عيد الاستقلال: ليس للحدث ذاكرة، بل له استعمالات

لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تعيش دون ذاكرة. والذاكرة هي تلك الطاقة التي تؤجج مشاعر السلطة وتعطيها حيوية تجدّد بها ذاتها وتمسرح

نفسها أمام الآخرين كي تجعلهم دائمي الولع بها ودائمي الرهبة منها. ولهذا ظهرت الأعياد والاحتفالات في شكل طقوس ترميمية لكل ما يمكن أن تُصاب به السلطة فتفقد بذلك جذوتها وبريقها.
تحتاج أي سلطة سياسية لتستمرّ أكثر إلى ثنائية العصا والجزرة. وتأتي المناسبات والأعياد في سجل الجزرة، هي تلك القوة الناعمة التي ما تنفكّ تستجديها السلطة السياسية لتتمكن أكثر من رعاياها باحثة بذلك على صنع التوازنات. في منطق الأعياد التي تسمى وطنية هناك روزنامة يتمّ ضبطها بعناية سياسية فائقة، فهي ترجمة لرغبات السلطة وبحثها الدائم عن النشوة السياسية. ففي ظلّ الأنظمة الاستبدادية هناك حراك كبير في الروزنامة. أعياد وطنية تبقى وأخرى تظهر للوجود. وتترتب الأعياد الوطنية وفق أولويات يقع عبرها تصفية جزء من الماضي وتتشكل بذلك ذاكرة جديدة واستعمالات جديدة.
عندما أزيح بورقيبة من السلطة في 1987 تغيرت روزنامة الأعياد الوطنية منها ما هو مرتبط بالشخص مثل عيد النصر وعيد ميلاد الزعيم و عيد الجلاء و عيد الثورة. هذه أعياد وطنية وقعت قراءتها على أنها تحمل مضامين شخصية في بعضها ومضامين سياسية لا تتلاءم والسلطة السياسية الجديدة. وفي الأثناء أضيف عيد الشباب لعيد الاستقلال في تضمين يُرادُ به القول أن الاستقلال ليس بورقيبة و ليس الحركة الوطنية بشكل كلّي بل يجب تشبيب الحدث في الربط بين العيدين الوطنيين.
لقد انتهى عيد الاستقلال في استعمالاته البورقيبية مع 7 نوفمبر 1987. ثمّة رغبة في إزاحة ذاكرة سياسية وإبدالها بذاكرة جديدة. ذاكرة عيد الاستقلال كما جاءت في استعمالات السلطة السياسية لبورقيبة هي تتويج لمسيرة كفاح فردي وجماعي. فلطالما كان بورقيبة يقول إنه من جاء بالاستقلال، هو صانعه وهو الوحيد الذي يريد أن يستثمر رموز هذا الفعل السياسي. كان عيد الاستقلال هو تلك النقلة الرمزية من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
احتفالات السابع من نوفمبر كانت طيلة 23 سنة هي أعلى هرم في تجديد السلطة السياسية لوجودها. وتراجع عيد الاستقلال إلى مرتبة ثانوية ينافسه في ذلك عيد الشباب. وانطلقت السلطة السياسية الصاعدة مع بروز ذلك اليوم السحري الذي أعاد الأمور إلى نصابها وفق الخطاب السياسي لتلك المرحلة. وانطلقت وفق هذا المعطى تونس جديدة تريد أن تنهض من تحت أنقاض الماضي. ووقع التعامل مع ذلك اليوم على أنه استقلال ثان بشخصية أخرى غير تلك التي استقرت في أذهان الناس لعقود طويلة.
تحرّرت روزنامة الأعياد الوطنية بعد الثورة كما تحرّر الفعل السياسي نفسه. جاءت أعياد وطنية جديدة واسترجعت أعياد وطنية أخرى قديمة مكانتها وبريقها بشكل رسمي وغير رسمي. وتحرّرت الروزنامة من الشخصنة مستجيبة في ذلك لنواميس الانتقال الديموقراطي. ولكن الذي حدث هو أن القوى السياسية الصاعدة تستعمل الأعياد الوطنية وفق أجندتها السياسية وانحصرت المسألة تقريبا في عيد الثورة بيوميه 17 ديسمبر و14 جانفي. ولم تستطع الأعياد الوطنية ومنها عيد الاستقلال استرجاع هيبتها الجماعية والموحّدة. ويظهر عيد الاستقلال مثلا كتعبير عن اختلافات وفروقات سياسية كبيرة. ويقع خلال هذه الأعياد تصفية الحسابات السياسية مع الخصوم ومحاولة لإبراز القوة السياسية بعيدا عن الجانب المُواطني للحدث.
يتساءل التونسيون عن أسباب غياب احتفاليات عيد الاستقلال. إنهم يشعرون به عندما يكون يوما لا عمل فيه. هل لأن فكرة الاستقلال ليست عالقة بالقدر الكافي في أذهانهم مثلما هي عالقة عند شعوب أخرى؟ قد يكون احتكار الاستقلال وشخصنته في الزعيم بورقيبة قد أضعف هذا التعلق. وقد يكون إضعافه مع زمن بن علي لفائدة يوم آخر وهو عيد التحوّل قد أبعد الناس عنه. وحين جاءت الثورة تغيرت المسائل وتحررت الروزنامة ولم يعد عيد الاستقلال يعني إلا من لهم حنين لزمن بورقيبة أو يرتبطون به سياسيا.
ولهذا لنا عيد للاستقلال ولكن لنا استعمالات مختلفة له أيضا ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا