكرية.
ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، حيث تتعرض شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس لأضرار جسيمة، ما يترك ملايين الأشخاص أمام ظروف معيشية بالغة الصعوبة حتى بعد توقف المعارك.
ويحذر متخصصون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى نشوء أجيال كاملة تعاني آثار النزاعات من فقر ونزوح وانقطاع عن التعليم والرعاية الصحية.
بين الحروب المفتوحة والتوترات المزمنة
في الشرق الأوسط، ما تزال بؤر التوتر التقليدية تحتفظ بقابليتها للاشتعال في أي لحظة. فالصراعات الممتدة في عدد من الدول، إلى جانب المواجهات العسكرية المتكررة بين أطراف إقليمية مختلفة، تعكس هشاشة التوازنات الأمنية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن غياب حلول سياسية شاملة واستمرار الاستقطاب الإقليمي يجعلان المنطقة عرضة لموجات جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل تداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.
كما أن اتساع نطاق العمليات العسكرية عبر الحدود يشير إلى تحول متزايد نحو نمط من الصراعات التي تتجاوز الإطار المحلي، ما يزيد من صعوبة احتوائها أو التوصل إلى تسويات دائمة بشأنها.
أزمة في النظام الدولي
اللافت أن تصاعد النزاعات يتزامن مع تراجع ملحوظ في قدرة المؤسسات الدولية على لعب دور فاعل في إدارة الأزمات. فمجلس الأمن الدولي يواجه انتقادات متزايدة بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى، فيما تبدو آليات الوساطة التقليدية أقل قدرة على فرض حلول أو حتى وقف إطلاق النار في العديد من النزاعات.
ويعتبر عدد من الباحثين أن العالم يشهد مرحلة انتقالية تتراجع فيها قواعد النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، دون أن تتبلور بعد ملامح نظام جديد قادر على تنظيم العلاقات بين الدول وإدارة التنافس بينها.
مستقبل أكثر غموضا
تشير المؤشرات الحالية إلى أن العالم قد يكون مقبلا على فترة طويلة من عدم الاستقرار، خاصة في ظل تداخل الأزمات الأمنية مع التحديات الاقتصادية والمناخية والتكنولوجية. فالنزاعات المعاصرة لم تعد مجرد مواجهات عسكرية، بل أصبحت ترتبط بشكل وثيق بقضايا الطاقة والهجرة والأمن الغذائي والذكاء الاصطناعي والتنافس على الموارد.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة إحياء أدوات الدبلوماسية الدولية وتعزيز آليات الوقاية من النزاعات قبل تحولها إلى حروب واسعة النطاق. فالتجارب السابقة تؤكد أن كلفة منع الصراع تبقى أقل بكثير من كلفة التعامل مع نتائجه بعد اندلاعه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115