حتّى لا تتحنّط «الفتوى». متى يولد المجلس الأعلى للإفتاء ؟؟

• الدار المحنّطة تتهاوى:
بمجيء الثورة منذ عشر سنوات وما رافقها من تحوّلات وأحداث واستفحال جائحة الكوفيد 19 وما تبعها من ظواهر

وتغيّرات كنّا نعتقد ونأمل أنّ عملية المراجعات والإصلاحات لعمل مختلف المؤسّسات في بلادنا ستنطلق ويصلح شأنها ويطوّر سيرها ويفعّل دورها حتّى تستجيب لتطلّعات المرحلة التاريخية الجديدة ويستبدل فيها المعطّل والمكبّل بالحديث والتقدّمي لكن خاب الظنّ وازدادت الهوّة عمقا والتخلّف مسافات الى الوراء والحال سوءا. وظلّت حالة مؤسساتنا على ما هي عليه بل ازدادت انحدارا ووهنا.
وكم كانت انتظارا تنا كبرى لنرى دار الإفتاء التونسية تلبس حلّة جديدة وهي التي بقيت تلبس زيّها القديم الذي تآكل مع الزمن وأحداثه والواقع ونوازله. وهي بمثابة الدار المحنّطة تحكي الأيّام الخوالي وتتكلّم لغة اندرست وظلّت أطلالها تتهاوى.
وكم احتجنا الى الفتوى في كلّ لحظة من حياتنا؟ وكم هي جسيمة الفتوى؟
فالإفتاء مَنْصبٌ رفيعٌ ورفعته في رفعة الله تعالى الذي أفتى بِنَفسه في أكثر مِن موضع؛ فقال تعالى: « يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ « وقد حَرَّم سبحانه القول عليه بِغَير علمٍ في الفُتيا والقَضَاء، وجعلَهُ مِن أعظم المُحَرَّمَات؛ بل جَعَلَه في المرتبة العُليا منها.
والفتوى رفعتها في أنّها توقيع عنِ الله تعالى.وكما قيل «إذا كان منصبُ التَّوقيع عنِ الملوك بالمَحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو أعلى المَرَاتب السنيات، فكيف بِمَنصب التَّوقيع عن ربِّ الأرض والسَّماوات».
وحين نقلّب صفحات تاريخنا، نرى صفحاتٍ وضاءةً من أخبار سلفنا مع الفتوى؛ نرى الديانة الحقّة، والتورّع الصادق؛ من الذين استشعَروا عظمة الله، وعظُم مقام ربهم في قلوبهم، فتهيبوا الفتيا وهربوا منها، وما تصدروا لها؛ بل كان أحدهم يتمنى لو أن غيره كفَاه.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركتُ عشرين ومئةً من الأنصارِ مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدُهم عن المسألةِ، فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأوَّلِ».
وحين ننظر إلى واقع اليوم نرى من البلاء تصدُّرُ أقوامٍ للإفتاء أحدهم بين أهل العلم منكر أو غريب، ليس له في مقام الفتوى حظٌّ ولا نصيب، غرّهم سؤال من لا علم عنده لهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم؛ وإن من الافتراء على الله -تعالى- والكذب على شريعته وعباده: ما يفعله بعضُ من رغبوا في الأغراض الدنيوية العاجلة، والأعراض الدنيئة الزائلة من التسرع إلى الفُتْيا بغير علم، والقول على الله -تعالى- بلا حجّة، والإفتاء بالتشهي والتلفيق، والأخذ بالرخص المخالفة للدليل الصحيح، وتتبع الأقوال الشاذة المستندة إلى أدلة منسوخة أو ضعيفة، والتي لا يخفى على من له أدنى بصيرةٍ مفاسدُها الكثيرة وآثارها السيئة العظيمة على الإسلام وأهله، والتي لا يقول بها إلا من فَرَغ قلبه من تعظيم الله وإجلاله وتقواه، وعُمِّر بحب الدنيا والتقرب إلى الخلق دون الخالق؛ يقول بعض السلف: «أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره».
هؤلاء الذين يخوضون في نوازلَ عامة وقضايا حاسمة وهامة بلا علم ولا روية، يخبطون خَبْط عشواء. قال الإمام سحنون بن سعيد -رحمه الله تعالى-: «أجْسَرُ الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه».
فاليقين لدينا أنّه لا يجوز أن يمكَّن من الخوض في الفتوى الجاهلون بمقاصد الشريعة ومدارك الأحكام، المتخرّصون على معانيها بالظن، المتعالمون بلا رسوخ، الخائضون في مظان الاشتباه بلا تمييز، المقتحمون غمار الفتوى بلا علم ولا عدة ولا تأهيل، ومن سمات أهل الأهواء: إظهارُ الخصومة والشنآن للعلماء الراسخين في العلم، وتسفيه اجتهاداتهم، وتنفير الناس من فتاويهم وكتبهم .ومن أسباب هذه الفوضى وتجاسر العديد من السذج على الفتوى أنّ دار الإفتاء التونسية فقدت شئنا أم أبينا حضورها وانقطع عنها التواصل مع نوازل الناس ..ولا ننكر كونها دار دينية عريقة لها تاريخها ودورها ورجالاتها لكنّها بدأت تتهاوى فقد انتهى دورها بالشكل الحالي وتحتاج وبكلّ إلحاح الى تغيير جذري ..تحتاج عاجلا القيام بالمراجعات التنظيمية والقانونية والإجرائية المتعلّقة بها وتعويضها بمجلس أعلى للإفتاء منتخب وفق معايير وضوابط ونصوص قانونية لأنّ زمن الإفتاء الفردي انقضى منذ عقود فالإفتاء اليوم جماعي أو لا يكون يشترك فيه رجل العلم الشرعي واختصاصي الجباية و الطبّ والاقتصاد وغيرهم لتشعّب القضايا وتقاطعها مع المستجدّات المعقدة والمتشعّبة..
كما أنّ وظيفة الإعلان عن دخول الأشهر وهلال رمضان والأعياد ومقدار الزكاة وملفّات معتنقي الإسلام وغيرها لا يمكن أن تكون من مهمّات المفتي بقدر ما هي من مهمّات الناطق الرسمي للمجلس الإفتائي أو إدارة الدار وكذلك بالنسبة لكلّ العمليات الإدارية فهي موكولة لأهل الاختصاص كذلك.
لا نحتاج لمؤسسة مشلولة أو ديكورا. ولا للمفتي الذي يغنّي خارج السرب أو يصمت حين يجب الكلام أو يتكلّم كلاما عنه يلام. بل نحتاج الى رجال حكماء تقدّر المواقف وتحافظ على صورة المفتي في بلد الزيتونة والعلماء وضمن هيئة إفتائية فسيفسائية التركيبة استجابة للتحوّلات التي تشهدها البلاد والأفكار والسلوكيات تراعي القيم الإنسانية العامة وحقوق الانسان والعلاقات الدولية.
• الأجوار والقفزة والقدوة:
حين نزور جاراتنا الجزائر الشقيقة وهي التي عانت من العشرية الحمراء ومن الإرهاب ونفتح خزانة إصلاحها للشأن الديني نجدها في هذا المجال قد أنشأت المجلس العلمي للإفتاء التابع لوزارة الشؤون الدينية الجزائرية الذي يعتبر الجهة المخوّلة لها للإفتاء في الجزائر ويتكوّن المجلس من علماء وخبراء في المجالات التي يتمّ النقاش حولها لإصدار الفتوى إضافة إلى ممثلي المجلس العلمي التابع لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف. وإلى جانب المجلس العلمي الوطني تمّ تأسيس مجالس علمية خاصة بكلّ ولاية.ويتمثّل دور المجلس العلمي للإفتاء في الإفتاء والتوجيه الديني والبتّ في المسائل الفقهية التي تطرأ من حين إلى آخر أو الإجابة على أسئلة المواطنين.
وحين نزور جارتنا المغرب وهي التي اتّبعت سياسة متألّقة وحكيمة في الشأن الديني حيث يعدّ المجلس العلمي الأعلى -الذي أنشئ في عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله - المؤسسة الدينية الحكومية المغربية التي تعني بالإفتاء و يترأسها جلالة الملك ويضمّ في عضويته سبعة وأربعين عالما وعالمة. وكانت بواكير أعماله منذ العام 2004 مشروع «إصلاح الحقل الديني» وترتكز أهداف هذه المؤسسة في ضمان الأمن الروحي للمغاربة، وحراسة الثوابت الدينية للأمّة والمتمثّلة في: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي. وتعمل من خلال المجالس العلمية المحليّة على تنشيط الحياة الدينية وفق برامج محددة.
وحين نعود لبلدنا تونس الأقدم إسلاما ومؤسسات وتعليما وعلما نجد خزانتها الدينية تتضمّن دار للإفتاء محنّطة. ونجد أنّه لا مهرب من ولادة المجلس الأعلى للإفتاء في بلادنا
• متى يولد المجلس الأعلى للإفتاء؟؟
يتّفق أهل العلم ب « أنّ الفتوى قد تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الزمان والمكان والأحوال والنيَّات والعوائد»، وبالتالي فعلى صاحب الفتوى أن يتغيّر وآليات الفتوى تتغيّر وهياكل الفتوى تتغيّر وقد سجّل تاريخ التشريع الإسلامي أنَّ الاجتهاد الجماعي كان منهجًا متّبعًا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولم ينكره أحد من الصحابة، فكان ذلك موافقة منهم على فعلهما. ويقول الجويني رحمه الله: «إنَّ أصحاب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم استقصَوا النظر في الوقائع والفتاوى والأقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيه متعلقًا راجعوا سنن المصطفى صلّى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوا فيها شفاء اشتورُوا واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرهم إلى انقراض عصرهم، ثم استن بسنتهم مَن بعدهم». ‏
ولئن انتشر الاجتهاد الفردي فيما بعد ولا يزال وبانت ثمراته تاريخا. اليوم بانت ثغراته وكبواته ودجّالوه وتجّاره لذا قامت دعوات منذ بدايات القرن الرابع عشر الهجري إلى إحياء الاجتهاد الجماعي بطريقةٍ مؤسَّسية مقنَّنة، ولعلّ من أبرز الداعين إلى ذلك: العلاّمة الطاهر بن عاشور، ثمّ ظهرت مجموعة من المجامع الفقهية كثمرة لهذه الدعوة، بعد أن أدرك عُلماء الإسلام الخطر المحدق بالشريعة الإسلامية، كما أدركوا كثرة الحوادث والمستجدَّات التي ليس فيها رأيٌ للعلماء السابقين، وما تحمله في طيّاتها من التعقيد والتداخل، مما يوجب أن يجتمع العديد من العلماء المجتهدين، ومعهم فريق من الباحثين المتخصصين والمفكرين المبدعين في شتى العلوم والمعارف الإنسانية، بحسب ما تتطلبه القضية المنظورة، وينتظموا في مؤسسة أو هيئة اجتهادية واحدة، ليقوموا بمَهمَّتهم على أكمل وجه وساعد على ذلك سهولة التواصل التكنولوجي والتنقل بين أطراف العالم وقد حبّر في تدعيم هذه الدعوات العديد من أهل الفكر نذكر بعضهم على غرار « الاجتهاد الجماعي ودور المجامع الفقهية في تطبيقه، للدكتور شعبان محمد إسماعيل « و كذلك « الاجتهاد الجماعي وأهميته في مواجهة مشكلات العصر» للدكتور وهبة الزحيلي « وغير هؤلاء ..
رغم تواصل الشكل الفرداني للمفتين ممن بحثوا عن البريق الإعلامي وغريب الكلام بالفتاوى التي تصل حدّ التقزّز -نكاح المرأة الميتة/ إرضاع الكبير / وغيرها من القذارات. فإنّ التوجّه الصادق من أهل القرار في بلادنا يجب أن يكون وبسرعة نحو إنشاء «المجلس الأعلى للإفتاء» الذي يهدف إلى استعاضة الفتوى الفردية القاصرة بالفتوى الجماعية المفيدة ومن فوائدها ذكرا وليس حصرا:
1. تحقيق مبدأ الشورى.
2. أنه أكثر دقة وإصابة وأبعد عن الخطأ.
3. التعويض عن توقف الإجماع.
4. تنظيم الاجتهاد ومنع توقفه.
5. وقاية الاجتهاد من الأخطار.
6. بيان الفتوى والحكم الشرعي في المستجدات والنوازل.
7. خطوة في سبيل توحيد الأمة.
8. إيجاد التكامل بين مختلف المتخصصين في العلوم الشرعية.
1. وحدة الحكم الشرعي وتأصيله وضبط الفتوى.
هل نخلّي سبيل هذه الفوائد؟ ونقضي على مجد تونس الزيتونة والتنوير؟ ونظلّ في استقبال سنة 2021 محنّطين مكبّلين بقيود الجمود وسلاسل فكر الصخر الجلمود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا