في وثائقيات رمضان للإذاعة التونسية: "حماة وطن"... سير نضال ينصفها الأثير فتترك الأثر !

لأنّ "الأذن تعشق قبل العين أحيانا" ... يبقى للإذاعة

سحرها الخاص، فالصوت يعيد تشكيل العاطفة، ويترك للمخيّلة حرية بناء المشهد. وفي زمن الصورة السريعة التي كثيرا ما تُنسى كأنها لم تكن، تعيدنا وثائقيات الإذاعة الوطنية إلى فن الإصغاء، إلى متعة أن نغلق أعيننا لنرى أوضح. وبمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال تونس، تستحضر السلسلة الإذاعية «حماة وطن» وجوها وأسماء كتبت التاريخ بعرقها ودمها وأحلامها.. وتركت للأجيال هدية الاستقلال، ووصيّة بأنّ تونس هي الأغلى.

للعام السادس على التوالي، تهدي خلية الوثائقيات بمؤسسة الإذاعة التونسية تحت إشراف آمال شقشوق وبمساهمة بنات وأبناء الإذاعة بمختلف محطاتها سلسلة وثائقية إذاعية تحمل عنوان "حماة وطن" تبث يوميا طيلة شهر رمضان على موجات الإذاعة الوطنية عند الساعة 11.40 صباحا. كما تبث على موجات بقية الإذاعات في مواعيد مختلفة، إلى جانب توفرها على مختلف منصات الإذاعة التونسية .
تشويق في السرد وجاذبية في الحكي
إنّ السلسلة الوثائقية "حماة وطن" على موجات الإذاعة التونسية أشبه برحلة صوتية في الزمن البعيد، وكأنّ عقارب الساعة اختارت أن تدور للوراء لتروي ما خفي أو ما نُسي من سير مناضلات ومناضلين نثروا أمجادهم ووزعوا بطولاتهم في ملاحم تشهد عليها ربوع تونس من شمالها إلى جانبها.
هي وثائقيات تستند إلى مرجعيات تاريخية وعلمية دقيقة، وإلى نصوص شيقة وجذابة خرجت من حيز اللغة الخشبية والرسمية لتلبس ثوب كلمات تشي بالدمعة أو الضحكة لتترك في النهاية شعورا بالفخر والاعتزاز بسير أبطال وبطلات من نور ونار. ونحن نستمع إلى هذه الوثائقيات، نكاد نسمع فيها وقع خطوات المقاومين في الجبال، وهمسات الاجتماعات السرية في البيوت، ونبض القلق في قلوب الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن إلى المجهول. وحين يُستعاد صوت التاريخ بهذه الحميمية وبهذا الصدق الإنساني، يصبح الماضي حاضرا قريبا نابضا بالحياة لا مجرد أرشيف بعيد عن العين وعن الأذن.
في «حماة وطن»، تغازل السمع ملاحم وبطولات أسماء كتبت سيرها بأحرف من تاج في سجل التاريخ التونسي على غرار محمد الدغباجي الفارس الذي صار رمزا للكرامة المسلحة، أو عبد العزيز الثعالبي الذي حمل الفكر سلاحا، أو محمد علي الحامي الذي آمن بأن كرامة العامل جزء من كرامة الوطن، أو علي باش حامبة الذي سبق زمنه في الوعي والإصلاح... من حلقة إلى أخرى وفي موعد يومي، نزداد يقينا أننا لا نستمع إلى سير تقليدية بل يخيّل إلينا أننا نصافح أشخاصا من لحم ودم، حلموا كما نحلم، وخافوا كما نخاف، لكنهم اختاروا أن يكونوا أكبر من خوفهم وأن يكونوا أشجع في تقديم دمائهم وأرواحهم قربانا للوطن... فليس المهم أن يموتوا بل الأهم أن تحيا تونس !
إنصاف لأسماء غيبّتها السرديات الرسمية
من نقاط القوة في سلسلة "حماة وطن" أنها تعيد التوازن للذاكرة الوطنية. فلا تترك الضوء محصورا في أسماء مألوفة، بل تفتح نوافذ الذاكرة على شخصيات قد تكون أقل حضورا في السرديات الرسمية أو المناهج الدراسية ، مثل سعيد بن عبد اللطيف وعلي بن خليفة النفاتي أو علي بن عمارة الجلاصي ... وعبر جولة مُنصفة تُخرج النضال من مركزية العاصمة إلى رحابة الجهات، يتحول التاريخ إلى فسيفساء جماعية لا بطولة فردية. فالاستقلال لم يأت به شخص واحد بل أهدته إلى تونس أسماء كثيرة آمنت بفكرة واحدة: "نموت نموت... ويحيا الوطن."
إنّ احتفاء الإذاعة التونسية بسبعين سنة من الاستقلال عبر السلسلة التوثيقية "حماة وطن" هو تكريم لرموز الماضي ولأعلام تونس من المناضلات والمناضلين، وأيضا توثيق لسير بطلات وأبطال جاهز للاستفادة وللاستخدام بعد رحلة مضنية في البحث بين الوثائق والمراجع والمصادر.
تتجاوز سلسلة «حماة وطن» كونها أرشيفا إذاعيا لتشكل جسرا من الذاكرة يمتد بين جيل صنع الوطن وجيل ما يزال يتعلم كيف يحافظ عليه. من حلقة إلى أخرى، ومن بطل إلى آخر، يذكّرنا «حماة وطن» بأن الوطن لم يكن يوما معطى جاهزا بل كان وسيظل مشروعا جماعيا وحضاريا يقوده مواطنون آمنوا ويؤمنون بأنّ الحرية تستحق التضحية !

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115