في رفوف مكتبتي (5) «الغروب الخالد» لـ حسنين بن عمّو عندما يروي ابن خلدون انهيارات المغرب والمشرق

حسنين بن عمّو روائي من صنف خاص

هو ألكسندر دوما (Alexandre Dumas) تونس بلا منازع إذ بفضله تعرّف عشرات الآلاف من التونسيات والتونسيين (إن لم يكن أكثر) على أجزاء هامة من تاريخ تونس الوسيط والحديث بدءا بثلاثيته التي خصصها للدولة الحفصية (باب الفلة ورحمانة وباب العلوج) وصولا إلى الروايات التي تدور أحداثها في زمن الدولة الحسينية كـ «عام الفزوع» و«حجام سوق البلاط».. فمعه أصبح متاحا لقرائه - وهم كثر إذ لا نكاد نحصي عدد طبعات كتبه العشرة الأولى - التجوال في صفحات تاريخ تونس على امتداد خمسة قرون.

بعد صمت عن الكتابة دام سنوات عاد حسنين بن عمّو إلى عشقه الأول الدائم: الرواية التاريخية ولكن برهانات جديدة مختلفة فهو بداية انتقل من دار النشر «نقوش عربية» إلى دار «مسكلياني» وثانية اقتحم مغامرة ابداعية مغايرة، إلى حدّ ما، ما تعوّد عليه قراؤه الكثر: إعادة كتابة السيرة الذاتية للعلامة عبد الرحمان بن خلدون.

ابن خلدون من العلماء القلائل في العصر الوسيط (نستعمل هذا المصطلح كتحقيب زمني لا حضاري) الذين كتبوا سيرة ذاتية شاملة وغزيرة ممّا يستحضره من ظروف نشأته بتونس إلى قبيل وفاته بمصر وقد ضمنت هذه السيرة في ذيل موسوعته التاريخية كتاب «العبر» كما صدرت في عدة طبعات منفصلة تحت عنوان «التعريف بابن خلدون» من بينها طبعة فاخرة صدرت بتونس سنة 2006 احتفاء بالذكرى المائوية السادسة لرحيل علامة المغارب والمشارق.

رهان حسنين بن عمّو كان إعادة كتابة هذه السيرة الذاتية دون خيانتها ولكن بتغيير زاوية النظر من سطح الأحداث - كما في السيرة الذاتية الأصلية - إلى عمقها الإنساني الوجداني أي كما تخيّل بن عمّو وقع سطح الأحداث، أي التاريخ الكبير والوقائع الزمنية، على نفسية الشاب فالكهل ثم الشيخ: الرهان هو كيف عاش ابن خلدون تقلبات الدهر وكيف تفاعل مع مشاعره وغرائزه وطموحاته وحتى ما يعتبره بعضهم بخياناته كل ذلك في أسلوب لا يبتعد كثيرا عن المناخ الذهني للقرن الرابع عشر بما يعني ذلك من صلابة لغوية ومن صياغات أدبية ولكن بشكل متاح وغير معقد للقارئ (ة) اليوم.

لو نستثني المختصين في ابن خلدون أو في تلك الحقبة التاريخية لا نخال أن عموم المهتمين بالفكر والأدب والتاريخ قد اطلع على السيرة الذاتية الأصلية لابن خلدون ولكن مع رواية «الغروب الخالد» ستصبح هذه السيرة الذاتية متاحة للجميع وهذه هي إحدى معجزات الأدب..

نحن لسنا ازاء سيرة ذاتية عادية بل أمام شهادة حية على الانهيار الضخم الذي هزّ العالم الاسلامي العربي من الاندلس إلى بلاد الشام والعراق مرورا بالمغرب الأقصى وما كان يسمى بالمغرب الأوسط (الجزائر) وتونس ومصر.. فابن خلدون لا يحدثنا فقط على حلّه وترحاله وعلى كل المناصب التي شغلها في المغارب والمشارق بدءا بمهمة «صاحب العلامة» في الديوان الحفصي إلى منصب القضاء المالكي في دولة المماليك بمصر مرورا بمهمات تنفيذية وديبلوماسية (كما نقول اليوم) عديدة في مختلف الممالك والامارات التي كانت تعج بها مغارب ومشارق العالم الاسلامي آنذاك.

لقد كان ابن خلدون، الرجل السياسي، شاهدا على ثلاثة أرباع قرن فلقد ولد بتونس سنة 1332 وتوفي بالقاهرة سنة 1406... مسيرة استثنائية لعالم وسياسي عرف أعلى المناصب والتشريفات وقام بمهمات لا تحصى ولا تعد كما أنه عرف السجون والاذلال وتمركزت حوله الوشايات والسعايات حسدا وخوفا فكان ترحاله يتراوح بين الضرورة والاختيار.. بين خوف من بطانة ومن بطش ملك أو أمير إلى طمع في كرم أمير آخر وحلم بالقيام بمهام شريفة ونبيلة لا يقدر عليها غيره..

لقد كان التونسي مولدا، والأندلسي أصلا، شاهدا على تفتت المغارب والمشارق بفعل الخيانات والدسائس والغدر والتكالب المرضي على السلطة.. فالابن ينقلب علىأبيه ويسجن اخوته وأحيانا يقتلهم حتى لا يتآمروا عليه فيما بعد والسلطة ضعيفة دوما تحتاج إلى شراء الذمم لعقد تحالفات هشة مع قبائل البربر أو «العربان» كما يسميها ابن خلدون وهي لا تستقر في حالات عدة أكثر من سنوات معدودة فيغير أمير على أمير ويغدر الحلفاء بعضهم ببعض فتنهار دويلات لتحل محلها أخرى سرعان ما تنهار بفعل نفس الأسباب وابن خلدون لا يستنكف من خدمة هذا وذاك وفي الرواية نجده أيضا يطمح لتوحيد السلطة في بلاد المغرب كلها أو في بعض أجزائها فيتولى الحجابة ( ما يشبه الوزير الأول اليوم) عندما يدعى لها في امارة لكن الحلم سرعان ما ينهار وبانهياره يغير ابن خلدون الموقع عساه يجد مع الخلف ما لم يقدر عليه مع السلف.. هذا كان حاله في كل بلاد المغرب وفي الأندلس مع بني الأحمر.

قضى ابن خلدون بين تونس والمغرب والجزائر والأندلس خمسين سنة من حياته شرع في كهولته إلى كتابة «المقدمة» هذا الكتاب الذي سيكون من أهم ما كتب في الاجتماع البشري على امتداد قرون ثم ألف بعد ذلك موسوعته التاريخية «كتاب العبّر وديوان المبتدإ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».

وعند عودته الأخيرة إلى تونس حيث كان ينوي الاستقرار النهائي حصل فيها بينه وبين الفقيه المالكي الأبرز «ابن عرفة» خلاف حاد ودسائس وسعايات أنهت أمله في كل بلاد المغارب فهجرها في سن الخمسين وسوف يقضي بقية العمر في المشرق - وأساسا في مصر - ليرى في القاهرة وفي حكم المماليك قوة وعصبية لم يشهدها في دويلات المغارب ولكن السعايات والضعف والوهن قد شمل كامل بلاد العرب والتي وجدت نفسها بين فكي المماليك المسيحية في الأندلس التي بدأت في تقليص قوى الحضور الاسلامي فيها بل وكان لها مواطىء قدم في المغرب الأقصى وبين الهجوم الكاسح للمغول شرقا.

ويروي حسنين بن عمّو لقاء ابن خلدون بتيمور لنك قبل مهاجمته لدمشق وبعدها.. ابن خلدون الذي يسعى للوساطة، كما فعل ذلك على امتداد عقود، ولكن أمام حاكم قوي ذي شكيمة لا يأبه كثيرا بالسفارات والوساطات رغم كرمه لعالم تونس..

ويعود ابن خلدون إلى مصر وهو الذي شهد فيها التكليف بمنصب القضاء المالكي والابعاد ثم اعادة التكليف أكثر من مرة، فالانهيار عام لا يشمل فقط الممالكة بل وحياة الناس أيضا..

ولكن للأقدار حكمتها وأحيانا رأفتها فبعد أن غرق كل أهله عندما أرادوا الالتحاق به في القاهرة وبعد سنوات عدة عرف الشيخ عندما شارف السبعين من عمره الحبّ ربمّا لأول مرة في حياته وقضى أواخر سنين عمره بين القضاء والتدريس والتأليف والحب، وكان ينبغي أن تكون كل حياته على هذه الشاكلة..

حسنين بن عمّو لم يكتب رواية.. بل أعاد لنا ذاكرة عهد مضى.. عهد تتنازعه بقايا حضارة بدت متهاوية وبروز قوى جديدة أصلب طموحا وعصبية تحت أنظار مفكر رأى عمق الأسباب وراء سطوح الأحداث دون قدرة على التأثير على مسارها.. مفكر آثر سلامته ولكنه لم يصبها في الأغلب الأعم.. مفكرا ترك لنا أثرا عظيما عظمة الحياة ذاتها..

لقد نجح حسنين بن عمّو في رهانه إذ جعلنا نعيش مع هذا المفكر في حلّه وترحاله.. في صعوده وانتكاساته.. في آلامه ومخاوفه.. لقد جعلنا بن عمّو نعيش عالما كأنه عالمنا اليوم.. بل هو عالمنا اليوم ولو تغيّرت الأشكال والأسباب.. عالم ينهار.. ربما يستحق فقط ابن خلدون جديد ليكتب عنه دون القدرة على تغييره

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115