المرتبطة بالحق في الشغل، عاد ملف المعطلين عن العمل، وخاصة من أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم، إلى صدارة المشهد، مع تجدّد التحركات الاحتجاجية أمام مجلس نواب الشعب، تزامنا مع جلسة استماع لوزير التكوين المهني والتشغيل، ويعكس هذا التحرك الميداني حالة من الترقب في ظل ما يعتبره المحتجون بطئا في تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، مقابل تأكيدات رسمية متواصلة بأن الدولة ماضية في تنفيذ تعهداتها.
وقد شهد محيط مجلس نواب الشعب أمس تحركا احتجاجيا لعدد من المعطلين عن العمل، ولم تكن هذه الوقفة الاحتجاجية حدثًا معزولا، بل جاءت امتدادا لمسار احتجاجي متصاعد خلال الأشهر الأخيرة، خاصة عقب تحركات 9 أفريل الجاري، التي مثّلت، وفق المحتجين من المعطلين نقطة تحول في أشكال النضال، حيث انتقل الحراك من التعبير الرمزي إلى محاولات فرض واقع ميداني ضاغط يهدف إلى تسريع نسق التفعيل، وبين شعارات تعبر عن الغضب الاجتماعي وأخرى تؤكد التمسك بالحقوق الدستورية، بدا واضحا من خلال تصاعد التحركات أن هذه الفئة لم تعد تكتفي بالوعود.
رفض التأخير في تنفيذ التعهدات
رفع المحتجون ممن طالت بطالتهم في وقفة الأمس أمام البرلمان شعارات عبرت عن تمسّكهم بحقهم في الشغل ورفضهم لما اعتبروه تأخيرا في تنفيذ التعهدات، من بينها "صامدون صامدون حتى تطبيق القانون" و"التشغيل التشغيل لا وعود ولا تطمين" و"التشغيل أولوية، هذا حقي موش مزية" و"يا رئيس الجمهورية وينو وعدك للقضية" و"حقي نخدم حقي نعيش يزي يزي من التهميش" و"المسؤول في نعيم والمعطل في جحيم" والرئيس في القصر والمعطل يحتضر" و"المسؤول في الكراسي والمعطل راهو يقاسي" و"لا منابر لا خطب، الشوارع والغضب" و"شغل حرية كرامة وطنية" و"شغل حرية عدالة اجتماعية" و"منصة رقمية أوامر ترتيبية" و"يا معطل يا مقموع زاد الفقر زاد الجوع" و"لا نمل لا نكل الانتداب هو الحل" و"النضال النضال هذه ثورة البطال" و"يا معطل ثور ثور هذا حقك في الدستور" و"لا خوف لا رعب السلطة بيد الشعب" و غيرها من الشعارات المطالبة بتفعيل القانون عدد 18.
روزنامة زمنية واضحة
ويركز المحتجون في مطالبهم على ضرورة الانتقال من الإطار القانوني إلى التطبيق الفعلي، من خلال الإسراع بإصدار الأوامر الترتيبية، ونشر روزنامة زمنية واضحة لإطلاق المنصة الرقمية الخاصة بالانتداب، وضمان الشفافية في معايير الترتيب التفاضلي، إضافة إلى إحداث قنوات تواصل مباشرة مع المعطلين، معتبرين أن أي تأخير في هذه الجوانب من شأنه أن يفرغ القانون من مضمونه. ويأتي هذا التحرك امتدادا لسلسلة من الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، خاصة منذ تحركات 9 أفريل المتزامن مع ذكرى عيد الشهداء، والتي اعتبرها المحتجون محطة مفصلية في مسار التصعيد، حيث عبروا خلالها عن رفضهم لما وصفوه بسياسة المماطلة، مؤكدين أن المرحلة القادمة تتطلب أشكالا نضالية أكثر تأثيرا ووضوحا.
مواصلة الضغط
وفي هذا السياق، دعت الجمعية الوطنية للمعطلين عن العمل إلى مواصلة الضغط عبر اعتماد تحركات ميدانية أكثر استمرارية، من بينها الاعتصامات المفتوحة أمام مقرات الولايات والمعتمديات ثم مقرات السيادة، إلى جانب تنظيم مسيرات جهوية تتجه نحو العاصمة بهدف لفت الانتباه إلى عمق الأزمة، مع إمكانية اللجوء إلى خيارات تصعيدية أخرى كالإضراب عن الطعام، فضلا عن تكثيف الحملات الرقمية والإعلامية للدفاع عن الحق في العمل، مع التأكيد على الطابع السلمي والقانوني لهذه التحركات.
الحكومة تؤكد التزامها
في المقابل، شدد عضو مجلس نواب الشعب علي زغدود على أن التوجه الرسمي للدولة واضح ولا يحتمل التأويل، مؤكدا ضرورة التسريع في تفعيل القانون وتحمل الجهات المعنية لمسؤولياتها، ومعتبرا أن أي تعطيل في هذا المسار يعد تنكرا لحقوق شريحة واسعة من الشباب. وقد سبق وأن أكد وزير التكوين المهني والتشغيل رياض شوّد، خلال جلسة عامة في البرلمان أن تطبيق القانون عدد 18 يمثل التزاما ثابتا لا رجعة فيه، وذلك في إطار تنفيذ تعهدات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، موضحا أن العمل جار على استكمال النصوص الترتيبية بالتوازي مع تطوير منصة رقمية متكاملة تهدف إلى ضمان الشفافية في عملية الانتداب، عبر ربط قواعد البيانات بين مختلف الوزارات والهياكل العمومية. وأضاف الوزير أن هذا المشروع يقتضي تنسيقًا تقنيا وإداريا دقيقًا، وهو ما يتطلب بعض الوقت لاستكماله في أفضل الظروف، بما يضمن نجاعة التنفيذ وعدالته. ويذكر أن رئيس الجمهورية قيس سعيد كان التقى قد التقى يوم 9 أفريل الجاري بروضة الشهداء بالسيجومي بمناسبة عيد الشهداء عددا من المعطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم أصحاب الشهائد العليا، وأكد أن الدولة ملتزمة بتطبيق قانون 18 وإنصاف المعطلين عن العمل من بطالتهم وأنه" لا يقول وعود.. بل يوفي بالوعود".
في انتظار ترجمة الالتزامات إلى إجراءات
وفي ظل هذا التباين بين تصاعد الضغط في الشارع وتمسك الحكومة بمسار تدريجي للتنفيذ، يظل ملف المعطلين عن العمل من أبرز القضايا الاجتماعية المطروحة، والمرشحة لمزيد التصعيد خلال المرحلة القادمة، خاصة مع تواصل الدعوات إلى تكثيف التحركات إلى حين تحقيق المطالب المرفوعة وترجمة الالتزامات الرسمية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.