تنقيح النظام الداخلي: ضرورة للارتقاء بأداء المؤسّسة النيابيّة

بقلم: أنيس خناش
مستشار في مجلس نواب الشعب 
على الرغم من عدم احتلالها مرتبة متقدّمة أو هامّة في هرميّة السلّم القانوني، غير أنّ لها من  المكانة ما ليس لغيرها

من النصوص التشريعيّة وذلك انطلاقا من الدور المحوري الذي تلعبه في ضبط وتوجيه اللعبة السياسيّة داخل البرلمانات، إنّها الأنظمة الداخليّة للمجالس النيابيّة. واليوم وبمناسبة نظر مجلس نوّاب الشعب في تنقيح  نظامه الداخلي يتوجّب التطرّق الى المسائل الموضوعيّة ذات العلاقة والهامّة بعد تقديم بعض الملاحظات العامّة. 
لا شكّ أنّ البرلمان التونسي عاش خلال العشريّة الأخيرة تجربة نيابيّة مخالفة جوهريّا لما عهده من ممارسة تشريعيّة امتدت لأكثر من خمسين سنة وهو ما يتطلب اليوم وقفة تأمّل تتناول تقييما موضوعيّا لأداء المؤسّسة البرلمانيّة  لتشخيص مكامن الضعف فمعالجتها وتجاوزها والوقوف على نقاط القوة فتدعيمها وتأكيدها، وعلى هذا الأساس تكريس وتقنين الأعراف البرلمانيّة التي أثبت الواقع جدواها من خلال الممارسة الطويلة خاصّة اذا ما علمنا أنّ عديد التجارب البرلمانيّة المقارنة على غرار البرلمان الإيطالي تعطي أهميّة قصوى إلى هذا التوجّه الذي تلتجئ إليه عادة لحلّ ما يطرأ عليها من مسائل وإشكاليات مستجدّة لم يتعرّض النظام الداخلي لحلّها.
وانطلاقا ممّا سبق يتبيّن مبدئيّا أنّ العمل البرلماني ينبني على فكرة المراكمة للتجربة والممارسة بما يعد ضمانة لاستقرار الآداء والنجاعة في الاضطلاع بالمهام، وهو ما  يؤكّد القول بانّ تعديل النظام الداخلي يجب أن يصاغ بطريقة موضوعية بعيدة عن التشنج أو الحسابات الضيّقة للأحزاب ديدنها الأوحد في ذلك صياغة قواعد موضوعيّة تنظم العمل البرلماني وترتقي بأداء المؤسّسة النيابيّة بما يرسّخ التوجّه نحو بناء تجربة برلمانيّة ديمقراطيّة قائمة على أسس متينة وشفّافة.
ويبدو من الوهلة الأولى أنّ عدد فصول النظام الداخلي عموما لا تأثير له على جوهر المسائل   المعالجة، غير أنّنا نرى خلاف ذلك فالتحديد والتقليص من عدد الفصول بتجميع المسائل صلب وحدات موضوعية واضحة ومعالجتها بطريقة منهجيّة  والاكتفاء بتقنين المسائل المبدئيّة والهامّة وعدم الخوض في الجزئيّات البسيطة، من شأنه أن يوفّر مرونة أكبر وأن يفسح المجال للاجتهاد ولإيجاد الحلول انطلاقا من الممارسة المستقرّة التي لا يشوبها الخلاف . كما أنه يمكّن من  تخليص العمل البرلماني من التقيّد المفرط بالشكليّات، فضلا عن انه يحصّن النظام الداخلي من التعديلات المتتالية.
  ولا بدّ من التأكيد في هذا المجال على ضرورة ملاءمة فصول النظام الداخلي فيما بينها من خلال الحرص على صياغة منهجيّة لوحدات هيكليّة وتخصيص المسائل المبدئيّة بفصول عامّة دون تشتيت  معالجة المواضيع بين عدّة فصول وأبواب حتى يكون النصّ متناسقا متناغما يتناول وحدة هيكليّة متكاملة، ويسهل الرجوع إليه عند التطبيق.
وبالإضافة الى ذلك، لا بدّ من الحرص على  وضع هيكليّة إداريّة متناغمة ومتماهية مع النظام الداخلي،  وذلك انطلاقا  من اعتبار تنظيمي بالأساس سيسمح لاحقا بتكريس منطق المسؤوليّة والمساءلة والتقييم للعمل الاداري المساند للنشاط النيابي وسيكون له أفضل الأثر في ضمان أقصى درجات النجاعة في تنظيم العمل النيابي عموما.
كما أنّه من الواجب الإشارة إلى ضرورة توفير الوسائل الماديّة واللوجستيّة الكفيلة بحسن تطبيق أحكام النظام الداخلي فمن غير المجدي صياغة قواعد قانونيّة جميلة يعجز الواقع عن استيعابها أو تطبيقها وكمثال لذلك وعلى سبيل الذكر لا الحصر نشير إلى ضرورة توفير منظومة إعلاميّة تتولّى تسجيل التعديلات المقترحة من النواب على مشاريع القوانين وتكون مبرمجة بطريقة إلكترونية بحيث تسهم في تدعيم شفافيّة العمل التشريعي وتسهل على النائب ممارسة نشاطه التشريعي. 
والجدير بالذكر أنّ الجهاز الإستشاري التابع لإدارة مجلس نواب الشعب يلعب دورا محوريّا في مساندة العمل النيابي بمختلف أوجهه، غير أنّ  دوره الأساسي يبقى السهر على حسن تطبيق  واحترام النظام الداخلي في مختلف مراحل المسار التشريعي. لذلك، ولضمان حسن أدائه لمهامه، من المتأكد العمل على  توفير  الضمانات اللازمة لهذا السلك حتى يؤدّي واجبه في تأمين إحترام النظام الداخلي على أحسن وجه وبكل استقلاليّة وشفافيّة.  
إنّه وعلى أهميّة ما تقدّم لا مناص من الخوض في عديد المسائل الجوهريّة والهامّة ذات العلاقة بتنظيم المسار التشريعي داخل البرلمان والتي  تتطلّب إعادة النظر جذريّا.
• الملاحظات الموضوعيّة
إنّ المتأمّل في صيرورة ومسار العمل التشريعي خاصّة من المختصّين في مجال القانون البرلماني، يمكنه أن يلحظ جليّا الإشكال المنهجي في التعاطي مع دراسة مشاريع القوانين بين مختلف الهياكل التشريعيّة . فلا فرق يظهر مبدئيا بين دراسة مشاريع القوانين صلب اللجان وفي الجلسات العامّة أو حتى فيما تمّ إستحداثه واصطلح على تسميته بلجنة التوافقات والحال أنّ لكلّ هيكل ومرحلة فلسفتها وخصوصيّاتها وأحكامها المختلفة عن غيرها. لذلك لا بدّ من مراجعة إجراءات دراسة مشاريع القوانين بين مختلف الهياكل بما يؤمّن أقصى درجات النجاعة ويعطي لكل هيكل خصوصيّة ودورا يختلف عن غيره من الهياكل.
وحريّ بنا الإشارة إلى أن عدد اللجان صلب النظام الداخلي الحالي يبلغ  ثماني عشرة لجنة وهو عدد مرتفع نسبيّا. ويجدر التذكير انه ولئن كانت الغاية عند تحديد هذا العدد في منطلقها نبيلة وتكمن في تأطير العمل النيابي لأكبر عدد ممكن من النوّاب، غير أنّه خلق تداخلا في المفاهيم والحدود بين عمل كلّ من اللّجان التشريعيّة واللّجان الخاصّة. فاللجان التشريعيّة لم تستطع إستساغة تخلّيها عن دورها الرقابي لفائدة اللجان الخاصّة، وهو ما يتطلب  اليوم وفي أسرع وقت ممكن رسم الحدود بين الصنفين من اللجان بهدف المحافظة على مبدإ ترشيد العمل النيابي وعدم إهدار جهد الحكومة بالتنقّل بين اللجان التشريعية والخاصّة في بعض الأحيان لنفس الأسباب وذات المواضيع. 
كما تجدر الملاحظة أنّ العمل التشريعي قد شهد خلال السنوات الأخيرة المنقضية بعض التداخل والتقاطع في صلاحيّات ومهام اللجان التشريعيّة نفسها وهو ما أثقل  عمل مكتب المجلس بالفصل في مذكّرات تنازع الاختصاص،  ومردّ ذلك سوء صياغة بعض فصول النظام الداخلي التي لم توفّق في إحكام تنظيم العمل التشريعي عموما، بما يستوجب مراجعة جذريّة لاختصاصات اللجان التشريعيّة ومهامها مع تأكيد الحرص على ضرورة مواءمتها  مع الهيكلة الحكوميّة.
  إنّه وعلى الرغم من التأكيد المتقدّم على أهميّة الأعراف البرلمانيّة في المساعدة على  تسيير المؤسسة النيابية وفي إيجاد الحلول للإشكاليات الطارئة انطلاقا مما استقر عليه العمل البرلماني، غير أنّه يبدو من غير السليم قانونا القبول بإيجاد هياكل تشريعيّة غير مقنّنة بالنظام الداخلي خاصّة إذا كان لها من الدور والصلاحيّات ما لم يحظ به غيرها من الهياكل المقنّنة وهو حال لجنة التوافقات مثلا التي وإن وجد ما يبررها في فترة تاريخية معيّنة، فإنّه ما من سبب مقبول اليوم لعدم إدراجها صلب النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب خاصة وأنّها أصبحت تشكّل مصدر قلق بالنسبة لعديد فقهاء القانون وللمهتمين بالشأن البرلماني عموما.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا