في مناعة الدول أمام فوضى العالـم

يمر النظام العالمي اليوم بأزمة كبيرة ومتعددة الجوانب .وقد فقد نظام العولمة في هذه الأزمات عناصر الاستقرار التي ترتكز عليها الأنظمة الدولية بشكل عام،

وهي حفظ الأمن والمحافظة على السلم العالمية، كذلك الطفرة الاقتصادية والقدرة على الإدماج الاجتماعي .فقد عرفت العولمة التي هيمنت على العالم منذ منتصف الثمانينات اهتزازا كبيرا في أهم أسسها. فشبح الحرب عاد إلى أوروبا مع الهجوم الروسي على أوكرانيا لينفي القناعة بأن الحرب العالمية الثانية هي آخر الحروب في القارة العجوز .كما أن التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين فيما يخص تايوان يشكل كذلك تهديدا جديا للسلم العالمية .
كما عرفت الأنظمة السياسية تراجع مشروعيتها ودخولها في مرحلة من عدم الاستقلال والتذبذب.وبصفة خاصة عرفت الأنظمة الديمقراطية في أغلب بلدان العالم الكثير من الاهتزازات تحت ضربات معاول الشعبوية الصاعدة لتصبح النخب السياسية التقليدية محل تخوين ورفض ولتفقد كذلك الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات ومنظمات المجتمع المدني دورها وتأثيرها في تعديل الأنظمة السياسية.

ولم يسلم المجال الاقتصادي من هذه الأزمات بل كان في صدارة الهزات التي عرفها النظام العالمي. ودخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود التضخمي منذ أشهر والتي تشكل مؤشرا هاما على نهاية مرحلة من النظام الاقتصادي العالمي .فكما أشارت مرحلة الركود التضخمي في منتصف السبعينات إلى نهاية نظام الدولة الوطنية ودولة الرفاه فإن الركود الذي نعيشه اليوم هو مؤشر على نهاية مرحلة العولمة .
كما امتدت هذه الأزمات إلى المجال الاجتماعي مع تصاعد الفوارق الاجتماعية التي أصبحت تهدد استقرار الدول والأنظمة السياسية وكانت وراء ثورات الربيع العربي وعديد الانتفاضات الأخرى في العالم .
كل هذه الأزمات الدولية وحالة عدم الاستقرار التي يعيشها العالم ستكون لها انعكاسات كبيرة على الدول وخاصة دول الجنوب .والسؤال الذي يطرح نفسه يهم قدرة الدول على حماية نفسها وصمودها أمام الهزات القادمة من وراء البحار .وهذا السؤال يدفعنا إلى طرح مسألة مناعة الدول (résilience des Etats) والعناصر الأساسية التي تمكنها من الصمود أمام الصدمات الخارجية (chocs exogènes) والتقليص من حدتها ومن أثارها السلبية .

• في مناعة الدول:
لقد أصبحت مسألة مناعة الدول أمام الهزات الخارجية الشغل الشاغل للمفكرين والقادة السياسيين والمهتمين بالمسائل الإستراتيجية ومناعة الدول وتخص كل التدابير والقوانين والمؤسسات والعلاقات التي تمكنها من بناء صمودها ومقاومة الصدمات الداخلية وخاصة الخارجية .وفي تقديري فإن مناعة الدول مرتبطة ارتباطا مباشرا بأربعة عناصر ترتكز عليها قوة الدول وصمودها .وهذه العناصر تهم الاستقرار السياسي والحفاظ على الأمن والنمو الاقتصادي والحفاظ على التوازنات المالية الكبرى ،تبعية الأسواق الداخلية للأسواق العالمية وقدرة الدول على الإدماج الاجتماعي

• الاستقرار السياسي والمحافظة على الأمن:
تُعد السياسة والأمن من الأسس الأساسية لمناعة الدول واستقرارها. ففي الجانب السياسي فإن الدول القادرة على بناء أنظمة سياسية ديمقراطية قادرة على تجميع المواطنين وتوحيدهم مهما اختلفت مشاربهم السياسية أو الدينية أو الفكرية وهذه القدرة على توحيد المواطنين من خلال مؤسسات منتخبة بطريقة ديمقراطية تساهم في تعبئتهم لدرء المخاطر وتوقي الهزات الداخلية والخارجية.
كما أن قدرة الدول على حماية أمنها الداخلي والخارجي تشكل عاملا مهما لاستقرارها خاصة مع تطور المخاطر الإرهابية في السنوات الأخيرة .

• النمو الاقتصادي والحفاظ على التوازنات المالية الكبرى:
إن مناعة الدول وقدرتها كذلك على الصمود لا تتوقف على الجوانب السياسية بل تهم كذلك الجوانب الاقتصادية .وفي هذا المجال فإن مساهمة الاقتصاد في مناعة الدول ترتكز على مستويين هامين .المستوى الأول يهم النمو وضرورة الحفاظ ودعم محركاتها كالاستثمار الحكومي والخاص والاستثمار الخارجي إلى جانب الصادرات والاستهلاك .وترتكز قرة الدول على حماية مناعتها ودعمها في المجال الاقتصادي بقدرتها على تحريك محركات الاقتصادي ودفعها من أجل خلق النمو والثورة والتشغيل .
إلا أن المناعة الاقتصادية لا تتوقف على النمو بل ترتبط كذلك بالتوازنات المالية الكبرى للدول وخاصة توازنات المالية العمومية وميزان الدفوعات. فالانخرام في المديونية يقود إلى السياسيات المالية التقشفية لتفادي شبح الإفلاس.

• التقليص من تعبئة الأسواق للخارج:
ترتبط مناعة الدول وصمودها ارتباطا وثيقا بقدرتها على توفير الحاجيات الأساسية النادرة للاستهلاك والاستثمار ولتفادي الندرة والنقص الكبير والشح الذي تعرفه الأسواق والذي يساهم في عدم الاستقرار الذي تعرفه البلدان ويضيف في تراكم المخاطر على البلدان. على أن توفير المواد الأساسية للأسواق لا يمكن أن يرتبط بالأسواق الخارجية والتوريد بل يجب كذلك أن يكون نتيجة للإنتاج الداخلي. ولابد من إعطاء أولوية كبرى في هذا المجال إلى ثلاثة أسواق أساسية والتي تساهم في توازن الأسواق الداخلية وتراجع تبعيتها للخارج. وهذه الأسواق هي سوق المواد الغذائية والذي يمكن البلدان من ضمان أمنها الغذائي .كما يجب الإشارة إلى سوق الطاقة وضرورة ضمان التزويد المتواصل للطاقة وتفادي الأزمات التي من شأنها أن توقف طاقة الإنتاج.
أما السوق الثالثة فتهم المجال الصناعي وتخص قدرة الدول على توفير كل عناصر الإنتاج من مواد أولية ومواد مصنعة وتزويد المؤسسات والصناعيين لتسهيل عملية الإنتاج .

• الإدماج الاجتماعي:
لا تتوقع مناعة الدول واستقراها على الجوانب السياسية والاقتصادية بل تهم كلك الجوانب الاجتماعية .فقدرة الدول على الصمود تهم كذلك إمكانياتها لبناء التوازنات الاجتماعية في ظل عقد اجتماعي قادر على إدماج كل الفئات الاجتماعية وتحقيق انخراطها في مشترك جمعي .
يمر العالم بأزمات وهزات كبرى كانت لها انعكاسات كبرى على دول الجنوب .وتحاول هذه الدول بناء مناعتها وقدرتها على الصمود أمام هذه الهزات .وهذه المناعة ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستقرار السياسي والحفاظ على الأمن والتحكم في آليات الاقتصاد والتقليص من تبعية الأسواق وقدرة الدول على بناء المشترك الجمعي .

وفي رأيي فإن هذه العناصر لابد لها أن تلتقي في تصور استراتيجي جديد عنوانه بناء السيادات المفتوحة للخروج من أزمة العولمة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا