في ملتقى تونس للرواية العربية: الحلم ملاذ جمالي وسؤال معرفي... ومقاومة!

لم يكن الحُلم يوما عنصرا هامشيا في الرواية العربية

بل ظلّ على الدوام أحد منابعها العميقة، ومجالها الأوسع لاختبار الممكن والمستحيل. فبين واقع عربي مثقل بالانكسارات، وذات تبحث عن معنى وجودها، وجدت الرواية في الحلم ملاذا جماليا وسؤالا معرفيا في آن واحد. من خلال الحلم، لا تكتفي الرواية بإعادة تمثيل الواقع، بل تعيد تأويله، وتكشف طبقاته الخفية، وتمنح الصوت لما لا يُقال في اليقظة. هكذا يغدو الحُلم في السرد العربي فعل مقاومة رمزية، في كتابة لا تنفصل عن الإنسان بقدر ما تنحاز إليه.

وفي رحاب دار الكتب الوطنية بتونس، لم يكن ملتقى تونس للرواية العربية (من 10 إلى 13 ديسمبر 2025) مجرّد تظاهرة أدبية عابرة، بل اتخذ شكل ورشة تفكير جماعي في جوهر الكتابة نفسها، حين اختار أن يجعل من الحلم محورا لسؤال الرواية العربية: كيف يُكتب؟ ولماذا؟ وإلى أي حدّ ما يزال ممكنا في عالم تتنازعه الخوارزميات والوقائع القاسية؟
الحلم وإلهام الكتابة

لم يطرح ملتقى تونس للرواية العربية الحلم بوصفه تقنية سردية فحسب، بل باعتباره طاقة خفية تسكن كل فعل إبداعي. فكما أشار محمد الخبو، الحلم ليس حكرا على الرواية، بل هو نسيج الأدب كلّه، إذ لا يُكتب نص دون أن يتسلّل إليه قدر من الرغبة، من المكبوت، من التوق إلى ما لا يتحقق في اليقظة. هكذا يصبح الحلم منطقة وسطى بين النفس واللغة، بين ما نعيشه وما نتمنّاه.
ومن خلال استحضار نماذج روائية مثل «ترابها زعفران» لإدوار الخراط، تتجلّى الأحلام لا كفواصل غرائبية، بل كبنية سردية عميقة تعيد تشكيل الوعي، وتكشف هشاشة الواقع نفسه.

في مداخلة سهير المصادفة، يتخذ الحلم وجهه الآخر: الكابوس. فالرواية، في تصورها، هي كتابة الحياة بكل تناقضاتها، وهي حلم جماعي عربي مؤجَّل بالحرية والعدل والمساواة. لذلك لا تنفصل الرواية العربية عن سياقها التاريخي والسياسي، بل تنبثق من رحم القلق، وتتحرك بين أوتوبيا مأمولة ودستوبيا معاشة. والروائي، هنا، ليس حالِما سلبيا، بل شاهدا يرى أحلامه بعينين مفتوحتين، ويغامر بالسرد من أجل إعادة تخيّل العالم، حتى وإن بدا هذا العالم مكسورا.
الحلم ظاهرة نفسية وسردية

إلى مستوى مفاهيمي أعمق، تحدثت زهور كرام عن الحلم الذي يصبح جزءا من شبكة معقّدة تضم الخيال والتخييل والمتخيّل. في عالم تغيّرت فيه أدوات القراءة، وأعادت البيئة الافتراضية تشكيل إدراك الإنسان، لم تعد الرواية تكتفي بعكس الواقع، بل صارت تفاوضه، وتعيد تركيبه عبر آليات جديدة. هنا الحلم ليس هروبا من الواقع، بل وسيلة لتحويله، وفضاءً يسمح للرواية بأن تعيد النظر في علاقتها بالمرجع وبالزمن وبالذات الإنسانية التي تعيش اليوم تحت ضغط عصر السرعة والتكنولوجيا.

من جهته، أعاد ماهر مجيد إبراهيم الحلم إلى جذوره النفسية، مستحضرا التحليل النفسي الفرويدي، حيث تتكشّف الأحلام بوصفها مرايا للاوعي، وللرغبات المكبوتة. غير أن الرواية لا تكتفي بنقل الحلم، بل تسرده، وتمنحه موقعا داخل بنية النص، يتقاطع فيه صوت الراوي مع منظور الشخصية، ويتداخل فيه الذاتي بالجمعي.

الحلم يتحدّى الخوارزميات

اتسع الأفق الجغرافي والتجريبي، من تونس إلى ليبيا وموريتانيا، ليؤكد أن الحلم في الرواية العربية فعل مقاومة. ففي الرواية التونسية، كما رصدت نور الهدى باديس، الحلم دفق يواجه الانكسار، ويبحث عن الخلاص. وفي الرواية الليبية، كما بيّنت عائشة إبراهيم، يصبح الحلم مساحة تلتقي فيها الأسطورة بالواقع، ويُعاد فيها إنتاج الوعي من مستوى اللاوعي. أما في التجربة الموريتانية، فيتحول الحلم إلى أداة فلسفية تشتغل على الزمن والتنبؤ والميتافيزيقا.

من اللافت في نقاشات الملتقى هو انفتاحها على أسئلة راهنة، من قبيل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلم؟ وهل يهدد المخيلة البشرية؟ وكان الجواب، وإن اختلفت زواياه، يتقاطع عند فكرة أساسية وهي أنّ الإبداع الإنساني مشروط بالهوية وبالذاكرة وبالألم وهي عناصر لا تستطيع الخوارزميات امتلاكها مهما بلغت قدرتها على المحاكاة. 

مؤطر:

مدير بيت الرواية يونس السلطاني لـ "المغرب":

الحلم محرّك لتحرير نسيج السرد في الرواية العربية

أكّد مدير بيت الرواية أنّ ملتقى تونس للرواية العربية يُعدّ موعدا ثقافيا دوريا مهمّا احتضنته تونس في دورتيه سنتي 2018 و2019، قبل أن يتعطّل تنظيمه منذ جائحة كورونا إلى اليوم. وأضاف أنّ قرار استئناف تنظيم هذا الملتقى جاء انطلاقا من وعي عميق بأهميته ودوره في إثراء المدونة السردية العربية وتعزيز إشعاعها نقديا وإبداعيا، خاصة مع انطلاق الموسم الثقافي الجديد، وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية. وأوضح أنّ التحضير لهذه الدورة شمل إعداد برنامج علمي وأدبي متكامل، وضبط قائمة اسمية لعدد من الروائيين والنقّاد العرب الذين تمّت دعوتهم للمشاركة، بما يضمن تنوّع التجارب وتعدّد المقاربات.

وحول اختيار موضوع الدورة، بيّن مدير بيت الرواية أنّ «الحلم في الرواية العربية» لم يكن اختيارا اعتباطيا، بل نابعا من إدراك عميق لمكانة الحلم في الكتابة السردية، بوصفه أداة فنية لتحرير نسيج السرد، وإطلاق اللاوعي للتعبير عن المكبوت والمنفلت في الشخصية الروائية. فالأحلام، بخلاف اليقظة، تزخر بأنسجة تخييلية متنوّعة، غالبا ما تتجاوز عنصري الزمان والمكان، وتُحمّل الواقع رموزا ودلالات تخرجه من التشتت والهشاشة، وتثري جماليات الرواية العربية الحديثة.

وأشار إلى أنّ الحلم شهد مسارا تطوريا لافتا في تاريخ السرد العربي، إذ حضرت تيمته في النصوص التراثية والكلاسيكية والحكايات الشعبية، من السير والمقامات، وصولا إلى القصة القصيرة والرواية الحديثة، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، وبشكل أكثر وضوحا مع روايات التسعينيات التي وُسمت بنزعات التجريب والتجديد على مستوى الأشكال والموضوعات.
وأضاف أنّ تيمة الحلم، باعتبارها محفّزا سرديا، فتحت أمام الروائيين إمكانات واسعة لبناء عوالم نصّية متحرّرة من قيود الواقع وضوابطه، وكاشفة، عبر صيغها الرمزية، لمناطق ظلّت لفترة طويلة معتمة أو مسكوت عنها. كما أصبحت النصوص السردية المعاصرة تحتفي بالخيال والتناقض والاختلاف والاحتمال، في انحياز واضح إلى الذات الإنسانية وأسرارها، في ارتباطها بتاريخها وقيمها ومحيطها.
وختم مدير بيت الرواية تصريحه بالتأكيد على أنّ كتابة الحلم، بما تحمله من عمق دلالي وخصوصية جمالية، تطرح جملة من الأسئلة النقدية المتصلة بشكل الحلم ورموزه وتشابكه مع بقية مكوّنات النص، فضلا عن العلاقات القائمة بين الراوي والرائي والمؤوّل، وأبعاد اللغة والأساليب المعتمدة. وفي هذا الإطار، سعت الندوات الخمس المبرمجة ضمن الملتقى إلى مقاربة هذه الإشكاليات والإجابة عن بعض الأسئلة المرتبطة بالكتابة الحلمية، وقد ساهم النقاش الذي أعقب كل جلسة في توسيع آفاق البحث في دلالات توظيف الحلم ومظاهر تسريده في الرواية العربية الحديثة.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115