وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في وقت تشهد فيه الأوضاع الإنسانية تدهورا متسارعا، وسط تصعيد ميداني يهدد بانهيار ما تبقى من التفاهمات الهشة. فصباح أمس الأربعاء، أقدم جيش الاحتلال على نسف عدد من المنازل السكنية في حي التفاح شرق مدينة غزة شمالي القطاع المحاصر، في خطوة وُصفت بأنها انتهاك واضح لبنود الاتفاق، الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تحذيرات متزايدة من كارثة إنسانية وشيكة، مع اشتداد موجة البرد القارس، واستمرار الهجمات، وتعطّل مسارات الإغاثة وإعادة الإعمار، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى معبر رفح، الذي يُفترض أن يُفتح بالتزامن مع بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بعد انتهاء المرحلة الأولى التي شملت ملف الأسرى الإسرائيليين في غزة.
وشكّلت استعادة جيش الاحتلال لجثة الأسير الإسرائيلي الأخير في قطاع غزة، ران غافيلي، محطة مفصلية في مسار الاتفاق، إذ يعني ذلك عمليا طيّ صفحة الرهائن الإسرائيليين، وهو أحد أبرز عناوين المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار. غير أن هذه الخطوة، بدلا من أن تفتح الباب أمام تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية بالانتقال إلى المرحلة الثانية، رافقها تصعيد ميداني وإشارات سياسية توحي بمحاولات إعادة خلط الأوراق.
وفي هذا السياق، حذّرت الحكومة الفلسطينية، من تلاعب "إسرائيل" باتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن ما يجري على الأرض يعكس سياسة ممنهجة لعرقلة التنفيذ الكامل للاتفاق. وطالب مجلس الوزراء الفلسطيني بالانتقال الفوري إلى المرحلة الثانية، التي تنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، وبدء مسار التعافي وإعادة الإعمار، محذرا من خطورة اختلاق ذرائع جديدة للتصعيد ونسف التفاهمات القائمة.
حسابات المرحلة المقبلة
في المقابل، عقد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مؤتمرا صحافيا في القدس المحتلة، إلى جانب منسق شؤون المفقودين غال هيرش، وذلك عقب الإعلان عن استعادة جثة آخر أسير في غزة، وقبيل الافتتاح المتوقع لمعبر رفح. ويأتي هذا الظهور الإعلامي في ظل ضغوط داخلية متزايدة يتعرض لها نتنياهو، سواء من عائلات الرهائن أو من أطراف في الائتلاف المتطرف الحاكم، فضلا عن حساباته السياسية المرتبطة بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي يُفترض أن تشكل الإطار العام للمرحلة الثانية من الاتفاق.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يحاول اللعب بين الالتزامات التي فرضها الاتفاق من جهة، ومتطلبات البقاء السياسي وامتصاص الغضب داخل حكومته اليمينية المتطرفة من جهة أخرى، ما يفسر حالة المماطلة والغموض في تنفيذ البنود المتعلقة بالانسحاب وفتح المعابر.
حماس: التزام بالاتفاق ورفض للإملاءات
من جانبها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس التزامها الكامل ببنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. وقال عضو المكتب السياسي للحركة، حسام بدران، إن المقاومة أوفت بجميع التزاماتها، مشيرا إلى أن نتنياهو يواصل المماطلة والتنصل من استحقاقات المرحلة الثانية، لا سيما ما يتعلق بفتح معبر رفح والانسحاب من المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال.
وشدد بدران على أن حق المقاومة مكفول بموجب القوانين الدولية، وأن سلاحها مخصص للدفاع عن النفس في مواجهة الاحتلال، معتبراً أن هذا الملف شأن داخلي فلسطيني لا يخضع لأي إملاءات خارجية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والإعلامية الهادفة إلى ربط إعادة الإعمار وشروط التهدئة بمسألة سلاح المقاومة.
في المحصلة، يقف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة أمام اختبار حاسم. فبينما يُفترض أن تشكل المرحلة الثانية مدخلا لوقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب الاحتلال، وفتح المعابر، وبدء إعادة الإعمار، تشير الوقائع الميدانية إلى مسار معاكس، عنوانه التصعيد الصهيوني والضغط وفرض الوقائع بالقوة.
ومع استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يبقى مصير الاتفاق مرهوناً بمدى قدرة الأطراف الضامنة على إلزام الاحتلال بتنفيذ تعهداته، ومنع انزلاق الوضع مجدداً نحو جولة جديدة من العنف، ستكون كلفتها الإنسانية والسياسية باهظة على قطاع غزة وسكانه المنهكين.
إقامة مواقع عسكرية ثابتة
ووفق تقارير يعتزم جيش الاحتلال الإسرائيلي، إقامة مواقع عسكرية ثابتة داخل أحياء فلسطينية في الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، في وقت وجد صعوبة بالغة في ضبط أسلحة خلال عدوانه الواسع على المدينة، الأسبوع الماضي. وكان جيش الاحتلال قد استخدم ناقلات جند مدرّعة لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية عام 2000، ونشر قنّاصة، وشغّل مُسيّرات، وعلّق إجازات جنود. لكن في نهاية العملية الواسعة في الخليل، لم يضبط سوى 8 أسلحة، بحسب ما ورد في تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت، اليوم الأربعاء، فيما اعتقل الجيش 14 فلسطينياً، وداهم 350 مبنى خلال أسبوع. ويعزو الجيش عدم ضبط أسلحة، إلى مزاعمه بأنّ أجزاء الأسلحة تُفكَّك وتُخفى في مجموعة كبيرة من أماكن التخزين السرية.
قبل نحو عام من السابع من أكتوبر 2023، كانت التقديرات الاستخباراتية السائدة في قيادة المنطقة الوسطى بجيش الاحتلال، تزعم أنّ في كل واحد من ستة منازل فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، يوجد سلاح ناري من نوع ما، وأنه منذ ذلك الحين، "هُرّبت آلاف الأسلحة الإضافية إلى الضفة، معظمها عبر إيران ومن خلال الحدود الأردنية". لكن العدوان الواسع الذي نفّذه جيش الاحتلال في الخليل، وانتهى مطلع الأسبوع، "أثبت مدى صعوبة، إن لم يكن استحالة، العثور على الأسلحة التي أغرقت الضفة"، بحسب ما ورد في التقرير.
سخّرت الكتيبة 932 التابعة للواء "ناحل" في جيش الاحتلال، والتي لعبت دورا محوريا في حرب الإبادة على قطاع غزة، جميع مواردها للعملية في الخليل والتي وُصفت بأنها طويلة الأمد. وقد مُنعت الإجازات عن جنودها، كما انضم إليها مقاتلون من وحدات نخبة، وقنّاصة، وموارد على مستوى فرقة. وأرسل جيش الاحتلال ناقلات جند مدرّعة، لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية، إلى شوارع الضفة، خصوصاً للمساعدة في إغلاق المحاور ضمن منطقة العمليات في حي جبل جوهر في الخليل. وحاولت أجهزة الاستخبارات أيضاً، تقديم أفضل ما لديها، لكن النتيجة النهائية قد تكون محبِطة، على حد تعبير التقرير العبري، فعلى الرغم من الاستثمار الكبير ورغبة الجنود والضباط، لم يُعثر سوى على ثمانية أسلحة فقط، من بينها أسلحة من طراز "إم 4" و"إم 16" ومسدسات، إضافة إلى عشرات السكاكين و"وسائل قتالية" أخرى لم تُفصَّل وفق ''العربي الجديد''.
90% من المدارس تضررت أو تعرضت للتدمير
ميدانيا أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أن 60% من الأطفال في غزة في سن الدراسة لا يحصلون حالياً على تعليم حضوري، مشيرة إلى أن 90% من المدارس تضررت أو تعرضت للتدمير في القطاع.
وقال المتحدث باسم المنظمة، جيمس إلدر في مؤتمر صحافي أمس الأول ، إن قرابة عامين ونصف العام من الهجمات (الإسرائيلية) على التعليم في غزة عرضت جيلاً كاملاً للخطر، موضحا أن اليونيسف تعمل على توسيع نطاق التعليم في القطاع في إطار واحدة من أكبر جهود التعليم في حالات الطوارئ في العالم تشمل 336 ألف طفل.وأضاف: "لقد دمرت المدارس والجامعات والمكتبات، ومسحت سنوات من التقدم. هذا ليس مجرد دمار مادي. إنه اعتداء على المستقبل نفسه"، لافتاً إلى أن ما لا يقل عن 97% من المدارس تعرضت إلى أضرار.وشدد إلدر على أن الأولوية القصوى اليوم، هي لإعادة الأطفال إلى التعليم فورا، مشيراً إلى أن "هذا غالباً يتم في خيام داخل المجتمعات المحلية والمراكز المجتمعية".
وبين أن العدد الأكبر من المقار التعليمية التي ستدعمها اليونيسف سيكون في المناطق الوسطى والجنوبية من القطاع، إذ لا يزال من الصعب العمل في الشمال حيث تعرضت مناطق واسعة لتدمير كبير خلال الأشهر الأخيرة من الحرب.
معبر رفح
على صعيد آخر ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، أمس الأربعاء، أن معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر سيعاد فتحه اليوم الخميس أو الأحد المقبل.
ومنذ ماي 2024 تحتل إسرائيل الجانب الفلسطيني من المعبر، ضمن حرب إبادة جماعية بدأتها بغزة في 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين.و"سيُطلب من أي شخص يرغب في دخول غزة أو الخروج منها الحصول على تصريح مصري، وستُرسل القاهرة الأسماء إلى جهاز الأمن العام (الشاباك) للموافقة الأمنية"، وفقا للإذاعة.وتابعت: "لن يخضع المغادرون من غزة لتفتيش أمني إسرائيلي، بل سيخضعون فقط لتفتيش من أفراد بعثة الاتحاد الأوروبي ومواطنين من غزة يعملون نيابةً عن السلطة الفلسطينية".وأردفت: "وستُشرف إسرائيل عن بُعد على العملية، عبر وجود عنصر أمني في نقطة تفتيش تُراقب مسار المغادرين إلى مصر".