فيما ترامب يستعد لإعلان "مجلس السلام" واشنطن تمهّد للمرحلة الثانية من اتفاق غزة

تتجه الولايات المتحدة إلى الدفع قدما نحو تنفيذ المرحلة الثانية

من اتفاق غزة، في خطوة تعكس تحوّلا ملحوظًا في مقاربتها للملف الفلسطيني، حيث لا يبدو أن نزع سلاح حركة حماس أو استكمال ملف الرهائن يشكّلان شرطًا مسبقا لبدء هذه المرحلة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية . وتشير هذه التوجهات إلى سعي واشنطن لإعادة ترتيب أولويات إدارة الصراع في قطاع غزة، عبر الفصل النسبي بين المسارات السياسية والأمنية والإنسانية، في ظل واقع ميداني معقّد وضغوط دولية متزايدة لوقف دوامة التصعيد الصهيوني المستمر منذ أشهر.
ووفق التصورات المتداولة فإن المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ، لا تقتصر على الترتيبات الأمنية فحسب، بل تمتد لتشمل إدارة الشأن المدني والسياسي في القطاع، الذي يعاني من تدهور غير مسبوق في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة ''تايمز أوف إسرائيل'' بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تستعد للإعلان، خلال الأسبوع المقبل، عن تشكيل مجلس للسلام، إلى جانب لجنة تنفيذية وسيطة، ولجنة تكنوقراط فلسطينية، في إطار رؤية جديدة لإدارة المرحلة المقبلة في غزة.
رهانات وتحديات ميدانية
ووفق مراقبين تعكس المقاربة الأمريكية الجديدة رهانا يصطدم بجملة من التحديات، أبرزها هشاشة التفاهمات الأمنيّة، وتعقيدات المشهد في ظلّ استمرار القصف الإسرائيلي رغم الاتفاق الهشّ لوقف إطلاق النار.
كما أنّ تجاوز شرط إعادة جثة الرهينة الإسرائيلية الأخيرة قبل بدء المرحلة الثانية قد يثير جدلا داخليا في إسرائيل، ويضع حكومة الاحتلال أمام ضغوط سياسية من عائلات المحتجزين .
في المحصلة، يبدو أنّ غزة تدخل مرحلة جديدة ، عنوانها الأساسي البحث عن تسويات مرحلية تقلل تداعيات حرب الإبادة الثقيلة على الفلسطينيين رغم أن الدعم الأمريكي اللامشروط للاحتلال لايزال ساريا. ويحذّر مراقبون من أن أي حلول لا تعالج جذور القضية الفلسطينية وتنهي الاحتلال قد تبقى عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وبين هذه الرؤى المتباينة، يظل سكان قطاع غزة في قلب المشهد، يترقبون ما إذا كانت هذه التحركات ستترجم إلى تحسن فعلي في حياتهم اليومية، أم أنها ستبقى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاتفاقات المؤقتة والهشة في ظل التعنت الصهيوني.
ترامب يستعد لإعلان "مجلس السلام" بشأن غزة
ومن المتوقع أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل مجلس السلام في غزة الأسبوع المقبل، كجزء من المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ونقل موقع ''أكسيوس'' عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة، أن ترامب سيترأس المجلس، الذي سيضم قرابة 15 من قادة العالم، بهدف الإشراف على حكومة تكنوقراطية فلسطينية لم تشكل بعد، كما سيتولى الإشراف على عملية إعادة الإعمار.وأوضح مصدر مطلع: "توجه الدعوات حاليا إلى دول رئيسية للانضمام إلى المجلس".
ومن بين الدول المتوقع انضمامها إلى المجلس المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، ومصر، وتركيا.وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن الخطة قابلة للتغيير تبعا لتطورات قضايا أخرى على أجندة ترامب في السياسة الخارجية، مثل فنزويلا ومحادثات السلام بين أوكرانيا وروسيا.
ووفق الموقع، سيكون ممثل مجلس السلام على الأرض هو المبعوث الأممي السابق إلى الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف.ويزور ملادينوف إسرائيل هذا الأسبوع للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين، تمهيدا لإعلان ترامب المرتقب.
وقد ساهم اتفاق نتنياهو على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، خلال اجتماعه مع ترامب الأسبوع الماضي، في تمهيد الطريق للإعلان.ومن المتوقع أن يعقد الاجتماع الأول لمجلس السلام خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في وقت لاحق من هذا الشهر.
حماس تتعهد بتسهيل عملية تسليم المهام
من جهتها تعهدت حركة حماس،أمس الخميس، بتسهيل عملية تسليم المهام وعمل اللجان المقررة بقطاع غزة، وأكدت أنها لن تكون طرفا في الترتيبات الإدارية للقطاع.
وأوضح المتحدث باسم الحركة حازم قاسم، في بيان، أن ''حماس تنتظر تشكيل لجنة المستقلين لإدارة غزة بما يشمل جميع المجالات، والتي وافقت حماس والفصائل على تشكيلها''.
وأضاف: ''حماس ستعمل على تسهيل عملية التسليم وعمل اللجنة، والحركة قررت مسبقا أنها لن تكون جزءا من ترتيبات الأوضاع الإدارية في قطاع غزة''.وفي مارس 2024، أكد البيان الختامي للقمة العربية الطارئة بشأن فلسطين، رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم تحت أي مسمى أو ظروف، واعتماد الخطة المصرية لإعمار قطاع غزة، مشددا على اعتبارها ''خطة عربية جامعة''.
وتتضمن الخطة تشكيل لجنة ''إدارة غزة'' لتتولى تسيير شؤون القطاع في مرحلة انتقالية لمدة 6 أشهر، على أن تكون اللجنة مستقلة ومكونة من شخصيات غير فصائلية ''تكنوقراط'' تعمل تحت مظلة الحكومة الفلسطينية، وهو ما رحبت به حركة حماس آنذاك.
وجاء بيان حماس في هذا السياق، عقب ما أفاد به موقع “تايمز أوف إسرائيل” بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتزم الإعلان الأسبوع المقبل عن بدء المرحلة الثانية من خطته لإنهاء الحرب بقطاع غزة رغم التحفظات الإسرائيلية.
وأشار الموقع إلى أن ترامب يعتزم الكشف عن “مجلس السلام” والهيئات الأخرى المعنية بإدارة قطاع غزة الأسبوع المقبل بعد تأخير دام شهراً.
وفي 29 سبتمبر 2025 أعلن ترامب خطة للسلام ووقف الحرب بغزة تتألف من 20 بندا، بينها: الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، ووقف إطلاق النار، ونزع سلاح حركة "حماس"، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع وتشكيل حكومة تكنوقراط ونشر قوة استقرار دولية.وفي 18 نوفمبر 2025، اعتمد مجلس الأمن الدولي مشروع قرار أمريكي بشأن إنهاء الحرب الإسرائيلية، يسمح بإنشاء قوة دولية مؤقتة بغزة حتى نهاية عام 2027، لتحقيق الاستقرار تحت قيادة موحدة يقبلها المجلس.
تداعيات إنسانية خطيرة
كشفت صحيفة ''لوموند'' الفرنسية، استناداً إلى تحقيق أجرته جمعية محلية في قطاع غزة، أن نحو 35 ألف طفل وبالغ فقدوا جزئياً أو كلياً قدرتهم على السمع، نتيجة الحرب المتواصلة على القطاع منذ نحو عامين، في واحد من أكثر الآثار الإنسانية الصامتة قسوةً للحرب المستمرة.
وسلّط تقرير الصحيفة الضوء على الأثر العميق للحرب على حاسة السمع لدى السكان، من خلال قصة الطفلة دانا التي فقدت سمعها إثر انفجار صاروخي قرب غرفتها، ما حوّل التواصل اليومي داخل أسرتها إلى معاناة مستمرة، في ظل غياب معرفة لغة الإشارة وانعدام أي وسائل دعم متخصصة.وأشارت الصحيفة إلى أن والدي دانا اصطحباها إلى مختصين في جمعية "أطفالنا" للصم في غزة، التي يواصل موظفوها عملهم رغم تدمير مركزها الرئيسي، حيث أفاد المختصون بأن العصب السمعي لدى الطفلة تضرر بشكل بالغ، وربما دُمّر كلياً بسبب شدة الانفجار.
كما استعرض التقرير حالة الرضيع أيان القرا، الذي قذفه انفجار قرب خيمة النزوح التي تقيم فيها عائلته ودفنه تحت الرمال. وقالت والدته صفا إنهم تمكنوا من العثور عليه بعدما لاحظوا قدميه ظاهرتين، مضيفة: "كان في حالة مروعة وظننا أنه سيموت". ورغم نجاته، أظهر التشخيص الطبي أن نسبة السمع لديه معدومة بالكامل.وبيّنت لوموند أن الطفل أيان يحتاج بشكل عاجل إلى جهاز سمعي وربما إلى زراعة قوقعة، لتفادي تأخر حاد في النمو، إلا أن عائلته، كحال عائلة دانا، تصطدم باستحالة الحصول على هذه الأجهزة بسبب حصار الاحتلال المفروض على القطاع.
وأوضح مختصون أن فقدان السمع في غزة لا ينتج فقط عن الإصابات المباشرة، بل أيضاً عن الموجات الصوتية العنيفة الناجمة عن الانفجارات، والتي تُحدث أضراراً غالباً ما تكون غير قابلة للعلاج في العصب السمعي.وتفاقمت الأزمة، بحسب الصحيفة، نتيجة القيود المفروضة على إدخال المعدات الطبية، إذ لم تدخل أجهزة سمعية أو بطارياتها إلى غزة منذ أشهر طويلة، إضافة إلى تدمير البنية التحتية الصحية والنقص الحاد في الكوادر المتخصصة.وحذّر عاملون في القطاع الصحي من أن سوء التغذية، والاكتظاظ، وانعدام الرعاية الصحية الأولية في مخيمات النزوح قد يؤدي إلى زيادة حالات الإعاقة السمعية، لا سيما بين الأطفال والمواليد الجدد.
وخلصت لوموند إلى أن جيلاً كاملاً من أطفال غزة بات مهدداً بالعزلة التعليمية والنفسية في ظل غياب العلاج والدعم، معتبرة أن فقدان السمع يمثل أحد أكثر الأوجه الصامتة وقسوةً للحرب المستمرة على القطاع.
وارتكبت دولة الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 -بدعم أمريكي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.وخلفت الإبادة أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.


عمليات إسرائيلية متواصلة
ميدانيا يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عملياته العسكرية في قطاع غزة، في ظل قصف مدفعي وجوي متكرر يستهدف مناطق على امتداد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي مناطق كانت إسرائيل قد فرضت سيطرتها عليها خلال مراحل سابقة.
يأتي ذلك في وقت لا تظهر فيه مؤشرات على انسحاب إسرائيلي محتمل ضمن إطار المرحلة الثانية المتعثرة من اتفاق وقف إطلاق النار.ووفق معطيات ميدانية، تُسجّل عمليات قصف مدفعي يومية تطاول مناطق فلسطينية مدمّرة بمحاذاة الخط المذكور، إلى جانب غارات جوية متقطعة على مناطق مختلفة من القطاع.
وأفادت السلطات الصحية في غزة، بأن غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل فلسطينيين اثنين على الأقل، في حين قال الجيش الإسرائيلي إن القصف نُفّذ ردًا على تعرّض قواته لإطلاق نار.
في موازاة ذلك، أعلنت حركة حماس، الأربعاء، استئناف عمليات البحث عن جثة آخر محتجز إسرائيلي، بعد توقف دام نحو أسبوعين. وتقول إسرائيل إن عدم تسليم الجثة المتبقية يشكّل عائقًا أمام المضي قدمًا في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بينما تشير حماس إلى أن عمليات البحث تواجه صعوبات كبيرة نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب في القطاع.
من جانبها حذّرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أن الأحوال الجوية القاسية في قطاع غزة تُفاقم أزمة إنسانية متدهورة أصلا، وتدفعها نحو مرحلة تهدد حياة مئات الآلاف، في ظل نقص حاد في المساعدات الأساسية، لا سيما مواد الإيواء والأدوية.

وقالت الوكالة الأممية إن غزارة الأمطار والفيضانات، إلى جانب هشاشة البنية التحتية وانهيار مراكز الإيواء، تُعرّض آلاف الأسر النازحة لمخاطر متزايدة.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الأونروا في غزة عدنان أبو حسنة إن الأوضاع الإنسانية في القطاع "متدهورة وخطيرة للغاية"، في ظل نقص حاد في المساعدات الإنسانية، وعلى رأسها مواد الإيواء والأدوية، محذرا من مخاطر متسارعة تهدد حياة السكان.
وأوضح أبو حسنة، أن عشرات الآلاف من الخيام دخلت إلى القطاع بعد وقف إطلاق النار، لكنها لا تلبّي سوى جزء محدود من الاحتياجات الفعلية، مؤكدا أن غزة تحتاج إلى مئات الآلاف من الخيام. في وقت يشهد فيه القطاع نقصا كبيرا في الأدوية، إضافة إلى منع مئات الأصناف الأساسية من المواد الغذائية وغير الغذائية.
وأشار إلى أن نحو مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون حاليا في خيام متهالكة، معظمها مجرد قطع قماش أو بلاستيك لا تصمد أمام الرياح والأحوال الجوية القاسية، لافتا إلى أن تدمير البنية التحتية فاقم الأزمة. حيث تجتاح مياه الصرف الصحي مخيمات النزوح مع هطول الأمطار، لا سيما في المناطق الرملية وعلى شاطئ البحر.وأكد أن آلاف الخيام نُصبت على مسافة أمتار قليلة من شاطئ البحر، مما يجعلها عرضة للغرق مع المدّ البحري وارتفاع الأمواج، وهو ما يجعل إدخال مئات الآلاف من الخيام أمرا "ملحا ولا يحتمل التأجيل".
وأضاف أبو حسنة أن الأزمة لا تقتصر على نقص الإمدادات، بل تمتد إلى تدهور خطير في القطاع الصحي، ومخاطر تلوث المياه، والنقص الحاد في الأجهزة الطبية والمخبرية. مشيرا إلى أن مواجهة هذه التحديات باتت شبه مستحيلة دون إدخال عاجل وشامل للمساعدات.
وكشف أن الأونروا تمتلك آلاف الشاحنات المحمّلة بالمساعدات، المتوقفة على أبواب قطاع غزة، وفي مخازن الوكالة بمصر والأردن، تحتوي على مواد غذائية تكفي القطاع لمدة 3 أشهر، ومواد إيواء من خيام وأغطية وملابس تكفي لنحو مليون و300 ألف فلسطيني.
وحذّر من أن استمرار الوضع الراهن "يعيدنا إلى المربع صفر"، مؤكدا أن القضية لا تتعلق بإدخال كميات محدودة من الغذاء، بل بحزمة متكاملة من الأساسيات تشمل الإيواء، والأدوية المتخصصة، والأجهزة الطبية، ومعدات المختبرات والأشعة، لإعادة إنعاش القطاع الصحي.وختم أبو حسنة بالتحذير من أن مئات الآلاف من المرضى في قطاع غزة يواجهون خطر تدهور أوضاعهم الصحية، في ظل انتشار الأمراض المعوية والسُميّة وسوء التغذية، مشيرا إلى أن غالبية سكان القطاع يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115