لقلنا بأن صفته الغالبة هي رفض التشاركية بصفة تكاد تكون كاملة وشاملة.. رفضها سياسيا ورفضها اجتماعيا وكذلك رفضها حقوقيا وفكريا وثقافيا.
ومأتى هذا الرفض الشامل والمنهجي هو اعتقاد السلطة اليوم أنها في صف الحق وأن من سواها هم في صف الباطل أو الخطإ على أقل تقدير علاوة على المنحى الطبيعي لدولة الاستقلال منذ نشأتها والتي لا نرى كبير فائدة من التشاركية باستثناء وحيد يتعلق بالتفاوض الاجتماعي مع نقابتي الأعراف والشغالين.. ولكن هذا البعد المؤسس للدولة الوطنية قد غاب اليوم ولم تعد تشعر السلطة بأي حاجة إليه..
لقد جرّبت تونس كثيرا تغييب التشاركية الفعلية التعددية تحت أشكال مختلفة تتراوح من التفرد بالرأي وعدم الاكتراث بما ينتجه المجتمع من آراء وأفكار ومواقف وتوجهات إلى تجريم الاختلاف واعتباره شقا لعصا الطاعة وخروجا عن الوئام الوطني وتهديدا للسلم الأهلية..
ولنا أن نتساءل اليوم عن النتائج الحاصلة عن هذا الاختيار.. فهل استفادت البلاد بشيء مامن تهميش نخبها ومنظماتها وجمعياتها والآراء والأفكار والتوجهات المختلفة؟ هل حققت مقابل هذا تقدما اقتصاديا مذهلا؟ أو رقيا علميا مبهر؟ لقد تمكنت بعض النظم- لاسيما في آسيا- من تحقيق نمو سريع ومطرد على حساب الحريات والانفتاح والتعدد ولكن الواضح أن هذا النموذج فاقد لشروط الإمكان في بلادنا والدليل هو تتالي الأزمات منذ بداية دولة الاستقلال، وكل هذه الأزمات كانت نتيجة لغياب التشاركية السياسية والاجتماعية في أن ..قيادة الناس إلى الجنة بالسلاسل (على حدّ عبارة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة) لم تكن ممكنة في العقود الأولى للدولة الوطنية وهي ليست ممكنة الآن حتى لو افترضنا وجود «الجنة» الموعودة وأن الاستبداد بالرأي هو الطريق الوحيدة الموصلة إليها..
كان الزعيم بورقيبة يقول في خطبه في الستينات أنه يفضل قيادة شعب متعلم مثقف حتى لو تمرد عليه بعضهم على قيادة شعب جاهل خانع قانع..
الواضح لكل عقل منصف أن تهميش المخالفين والمغايرين قد أفقد البلاد على امتداد هذه العقود فرصا جدية لنهوض الفعلي وللرقي الاجتماعي ..نحن لا نقول بأن التشاركية كفيلة لوحدها بتحقيق النقلة النوعية التي طالما حلمنا بها ولكن هي إحدى شروطها الأساسية ونحن لا نقصد بالتشاركية الانفتاح فقط على التيارات السياسية والمنظمات الاجتماعية ونشطاء المجتمع المدني.. بل نقصد بالتشاركية الشاملة الانفتاح الفعلي على نصف المجتمع، نساء تونس، الذي نال حقوقا لا يستهان بها لكن ظلّ مجتمعنا بعيدا، شيئا ما، عن المساواة الكاملة في الشغل وفي الأجر وفي المسؤولية وفي النشاط الاقتصادي وهذا لا يضرّ بالنساء فحسب بل وبممكنات النمو والازدهار أيضا..
والتشاركية هي أيضا انفتاح على كل جهات البلاد والعمل على ألا تبقى على هامش النمو والرفاهية وهي انفتاح على الأجيال والشباب خاصة حتى لا يخبو عندهم الأمل وهي تشريك فعال لكل الفئات الهشة في المجتمع، فهي في نهاية الأمر تحقيق كامل شروط المواطنة: الكرامة والرفاهية والمساهمة في رسم السياسات وفي حق نقدها والدفاع عن توجهات مغايرة..
لا يمكن لتونس أن تنمو وتزدهر بالانغلاق على رأي واحد وبملاحقة المختلفين وبتجريم السياسة والتعدد..لقد جرّبت هذه السياسة ففشلت ويخطئ من يعتقد أن تكرار الفشل سيؤدي - بصفة سحرية- إلى نجاح ممكن