السياسات الصحية في ظل التدابير الإستثنائية: 25 جويلية يساوي 24 جويلية

مثلت الأزمة الصحية الخطيرة التي عاشتها بلادنا و الناتجة عن جائحة «كوفيد 19» أهم الأسباب التي تم الارتكاز

عليها لأتخاذ إجراءات 25 جويلية و إقرار التدابير الإستثنائية. ذلك أن وفاة ما يقارب 20 ألف مواطن خلال بضعة أشهر و الظروف القاسية التي عاشها عشرات الآلاف المصابين بالوباء في المستشفيات العمومية من حيث النقص في التجهيزات والأسرة و خاصة النقص في مادة الأكسيجين وتأخر وصول التلاقيح كل تلك العوامل خلفت استياء عميقا وغضبا شديدا لدى التونسيين. فصبوا جام غضبهم على الحكومة و البرلمان و إدارات المستشفيات و جميع المسؤولين الذين انكشف عجزهم عن مساعدة المواطنين في هذه الازمة الصحية الخطيرة. هكذا وجدت التدابير الإستثنائية تجاوبا واسعا من طرف المواطنين و رأوا فيها بريقا من الأمل و أفاقا انفراج للازمة الخطيرة التي عاشتها البلاد.
و رغم انقشاع الأزمة الصحية بفعل توفير التلاقيح من طرف البلدان الغربية و الإضمحلال الطبيعي للفيروس و السيطرة عليه ( و لو مؤقتا) في أغلب أنحاء العالم تواصل العمل بالتدابير الإستثنائية و تم بفعل المرسوم 117 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 تجميع كل السلط بين يدي رئيس الجمهورية و أصبحت الدولة تسير بالمراسيم.
فهل تغيرت السياسات الصحية في بلادنا؟؟ وهل تم استغلال فترة التدابير الإستثنائية لإصلاح أوضاع القطاع الصحي؟؟
غياب أطباء الإختصاص في الجهات الداخلية: الجرح النازف للصحة العمومية
من أكبر المعضلات التي يعاني منها المواطنون و خاصة في الجهات الداخلية هي غياب أطباء الإختصاص في الجهات الداخلية وخاصة االإختصاصات الحيوية كالجراحة العامة و جراحة العظام و طب النساء و التوليد والإنعاش والتخدير و أمراض القلب و طب الأطفال. و حتى و إن وجد بعض المختصين فهم ليسوا بالعدد الكافي أو لا يتم تعويضهم عندما يتغيبون. لقد فاقمت هجرة الأطباء التونسيين إلى الخارج و عدم إقبال الأطباء على الخطط التي تفتحها وزارة الصحة سنويا من هذه الأزمة العميقة في قطاع الصحة العمومية.
و للأسف عجزت حكومة التدابير الإستثنائية عن إيجاد حلول لمعاناة المواطنين في الجهات الداخلية رغم الشعارات الشعبوية الرنانة المرفوعة حول الحق في العلاج للمواطنين والإهتمام بالفئات التي تعاني من التهميش والبؤس و الإقصاء. فالاليات معروفة و معمول بها في عديد البلدان و من ضمنها العمل الإجباري للأطباء في المناطق الداخلية و لو لفترة محدودة زمنيا و يمكن اتخاذ هذه الإجراءات بمجرد جرة قلم أو مرسوم. و هي لو توفرت الأرادة و الإهتمام بصحة المواطنين ليست اكثر صعوبة أو خطورة من حل البرلمان أو حل المجلس الأعلى للقضاء أو حل الهيئة المستقلة للانتخابات. و لكن مشاغل الحكومة في وادي ومشاغل المواطنين في وادي أخر
أزمة المستشفيات العمومية: سوء الحوكمة وتراكم الديون
تعيش المستشفيات التونسية أزمة مزمنة تتمثل خاصة في عدم ملائمة حاجياتها المالية المتزايدة مع شح الميزانية المخصصة لها. وهو ما يؤدي إلى عجزها عن تامين الحاجيات الضرورية لنشاط الأطباء و الأعوان أمام الطلب المتزايد للمرضى. فالمستشفيات التونسية التي تشكو أصلا من نقص التمويل لها ديون متخلدة لدى الصندوق الوطني للتامين على المرض تعد بعشرات المليارات. و هو ما يجعلها عاجزة عن التكفل بمصاريفها في انتظار أن تستخلص مبالغها من الصندوق. و لكن «الكنام» هي أيضا تنتظر مستحقاتها المتخلدة لدى صندوق الضمان الإجتماعي و الصندوق الوطني للحيطة الإجتماعية. و صناديق الضمان الإجتماعي تواجه من جهتها صعوبات في استخلاص مستحقاتها. هكذا تجد المستشفيات العمومية نفسها عاجزة عن تسديد مستحقات الأدوية و المستلزمات الطبية سواء لدى الصيدلية المركزية أو لدى المزودين الخواص مما يجعل تلك المؤسسات لا تزودها بصورة منتظمة بما تتطلبه لعلاج المرضى و هو ما يفسر الحالة المتدنية للخدمات المقدمة للمواطنين في المستشفيات العمومية.
وعلاوة على أزمة الموارد المالية فإن المستشفيات العمومية تعاني من مشاكل جمة في مجال الحوكمة إضافة إلى التسيب واختلاط النشاط الطبي الخاص بالنشاط العمومي وغياب الشفافية. فمنذ التسعينات لم تتغير هيكلة المستشفيات و نظام التسيير فيها و أصبح من الضروري إجراء إصلاحات جذرية على منظومة التسيير والتصرف في المستشفيات. و سواء في فرنسا (التي ننسخ عليه اغلب نظمنا في التسيير) أو في تونس فإن هنالك عديد الدعوات لتعيين الأطباء على رأس منظومة التسيير في المستشفيات بالنظر لفشل الإداريين في تحقيق نقلة نوعية لتلك المؤسسات ونظرا للطبيعة الفنية لنشاط المستشفيات حيث من الضرورة تظافر الخبرات الفنية الطبية والصحية مع الكفاءة في التسيير الإداري و المالي.
و مادامت منظومة التسيير الحالة البيروقراطية مستمرة فإنه لا يمكن للمستشفيات العمومية أن تتطور و توفر الخدمات الصحة الضرورية للتونسيين. فمحاربة الفساد و سوء الحوكمة لا تتم بالشعارات الرنانة الفارغة و غنما بإصلاح منظومات التسيير و الحوكمة في المؤسسات.
خلاصة القول أن المشاغل الصحية للمواطنين لا تمثل أولى اهتمامات السلطة. فاهتمام هذه الأخيرة منصب على تفكيك كل الهيئات والمؤسسات التي تلعب دور السلطة المضادة وعلى توفير مستلزمات الإستفتاء حول الدستور الجديد الذي من المفترض أن يكرس هيمنة السلطة التنفيدية على جميع السلطات الأخرى لنصل إلى حكم رئاسوي مطلق.
أما المواطنون والمرضى فليصبروا ويصابروا. وقد قيل أن الصبر مفتاح الفرج.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا