مشروع التقاعد المبكر للمرأة العاملة في القطاع الخاص: رفض نسوي للمشروع مع المطالبة بسحبه فورا وفتح نقاش شامل

أثار مشروع القانون عدد 104 لسنة 2025 المتعلق

بإقرار التقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص دون اشتراط الأمومة، جدلا واسعا بين من يعتبره خطوة نحو "رفع تمييز سابق"، ومن يرى فيه توجها تمييزيا جديدا يمس بمبدأ المساواة ويهدد ديمومة منظومة الضمان الاجتماعي، حيث أعلنت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رفضها القاطع لمشروع القانون، معتبرة أنه "يخرق مبدأ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص"، ويدفع النساء إلى الخروج المبكر من سوق الشغل بما يقيد مساراتهن المهنية ويحرمهن من فرص التدرج الوظيفي والترقيات والتكوين المستمر والمشاركة في مواقع القرار.
حذّرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات من أن المشروع، وإن قُدم في إطار حذف شرط الأمومة الذي كان يفرض أن تكون المرأة أمًا لثلاثة أبناء للتمتع بالتقاعد المبكر، إلا أنه "يخفي تمييزا أعمق" يتمثل في استهداف النساء دون الرجال بآلية من شأنها إنهاء مسارهن المهني مبكرا وإقصاؤهن من الدورة الاقتصادية. وأكدت الجمعية أن الإجراء المقترح قد يؤدي عمليا إلى تقاضي النساء جرايات تقاعدية منخفضة قد لا تتجاوز نصف الأجر الشهري، مما يفاقم هشاشة أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية.
إلغاء شروط
ينص مشروع القانون عدد 104 لسنة 2025 الذي كان قد أُحيل إلى مجلس نواب الشعب يوم 29 جانفي 2026 بمبادرة من مجموعة من النواب على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص والخاضعة لأنظمة الضمان الاجتماعي من التمتع، بطلب منها، بجراية تقاعد بداية من سن 50 سنة، شريطة استكمال 80 ثلاثية من المساهمات الفعلية، أي ما يعادل 20 سنة من العمل، مع التوقف النهائي عن ممارسة أي نشاط مهني بمقابل. ويلغي المشروع شرط أن تكون المرأة الأجيرة أما لثلاثة أبناء، وهو الشرط المعمول به حاليا للانتفاع بالتقاعد المبكر في القطاع الخاص. وتنص فصول المشروع على التزام الدولة باحترام متطلبات التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مع إرساء الآليات الضرورية لضمان ديمومتها. ويؤكد الفصل الثالث على أنه "تضبط الصيغ والشروط والإجراءات التطبيقية للفصل الأول من هذا القانون بأمر باقتراح من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية".
توسيع المجال ليشمل العاملات في القطاع العمومي
خلال مناقشة هذا المقترح، أكد المتدخلون أنّ هذه المبادرة تندرج بدورها، في إطار المحافظة على الأسرة التونسية، وذلك من خلال تمكين المرأة من الإحالة على التقاعد المبكر للتفرغ لحياتها العائلية، كما طالب بعض النواب بتوسيع مجال هذا المقترح ليشمل كذلك النساء العاملات في القطاع العمومي. واختتمت أشغال اللجنة بتثمين أعضائها لجملة المقترحات التي وقع الاستماع بشأنها، مؤكدين أهمية ما ورد بها من أحكام من شأنها أن تحافظ على التماسك الأسري وتعيد للدولة مكانتها في تعزيز المنظومة الاجتماعية. كما تم التأكيد على أنّ اللجنة ستواصل دراسة مختلف هذه المقترحات من خلال الاستماع بشأنها إلى كل الأطراف المعنيّة، والعمل على تجويد صياغتها وتضمين الملاحظات التي وقع تقديمها من طرف المتدخلين ضمن أحكامها حتى تتلاءم مع النصوص التشريعية الأخرى وتحقق الغاية المنشودة منها.
مبررات أصحاب المبادرة
وفق وثيقة شرح الأسباب المرافقة للمبادرة التشريعية، يندرج المقترح في إطار "تعزيز ما هو متاح بالمنظومة التشريعية الحالية" ورفع شرط الأمومة الذي اعتبر مجحفًا، خاصة في ظل تغير التوجهات الديمغرافية للأسر التونسية، التي أصبحت تميل إلى الاكتفاء بطفل أو طفلين، فضلا عن وضعية النساء غير المتزوجات أو اللواتي ليس لهن أطفال، وخلال جلسة استماع عقدتها لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة يوم الاثنين الفارط، أكد أصحاب المبادرة أن التقاعد المبكر يتيح للمرأة فرصة التفرغ لصحتها وحياتها العائلية والتخفيف من ضغوط العمل، خاصة في ظل ما وصفوه بصعوبة ظروف الشغل في عديد القطاعات الخاصة. كما دعا بعض النواب إلى توسيع نطاق المشروع ليشمل النساء العاملات في القطاع العمومي، معتبرين أن الإجراء يساهم في دعم التماسك الأسري.
مخاوف من تداعيات اقتصادية واجتماعية
في المقابل، ترى الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أن المشروع يعمق أزمة الصناديق الاجتماعية، معتبرة أن فتح باب التقاعد المبكر دون ضوابط مالية دقيقة قد يؤدي إلى استنزاف موارد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتسريع وتيرة اختلال توازناته. كما حذّرت الجمعية في بيان لها من أن الاختيار الذي ينص عليه المشروع قد يتحول في الواقع إلى آلية ضغط غير مباشرة، خاصة في ظل هشاشة أوضاع العديد من النساء العاملات في القطاع الخاص، ما قد يدفعهن إلى قبول التقاعد المبكر تحت وطأة ظروف مهنية صعبة أو ضغوط من المشغّلين. واعتبرت الجمعية أن تحميل النساء كلفة الأزمة الاقتصادية أو البطالة، عبر تشجيع خروجهن المبكر من سوق الشغل، لا يمثل حلا فعليا، خصوصا في سياق تحولات عميقة يشهدها سوق العمل بفعل الرقمنة والتطور التكنولوجي، بل معضلة إضافية في ظل الأزمات التي تعيشها المؤسسات، حيث سيستعمل هذا الإجراء كوسيلة قانونية للتسريح دون تعويض حقيقي ودون خلق مواطن شغل جديدة ودون الاستفادة من الخبرات والتكوين.
دعوة إلى حوار وطني
ودعت الجمعية إلى سحب المشروع وفتح نقاش وطني شامل يضم الأطراف الاجتماعية والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة من أجل إصلاح منظومة التقاعد والضمان الاجتماعي على أسس عادلة وشاملة وغير تمييزية تراعي مبدأ المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات سواء أثناء المسار المهني أو عند التقاعد والكف عن توظيف النساء ومساراتهن المهنية كورقة في حسابات سياسية واقتصادية خارج أي رؤية إستراتيجية، وينتظر أن تواصل اللجنة البرلمانية المختصة دراسة المقترحات والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية قبل عرضه على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب.
مشروع القانون عدد 104 لسنة 2025 يبدو أنه مرشح لمزيد من النقاش في الأيام المقبلة في ظل تباين المواقف بين المدافعين عن المشروع باعتباره إجراء اجتماعيا اختياريا والرافضين له باعتباره توجها تمييزيا يمس بالحقوق الاقتصادية للنساء.
- جمعية النساء الديمقراطيات: "المشروع يمس بمبدأ المساواة وسيستعمل كوسيلة قانونية للتسريح دون تعويض حقيقي"

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115