مع تواصل «سقطات» الدكتور يوسف الصدّيق: الحقائق الثابتة حول «صلاة الجمعة»

ليس من قبيل التهجّم الأجوف أن أردّ في كلّ مرّة على «سقطات» الدكتور يوسف الصدّيق بل هو من قبيل السجال الفكري ومن قبيل مقارعة

الحجّة بالحجّة ومن قبيل الردود العلمية على أفكار «يوسف الصدّيق» لغرابتها غالبا وهشاشة مستنداتها فهو كثيرا ما يصرّح متفلسفا بمعطيات متعلّقة بالمسائل الدينيّة يعتبرها مراجعات للموروث الديني لكنّي أصنّفها في خانة تدمير الموروث الديني فهو دائما يسعى إلى أن ينفرّد بجدالات عقيمة مخالفا النصوص والإجماع ويتمسّك بها ليصنّفها ضمن الحقائق اليقينيّة التي يبهر بها متّبعيه ويتبنوّنها «تقديسا» لها ولقائلها لكنّها سرعان ما تتهافت لضحالتها المعرفيّة وهشاشة أدّلتها .من ذلك ما صرّح به في حوار إذاعي في شهر جوان 2019 وكرّره في منبر تلفزي سهرة الخميس 01 أفريل 2021 أخيرا جازما بأنّ صلاة الجمعة خلافا للمتعارف عليه لدى المسلمين فهي ليست فرضا وجوبيا وهي كبقيّة الصلوات لا تتميّز عنها بأيّ شيء منطلقا من قوله تعالى «من يوم الجمعة» فهذا عنده يدلّ على أن لا توقيت لها ولا وجوب كما تسقط صلاة الجمعة عن المكلّفين بالزمهرير وبغيره وبأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو من اختار هذا اليوم في تماهيه مع السياق التاريخي ولم ينتظر الوحي في مسألة يوم الجمعة رغبة منه في استقطاب يهود المدينة وبأنّ خطب الرسول صلّى الله عليه وسلم لم تجمع ولم تدوّن على غرار الأحاديث النبويّة خاصة المطوّلات القدسيّة منها وبأنّ شيوخ اليوم لا يعرفون معنى كلمة «الجمعة» .
فهذه النقاط التي يجترّها «الصدّيق» ويجادل فيها جدالا سطحيّا في كلّ مرة رافضا مواقف المفسّرين والعلماء بقوله «أنا لا أؤمن بأيّ عالم» في نرجسيّة مبالغ فيها وعليه فهذه ردودي على هذه السقطات:
1) صلاة الجمعة فرض إلزاميّ بصريح النصّ:
صلاة الجمعة من شعائر الله الزمانية التي عظمَّها الله تعالى وأمر بتعظيمها؛ كما قال سبحانه مُعظِّماً شأن الجمعة في سورة كاملة اسمها الجمعة وبنصّ قرآني صريح واضح لا لبس فيه « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ « الجمعة: 9،كما وردت في خصوص فرضيّة صلاة الجمعة وتوقيتها وضوابطها أحاديث نبويّة شهيرة صحيحة منها قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثمّ ليكونن من الغافلين» رواه مسلم. وقوله « من ترك ثلاث جمع متهاونا بها طبع الله على قلبه» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبّان بإسناد حسن. وقوله «من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثمّ سمعه فلم يأتها، ثمّ سمعه فلم يأتها طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق» رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن ومن ضوابطها استحباب الاغتسال لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» حسن -رواه الترمذي والنسائي. وعن تفاصيلها وكيفيتها وأجرها فقد جاء في السنّة النبويّة الشريفة التي من مهمّاتها تفصيل مجمل القرآن الكريم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «من غسّل يوم الجمعة واغتسل وبكّر، وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلْغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها « رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبّان في صحيحه وابن خزيمة بإسناد صحيح.
وعن توقيتها فقد اتّفق جمهور العلماء على أنّها تعوّض صلاة الظهر قال سهل -رضي الله عنه: «مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ» رواه البخاري ومسلم. والقيلولة: هي الاستراحة وسط النهار، وإنْ لم يكنْ معها نوم.
وقد تطرّق المفسّرون للقرآن الكريم جميعا لفريضة الجمعة إذ ذكر الشيخ ابن عاشور في تفسيره « التحرير والتنوير» في قوله « للصلاة لام التعليل، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة، فعلم أنّ النداء هنا هو أذان الصلاة. والجمعة بضمّ الجيم وضمّ الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز. وبنُو عُقَيْل بسكون الميم. والتعريف في الصلاة تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم الجمعة. وقد ثبتت شرعاً بالتواتر ثمّ تقرّرت بهذه الآية فصار دليل وجوبها في الكتاب والسنّة المتواترة وإجماع الأمّة. وكانت صلاةُ الجمعة مشروعة من أوّل أيام الهجرة. رُوي عن ابن سيرين أنّ الأنصار جمَّعوا الجمعة قبل أن يقدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا إن لليهود يوماً يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالَوا فلنجتمع حتّى نجعل يوماً لنا نذكر الله ونصلّي فيه. وقالوا إنّ لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العَروبة. فاجتمعَوا إلى أسعدَ بنِ زُرَارةَ فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكَّرهم.»
2) «من يوم الجمعة» تعني «في يوم الجمعة»:
وفي وقوف «يوسف الصدّيق» على حرف «من» واستفهامه لماذا لم يستعمل القرآن حرف «في» بدلا من «من» فالجواب واضح إذ غاب عن «الصدّيق» أنّ من معاني حرف «من» معنى «في» فقد جاء في تفسير «فتح القدير» للشوكاني ما نصّه وقوله « مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ « بيان لذلك وتفسير لها. وقال أبو البقاء إنّ « من « بمعنى «في» كما في قوله» أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرْضِ « فاطر 40 أي في الأرض. قرأ الجمهور « الجمعة « بضم الميم. وقرأ عبد الله بن الزبير، والأعمش بإسكانها تخفيفاً. وهما لغتان، وجمعها جمع وجمعات. قال الفرّاء يقال الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها. وهي صفة لليوم، أي يوم يجمع الناس. قال الفرّاء أيضاً، وأبو عبيد والتخفيف أخفّ وأقيس، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وحجرة وحجر. وفتح الميم لغة عقيل. وقيل إنّما سميّت جمعة لأنّ الله جمع فيها خلق آدم، وقيل لأنّ الله فرغ فيها من خلق كلّ شيء، فاجتمعت فيها جميع المخلوقات، وقيل لاجتماع الناس فيها للصلاة...».
3) صلاة الجمعة ليست اختيارا نبويّا بل هي حكم تعبّدي إلهي:
جاء بصريح النداء «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ « قد اعتمد القرآن الكريم أسلوب النداء لتوصيل رسالته للعالمين، وتوضيح مقاصده التي ضمّنها أحكامه وتشريعاته وأكثر ما ورد «النداء» في القرآن «للذين آمنوا» حيث ورد في تسعة وثمانين موضعا فسبب التكليف هنا هو الإيمان. فالله لا يكلّف غير مؤمن. قال ابن مسعود: «إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا « فأرعها سمعك: فإنه خير تأمر به؛ أو شر ينهى عنه». فتصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به، لأنّ النداء يوجب انتباه المنادى، ثمّ النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وعلى أنّ فواته نقص في الإيمان.
4) معنى كلمة «الجمعة» وتاريخها:
قال القرطبي في تفسيره « الجامع لأحكام القرآن» في معنى كلمة «الجمعة» «... قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما «الجُمْعة» بإسكان الميم على التخفيف. وهما لغتان. وجمعهما جُمَع وجُمُعات. قال الفرّاء: يقال الْجُمعة بسكون الميم والجُمُعة بضم الميم والجُمَعة بفتح الميم فيكون صفة اليوم أي تجمع الناس. كما يقال: ضُحَكة للذي يضحك. وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فأقرأوها جُمُعه، يعني بضم الميم. وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقْيَس وأحسن نحو غُرْفة وغُرَف، وطُرْفة وطُرَف، وحُجرْة وحُجَر. وفتحُ الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعن سَلْمان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إنما سُمّيت جمعة لأنّ الله جمع فيها من خلق آدم « وقيل: لأنّ الله تعالى فرغ فيها خلق كلّ شيء فاجتمعت فيها المخلوقات. وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة...» ونورد كذلك تفاصيل معنى كلمة «الجمعة» من خلال تفسير «التحرير والتنوير « لابن عاشور فقد قال «وتقرّر أنّ يوم الجمعة هو اليوم السابع من أيام الأسبوع في الإِسلام وهو الذي كان يسمّى في الجاهلية عَروبَة. قال بعض الأئمّة ولا تدخل عليه اللام. قال السهيلي: معنى العَروبة الراحة فيما بلغني عن بعض أهل العلم «اهـ. قلت وذلك مروي عن ثعلب، وهو قبل يوم السبت وقد كان يوم السبت عيدَ الأسبوع عند اليهود وهو آخر أيام الأسبوع. وقد فرضت عليهم الراحة فيه عن الشغل بنصّ التوراة فكانوا يبتدئون عدد أيام الأسبوع من يوم الأحد وهو الموالي للسبت وتبعهم العرب في ذلك لأسباب غير معروفة ولذلك سمّى العرب القدماءُ يوم الأحد أولَ. فأيام الأسبوع عند العرب في القديم هي أوَّلُ، أَهونُ جُبَار، كغُراب وكِتاب، دُبار كذلك، مُؤيِس مهموزاً، عَروبة، شِيار بشين معجمة مكسورة بعدها تحتية مخفّفة. ثمّ أحدثوا أسماءَ لهذه الأيام هي الأحد، الإثنين، الثُّلاثاء ـــ بفتح المثلثة الأولى وبضمها ـــ، الإِرْبِعاء ـــ بكسر الهمزة وكسر الموحدة ـــ، الخميس، عَروبة أو الجمعة ـــ في قول بعضهم ـــ السَّبْت. ـــ وأصل السبت القطع، سمّي سبتاً عند الإِسرائيليين لأنهم يقطعون فيه العمل، وشاع ذلك الاسم عند العرب ـــ. وسمّوا الأيام الأربعة بعدهُ بأسماء مشتقّة عن أسماء العدد على ترتيبها وليس في التوراة ذكر أسماء للأيام. وفي سفر التكوين منها «ذُكرت أيامُ بدء الخلق بأعدادها أولُ وثانٍ» الخ، وأن الله لم يخلق شيئاً في اليوم الذي بعد اليوم السادس. وسمتْه التوراة سَبْتاً، قال السهيلي قيل أول من سَمى يوم عَروبة الجمعةَ كَعبُ بن لُؤَي جدُّ أبي قُصي. وكان قريش يجتمعون فيه إلى كعب قال وفي قول بعضهم. لم يسم يوم عروبة يوم الجمعة إلاّ مذ جاء الإِسلام. جعل الله يوم الجمعة للمسلمين عيدَ الأُسبوع فشرع لهم اجتماع أهل البلد في المسجد وسماعَ الخطبة ليعلَّموا ما يهمهم في إقامة شؤون دينهم وإصلاحهم. قال القفّال ما جعل الله الناس أشرف العالم السفلي لم يُخْففِ عظم المنة وجلالة قدر موهبتِه لهم فأمرهم بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله به عليهم. ولكل أهل ملةٍ معروفة يومٌ من الأسبوع معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى الأحد وللمسلمين يوم الجمعة. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: « أَضَلَّ الله عَنِ الْجُمُعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا. فَكَانَ للْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ. وَكَانَ لِلنَّصَارَى? يَوْمُ الأَحَدِ. فَجَاءَ الله بِنَا. فَهَدَانَا اللّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَجَعَلَ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ. وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهِلِ الدُّنْيَا. وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلائِقِ «رواه مسلم. وقال ابن حجر: «إن أصح الأقوال في سبب تسميته بيوم الجمعة أن خلق آدم وجُمِع فيه» .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « نحن الآخِرون «، أي آخر الدنيا السابقون يوم القيامة. ففي يوم القيامة نكون السابقين بيدَ أنهم أي اليهود والنصارى أوتوا الكتاب من قبلنا ثمّ كان هذا اليومَ الذي اختلفوا فيه فهدَانَا الله إليه، فالناس لنا فيه تبّع اليهود غداً والنصارى بعد غد. ولمّا جُعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي تقع به شهرته فجُمِّعت الجماعات لذلك، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثّاً على استدامتها. ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتمّ الاجتماع ولم تُجْز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع اهــــ. كلام القفال. ..»ويضيف الشيخ ابن عاشور» وأمّا أوّل جمعة جمَّعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل السِيرَ كانت في اليوم الخامس للهجرة لأن رسول الله قدم المدينة يومَ الاثنين لاثنتيْ عشرةَ ليلةً خلتْ من ربيع الأول فأقام بِقُبَاء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه وقتُ الجُمعة في بطن واد لبني سَالم بنِ عوف كان لهم فيه مسجد، فجمَّع بهم في ذلك المسجد، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي في «تفسيره». وقولهم «فأدركه وقت الجمعة»، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة يومئذٍ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً أن يصليها بالمدينة فضاق عليه الوقت فأداها في مسجد بني سالم، ثم صلّى الجمعة القابلة في مسجده بالمدينة وكانت جمعة المسجد النبوي بالمدينة الثانيةَ بالأخبار الصحيحة. وأول جُمعة جُمِّعت في مسجد من مساجد بلاد الإِسلام بعدَ المدينة كانت في مسجد جُؤَاثاء من بلاد البحرين وهي مدينة الخَطّ قرية لعبد القيس.»
وقد ذكر الزمخشري في تفسيره «الكشّاف» عن تاريخية صلاة الجمعة قوله «وقيل أوّل من سماها «جمعة» كعب بن لؤي، وكان يقال لها العروبة. وقيل إنّ الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك فهلمّوا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلّي. فقالوا يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذٍ ركعتين وذكّرهم، فسمّوه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أوّل جمعة...»
5) سقطة «الصدّيق» باختياريّة صلاة الجمعة تسقطها أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة:
لقد وصف لنا الصحابةُ الكرام كلَّ ما يتعلَّق بصلاة الجمعة وخطبته صلى الله عليه وسلم، بل وَصفوا لنا حالتَه صلى الله عليه وسلم أثناء الخطبة، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبه، حتى كأنَّه منذِر جيش يقول: «صبَّحكم ومسَّاكم»، ويقول: «أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»؛ أخرجه مسلم، وفي رواية له: «كانت خطبة النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة؛ يَحمد اللهَ ويُثني عليه، ثمَّ يقول على إثر ذلك وقد علا صوته...».وذكروا لنا كيف أنَّه كان يَخطب قائمًا لا قاعدًا؛ فعن جابر بن سمرة: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَخطب قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيَخطب قائمًا، فمن نبَّأك أنَّه كان يَخطب جالسًا فقد كذب؛ فقد والله صلَّيتُ معه أكثر من أَلفَي صلاة»؛ رواه مسلم. وعن ابن عمر قال: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخطب يوم الجمعة قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم»؛ مسلم. وعن جابر بن سمرة قال: «كان لِرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتان، يَجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس، ويحذِّر»؛ مسلم.
بل وصفوا لنا أدقَّ من ذلك؛ كيف أنَّه صلى الله عليه وسلم يصلّي بسور معيّنة، كما في صحيح مسلم (3 / 139)؛ عن أمِّ هشام بنت حارثة بن النُّعمان قالت: «ما أخذتُ « ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ « ق: 1 إلاَّ عن لِسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطَب الناس». بل وصفوا لنا رضي الله عنهم كيف أنَّه صلى الله عليه وسلم يراقِب ما يَحدث حين خطبته صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك ما رواه الإمام النسائيُّ بسندٍ صحيح عن أنس بن مالك: «أنَّ رجلاً دخل المسجدَ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائم يَخطب فاستقبل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قائمًا وقال: يا رسول الله، هلكَت الأموال، وانقطعَت السُّبُل، فادعُ اللهَ أن يغيثَنا، فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَيه ثمَّ قال: «اللهمَّ أغِثنا، اللهمَّ أغِثنا»، قال أنس: ولا واللهِ ما نرى في السَّماء من سحابة ولا قزعة، وما بيننا وبين سَلْع من بيتٍ ولا دار، فطلعَت سحابةٌ مثل الترس، فلمَّا توسَّطَت السماء انتشرَت وأمطرَت، قال أنس: ولا والله ما رأينا الشَّمس سبتًا، قال: ثمَّ دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبِلة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائم يَخطب، فاستقبلَه قائمًا فقال: يا رسول الله صلى الله وسلم عليك، هلكَت الأموال وانقطعَت السُّبل، فادعُ اللهَ أن يمسكها عنَّا، فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهمَّ حوالينا ولا علينا، اللهمَّ على الآكام والظِّراب وبطون الأودية ومنابت الشجر»، قال: فأقلعَت وخرجنا نمشي في الشَّمس، قال شريك: سألتُ أَنَسًا: أهو الرَّجل الأول؟ قال: لا».
6) جمع خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
وفيما يتعلّق بإشارة يوسف الصدّيق إلى استغراب الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» من عدم توثيق وتدوين الخطب النبويّة فهذا لم نجد له أثرا والجاحظ نفسه في كتابه تطرّق لخطبة حجّة الوداع النبويّة ودوّنها في الجزء الثاني من كتابه. كما دوّنت الخطب النبويّة وخاصة الأولى منها التي جاءت في « السيرة النبويّة» لابن هشام ج الثاني ص 500-501، و»دلائل النبوة «للبيهقي ج الثاني ص 524.وكذلك في كتاب « البداية والنهاية « للحافظ بن كثير تحت عنوان «ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهذا نصّها « الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره و أستهديه، وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلّة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضّه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فعنه يقول عز وجل: «ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد»، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله يوقي مقته ويوقي عقوبته ويوقي سخطه، وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم».
أمّا بقية الخطب فقد جمعت في عدّة مصنّفات وهذه قائمة فيها تفنّد ما ينشره بعض الناس من فَقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم وضياعها إنّما هو محض مغالطة، يلقيها الطاعنون، ويتلقّاها بعض العامة بالتصديق والتسليم، وهي في حقيقتها مغالطة واضحة.
منها:
1. «خُطب النبي صلى الله عليه وسلم، لعلي بن محمد المدائني (ت224هـ)
2. «خُطب النبي صلى الله عليه وسلم»، لأبي أحمد العسّال (ت 349هـ).
3. «خُطب النبي صلى الله عليه وسلم»، لأبي الشيخ الأصبهاني (ت369هـ) .
4. «خُطب النبي صلى الله عليه وسلم»، لأبي نُعيم الأصبهاني (ت430هـ) .
5. «خُطب النبي صلى الله عليه وسلم»، لأبي العباس جعفر بن محمد المستغفري (ت432هـ)
6. «الخُطب الأربعون المعروفة بالوَدْعانية»، جمعها القاضي أبو نصر محمد بن علي بن ودعان الموصلي (ت 494هـ).
7. «خُطب الرسول صلى الله عليه وسلم»، لأبي العباس الخضر الإربلي الشافعي (ت567هــ) .
8. «خُطبة الوداع»، لأبي العباس نصر بن أحمد الإربلي الشافعي (ت619هـ)
9. «موعظة الحبيب وتحفة الخطيب»، لعلي القاري الحنفي (ت1014هـ) .
10. «الخُطب المصطفوية»، لمحمد علي أكرم الآروي.
11. «خُطب النبي صلى الله عليه وسلم»، لعبد الباسط بن علي الفاخوري، مفتي بيروت (ت1324هـ) .
12. «خُطبات محمدي»، لمحمد بن إبراهيم الجوناكرهي (ت1360هـ) .
13. «الخُطب المأثورة»، لأشرف علي التهانوي (ت1362هـ) .
14. «مجموع من الخُطب النبوية»، لعيسى البيانوني (ت1362هـ) .
15. «إتحاف الأنام بخُطب رسول الإسلام»، لمحمد بن خليل الخطيب. وتاريخ مقدمته 1373هـ.
16. «خُطب سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته»، لمحمد شفيق الأرواسي (ت1970م) .
17. «خُطبات النبي صلى الله عليه وسلم»، لحبيب الرحمن الأعظمي.
18. «خطب الجمعة»، جمعية المكنز الإسلامي.
19. «خطب النبي صلى الله عليه وسلم جمع ودراسة»، رسالة ماجستير في الجامعة الأردنية، سنة1420هـ، لعبد الملك بن سالم السيابي.
20. «خُطب الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : دراسة توثيقية تحليلية»، رسالة ماجستير تقدَّمَ بها مصعب نوري محمود العزاوي إلى كلية التربية في جامعة بغداد سنة (2004م).
21. «خطب الرسول صلى الله عليه وسلم : جمعها وتبويبها ودراستها»، للدكتور عمر القطيطي التونسي.
22. «خطب الرسول صلى الله عليه وسلم»، لمجدي الشهاوي.
23. «خطب الرسول صلى الله عليه وسلم/676 خطبة من روائع كنوز النبوة مع دراسة في فن الخطبة»، لنواف الجراح، دار صادر.
24. «خطب الرسول»، لعبد الحميد شاكر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا