لفائدة خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم ، عاد ملف التقاعد إلى صدارة الاهتمام داخل مجلس نواب الشعب، عبر سلسلة مبادرات متزامنة تعكس حراكا واضحا حول أكثر القضايا الاجتماعية المهمة، فبين مقترحات إعادة تنظيم التمديد في سن التقاعد بالقطاع العمومي، ومشروع إقرار التقاعد المبكر الاختياري للمرأة في القطاع الخاص، يسعى البرلمان الى إعادة التموقع في قلب الملفات الاجتماعية و إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وسوق الشغل، وتكشف هذه المبادرات عن هدفين متوازيين، إعادة تنظيم التمديد في سن التقاعد في القطاع العمومي بما قد يحد من التمديدات الآلية من جهة، و توسيع إمكانية التقاعد المبكر الاختياري لفائدة المرأة في القطاع الخاص، لكن يبقى السؤال المطروح هل يمكن أن تساهم تعديلات سن التقاعد في فتح فرص تشغيل جديدة وتقليص البطالة، أم أنها قد تفاقم الضغوط على الصناديق الاجتماعية التي تعاني بدورها من صعوبات مالية كبيرة؟.
أحال مجلس نواب الشعب إلى لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، مقترح قانون يتعلق بتنقيح القانون عدد 12 لسنة 1985 المنظّم للجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة بالقطاع العمومي. وينصّ مقترح القانون عدد 16 لسنة 2026 الذي تقدمت به مجموعة من النواب، على إلغاء عدد من فقرات الفصل 71 مكرر وتعويضها بأحكام جديدة تعيد ضبط شروط وإجراءات التمديد في سن التقاعد.
اختيار الترفيع في سن إحالته على التقاعد بسنة واحدة
وبحسب الصيغة المقترحة، يمكن العون العمومي من اختيار الترفيع في سن إحالته على التقاعد بسنة واحدة، شرط تقديم مطلب كتابي قبل تسعة أشهر على الأقل من بلوغ السن القانونية، مع منح المشغل سلطة البت بالموافقة أو الرفض المعلل على أن تحال المطالب المقبولة إلى الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية لاستكمال الإجراءات. كما يمكن للعون التراجع عن مطلبه حتى بعد الموافقة عليه، في تكريس للطابع الاختياري للإجراء. أما بعض الأصناف المنصوص عليها بالفصل 29 مكرر، فيمكنها التمديد بسنة أو بسنتين أو بثلاث سنوات في حدود 70 سنة، وفق نفس الإجراءات. وتضبط طرق تطبيق هذه الأحكام بأمر حكومي لاحق، بما يوفر الإطار الترتيبي لتنفيذ التعديل المقترح.
استمرار التمديد يفاقم بطالة حاملي الشهادات العليا
وفي شرح الأسباب، اعتبر النواب المبادرون أن آلية الترفيع الاختياري في سن التقاعد بصيغتها الحالية قد تتعارض مع التوجه العام للدولة في تكريس الحق في العمل، كما نصّ عليه الدستور، ومع الخيارات الاستراتيجية للدولة الاجتماعية. ويرى أصحاب المبادرة أن استمرار التمديد في سنّ التقاعد، بالتوازي مع تعطّل الانتدابات في السنوات الأخيرة، ساهم في ارتفاع معدل أعمار الأعوان العموميين وفي تفاقم بطالة حاملي الشهادات العليا وخريجي التكوين المهني.
التقاعد المبكر للمرأة في القطاع الخاص
في سياق مواز، يناقش البرلمان مقترح قانون عدد 104 لسنة 2025 الخاص بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص. وينص المشروع على تمكين المرأة، عند بلوغها سن 50 سنة وتوفر 80 ثلاثية من المساهمات الفعلية، من التمتع بجراية طوعا، دون اشتراط أن تكون أما لثلاثة أبناء. ويتنزل مقترح القانون الذي أحيل على مجلس نواب الشعب يوم 29 جانفي الماضي ببادرة من مجموعة من النواب، "في إطار تعزيز ما هو متاح بالمنظومة التشريعية الحالية، وحذف شرط أن تكون المرأة الأجيرة أم لثلاثة أبناء، مع التأكيد على أن الإحالة على التقاعد المبكر للمرأة العاملة في القطاع الخاص يكون طوعيا"، وفق ما جاء في وثيقة شرح الأسباب المتعلقة بهذه المبادرة التشريعية.
احترام متطلبات التوازنات المالية للصندوق
وأشارت ذات الوثيقة إلى أن التقاعد المبكر للمرأة يتيح لها فرصة للتفرغ للعناية بصحتها وقضاء المزيد من الوقت مع عائلتها وممارسة هواياتها والتخلص من ضغوط العمل والتركيز على جوانب أخرى من حياتها. ويخوّل مقترح القانون، ضمن الفصل الأول منه، للمرأة العاملة في القطاع الخاص والخاضعة لأنظمة الضمان الاجتماعي عند بلوغها سن 50 سنة على الأقل التمتع، بطلب منها، بجراية شريطة الحصول على ما لا يقل عن 80 ثلاثية من المساهمات الفعلية أو ما يماثلها، والتوقف النهائي عن ممارسة أي نشاط بمقابل، مع التنصيص على أنه لا يشترط في هذه الصورة أن تكون المرأة الأجيرة أما لثلاثة أبناء. وتسهر الدولة في تطبيق مقتضيات هذا القانون على احترام متطلبات التوازنات المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتعمل على إرساء الآليات الضرورية لضمان تلك التوازنات وديمومتها، وفقا للفصل الثاني من هذا القانون. ويؤكد الفصل الثالث على أنه "تضبط الصيغ والشروط والإجراءات التطبيقية للفصل الأول من هذا القانون بأمر باقتراح من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية".
مراسلات الى الحكومة حول تأخر تنفيذ القانون عدد 18
وكان مجلس نواب الشعب قد صادق على قانون عدد 18 لسنة 2025 مؤرّخ في 22 ديسمبر 2025، يتعلّق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العموميةوصدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، وينظر إلى هذا القانون باعتباره استجابة مباشرة لملف بطالة أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم والذي ظل لسنوات محور احتجاجات ومطالب اجتماعية متكررة، احتجاجات مازالت متواصلة وتتجه إلى مزيد التصعيد في ظل عدم صدور الأوامر الترتيبية الخاصة بالقانون.
وقد وجه النائبان نوري الجريدي ومحمد الماجدي مراسلات إلى السلطة التنفيذية حول تأخر تنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم، وذلك رغم صدوره بالرائد الرسمي بتاريخ 22 ديسمبر 2025. وأوضح النواب أن مراسلاتهم إلى رئاسة الحكومة تكررت، وكانت آخرها خلال شهر جانفي 2026، مطالبين فيها بالتسريع في تفعيل مقتضيات القانون، خاصة عبر إصدار الأوامر الترتيبية الضرورية وإطلاق المنصة الرقمية المخصصة لتسجيل المعنيين بالانتداب، والتي لم تر النور بعد رغم الإعلان عنها سابقا.
استمرار التعطيل قد يزيد من حالة الاحتقان
كما شددت المراسلات على ضرورة توفير الاعتمادات المالية اللازمة لتمويل الدفعة الأولى لسنة 2026، معتبرين أن التأخير في رصد الموارد يعطل الانطلاق الفعلي في تنفيذ القانون ويعمق حالة الانتظار لدى آلاف المعطلين عن العمل. وانتقد النواب ما وصفوه بغياب ردود واضحة من الحكومة على تساؤلاتهم، محذرين من أن استمرار التعطيل قد يزيد من حالة الاحتقان في صفوف خريجي التعليم العالي الذين يطالبون بحقهم في الشغل، وقد يدفعهم إلى تصعيد تحركاتهم الاحتجاجية خلال الفترة المقبلة.
الاستعداد للتصعيد
ورغم نشر القانون في الرائد الرسمي، لا يزال الانتداب الفعلي معلقا في انتظار استكمال الإجراءات الترتيبية والمالية اللازمة، وسط دعوات متزايدة لتسريع تفعيل هذا الاستحقاق الاجتماعي. وقد جاء في تدوينة لاتحاد المعطلين عن العمل على صفحته الرسمية على الفايسبوك " تحذيرا من مغبّة التجاهل وعدم طمأنة المعطلين بمآل قانون 18/ 2025، وعندما يؤكد النواب أن الحكومة لا ترد على تساؤلاتهم وتخوفاتهم، فاعلم أن توجسات المعطلين في محلها ، وان تحركاتهم واستعدادهم للتصعيد مشروعة وفي محلها أيضا بل أكثر من ذلك يجب أن يتواصل الضغط والتصعيد حتى نيل الحقوق...".