قهوة الأحد: في الثقافة والتغيير الإجتماعي الموسم الثقافي في أصيلة (المغرب) نموذجا

عدت للتو من مدينة أصيلة في المغرب أين حضرت بدعوة من الصديق معالي وزير الخارجية السابق في المغرب السيد محمد بن عيسى الموسم الثقافي الدولي،

ولقد أصبح هذا المهرجان منذ سنوات قبلة الزوار وخاصة المثقفين والفنانين والمبدعين من كافة أنحاء المعمورة، وصارت هذه التظاهرة أنموذجا ومثالا للتظاهرات الثقافية الناجحة التي يرتادها أهل الفكر والابداع للنقاش وتبادل الآراء حول أهم القضايا التي تواجه الفكر الانساني ولفهم وقراءة التحولات الكبرى التي تشهدها الانسانية في الميادين السياسية والفكرية والابداعية.

وقد حاولت في الأيام القليلة التي قضيتها في هذه المدينة الجميلة على شاطئ الأطلنتي فهم أسباب نجاح هذه التظاهرة الثقافية وكيف تمكنت على مر السنين وبالرغم من محدودية الامكانيات أن تصبح قبلة صناع الرأي والمفكرين والمبدعين لتبادل الرأي حول التطورات الكبرى والتحولات التي تعيشها الانسانية.

قضيت ساعات طوال في الحديث مع الصديق سي محمد بن عيسى ومع عديد المشرفين على هذه التظاهرة ومع المدعوين القادمين من عديد البلدان من العالم ومع سكان المدينة لفهم هذا اللغز الذي حيرني لسنين طويلة، فكيف أمكن لمدينة صغيرة في المغرب أن تصبح وجهة هذا الكم الهائل على مدى سنين طويلة لأهم مثقفي العالم ومبدعيه يحطون فيها رحالهم ويتجاذبون أطراف الحديث حول مخاوفهم وآمالهم وأحلامهم المستقبلية حول عالم آمن ومنفتح على الآخر وثقافاته، كانت نقاشاتي وحديثي مع كل هؤلاء شيقة وممتعة ومكنتني هذه اللقاءات والأحاديث من فك بعض عناصر هذا اللغز الصعب والغامض.
وتلتقي أغلب الملاحظات التي جمعتها حول نجاح أصيلة في استقطاب أهم مثقفي ومبدعي العالم حول مسألة أساسية وخيار استراتيجي أخذه المشرفون على الموسم الثقافي في مدينة أصيلة وهو الثقافة كفاعل وأداة للتغيير الاجتماعي.

يعود تاريخ أصيلة الى آلاف السنين وعرفت تعاقب عديد الحضارات التي تركت بصمتها في معالم وآثار المدينة، إلا أن المدينة عرفت كغيرها من عديد المدن في بلداننا الكثير من التهميش والنسيان في العصور الحديثة، وبدأ الحديث والتفكير منذ بداية سبعينات القرن الماضي في طرق الخروج بالمدينة الصغيرة من سباتها وادخالها من جديد الى بوابة التاريخ، فأتت في تلك الأيام العديد من الجهات والمجموعات المالية واقترحت القيام وانشاء مشاريع سياحية ضخمة لاعادة ديناميكية الحركة الاقتصادية ونفض الغبار عن تاريخ المدينة، وجاءت مع هذه المشاريع الوعود لخلق الآلاف من مواطن الشغل والخروج بالمدينة من سباتها العميق، ولم تكن هذه المشاريع بعيدة عن التوجه العام الذي ساد السياسات الاقتصادية في تلك الفترة والذي جعل من السياحة الجماعية Tourisme de masse الخيار الوحيد للخروج بالمدن الساحلية من التهميش والدخول بها في التحديث الاقتصادي والاجتماعي.

إلا أن مجموعة من شباب المدينة بقيادة السيد محمد بن عيسى العائد لتوه من الخارج أين كان يشتغل في مؤسسات الأمم المتحدة رفضت هذا الخيار ودافعت بشراسة عن خيار تنموي بديل لمدينتها ومشروع آخر للدخول في العصر ولبناء سبيل مختلف لطرق باب الحداثة، فأسست المجموعة سنة 1978 جمعية غير حكومية أطلقوا عليها تسمية «جمعية المحيط الثقافية»، وستكون هذه الجمعية نقطة انطلاق لمغامرة ثقافية تمتد الى يومنا هذا وأصبحت على مر السنين احدى أهم المنارات الثقافية في العالم.

ومن أهم أسباب نجاح الموسم الثقافي لأصيلة أنها نجحت على مر السنين في بناء جسور تواصل ولقاء بين الفكر والسياسة والاقتصاد ومختلف الفنون من موسيقى ورواية وشعر وفنون تشكيلية، فتصبح أصيلة خلال أيام الموسم أو المهرجان كخلية نحل تتلاقح فيها الأفكار والآراء والابداعات بكل أنواعها.
ولاعطاء فكرة عن ثراء هذا الموسم/المهرجان سأتفحص معكم أهم محطات برنامج هذه السنة فقد انطلقت أشغال الموسم بندوة هامة جمعت أهم المفكرين في العالم حول أزمة الديمقراطية وسبل الخروج منها، ثم تواصلت خلايا التفكير والنقاش مع ندوة أخري بعد بضعة أيام حول موضوع التنمية المستدامة و تحديات بلدان الجنوب ثم ومباشرة بعد هاتين الندوتين تستضيف أصيلة ندوة ثالثة حول التماسك الاجتماعي وأنظمة التعليم في العالم العربي.

ثم يلي هذه الندوات العلمية لقاء حول «الشعر العربي في مشهد ثقافي متغير» جمع أهم الشعراء العرب كشوقي بزيغ من لبنان وقاسم حداد من البحرين والعديد من النقاد والمبدعين بين نقاشات وقراءات شعرية مصحوبة بفواصل موسيقية مكنت المدينة من أن تعيش على وقع آمال وأحلام الشعراء العرب وماهي الا بعض أيام حتى انتقل المهرجان الى القارة السمراء والتي أعطاها حيزا هاما من نشاطاته منذ سنوات وكانت ندوة هذه السنة حول ابداع الافارقة في القارة والمهجر، وقد ساهمت هذه الندوات والانفتاح على افريقيا في اعادة بناء عقد اللقاء والتضامن بين شمال القارة وجنوبها والذي انفرطت حباته تحت ضغط العدو الاسرائيلي، وأصبح أشقاؤنا يؤمون أصيلة كما يؤمون بيوتهم وبلدانهم حاملين الكثير معهم من الحنين والشوق والجد الذي سيمكننا من بناء المستقبل.

ولم تقتصر أنشطة وبرنامج هذا الموسم/ المهرجان على الندوات والمحاضرات بل شمل كذلك الكثير من العروض الموسيقية واللقاءات في نفس العروض بين موسيقيين من جهات وبلدان وأنماط موسيقية مختلفة، فغنى «ماريو لوسيو» من الكاب ڤار الى فرقة أصيلة للڤناوة وشالو من أنغولا، كما شدت نبيلة معاذ من المغرب مع دودو كراتي من السنغال وعثمان الخلوفي من المغرب، كانت سهرات رائعة من الفن والابداع والتقاء الأمل من خلال الاستنجاد بالذاكرة.

وأعطت دورة المهرجان لهذه السنة مكانة كبيرة للفن التشكيلي المعاصر، فكانت المعارض وورشات الرسم وخاصة الجداريات التي ساهمت في تزويق شوارع المدينة العتيقة وجعلتها قبلة للزوار لاكتشاف هذه الابداعات، كما فتحت هذه الجداريات الفن المعاصر على الناس وعلى الشارع ليكتشف الزائرون أعمال فنانين بقوا غريبين عنهم بالرغم من شهرتهم الكبيرة على المستوي العالمي.

كما نظم الموسم/المهرجان عديد الورشات التكوينية الموجهة للأطفال في ميادين عدة من ضمنها الرسم والكتابة.

وهكذا تعيش مدينة أصيلة منذ أربعين سنة على واقع مغامرة ثقافية وابداعية فريدة من نوعها أعطتها اشعاعا ورونقا لم تعرفهما من قبل، وقد أكدت هذه التجربة على أهمية الثقافة والدور الكبير الذي يمكن لها أن تلعبه في التغيير الاجتماعي والاثقتصادي ولا يشاطر العديد من الفاعلين وخاصة الاقتصاديين منهم الرأي على هذا الدور وتثمين قدرة الثقافة على التغيير والفعل الاجتماعي، وهذا يعود لقناعات راسخة وقديمة عند الاقتصاديين وتعود الى ارث الآباء المؤسسين للفكر الاقتصادي كماركس وريكاردو والتي مفادها أن القوى المادية هي وحدها القادرة على التغيير وتبقى القوى اللامادية غير فاعلة ويرتبط تطورها بالتحولات والتغيرات التي تعرفها قوى الانتاج المادي.

لقد أثبتت عديد التجارب في العالم عقم هذا التحليل ومحدوديته وأشارت الى قوة الفكر والثقافة في التغيير والخروج بالمجتمعات التقليدية الى عالم أرحب وأكبر، وتجربة أصيلة تؤكد هذا التمشي وأن هذا الاختيار الثقافي والفكري للموسم/المهرجان مكن هذه المدينة من الحصول على استحقاق ونجاح فاقا المستويات التي عرفتها عديد المدن التي اختارت طريق السياسة التقليدية، فالى جانب المحافظة على تاريخها وهويتها ورونقها التقليدي فقد تمكنت أصيلة من الانفتاح على العالم وأن تصبح قبلة السياحة الثقافية، وقد مكن هذا النجاح المدينة من الخروج من التهميش والفقر، فتمكنت أصيلة من إعادة بناء المعالم التاريخية وتطورت السياحة وبناء النزل التي سمحت بخلق العديد من مواطن الشغل، وقد مكن هذا الاختيار المدينة من الخروج من سباتها والعودة بقوة في حركة التاريخ.

الا أن نجاح هذه التجربة ارتبط ارتباطا كبيرا بوجود شخصية كارزماتية نافذة وفاعلة في شخص سي محمد بن عيسى الحامل لنظرة استشرافية حول قدرة الثقافة على التغيير الاجتماعي، كما ارتبط كذلك بوجود بعض المستثمرين النيرين والذين صاحبوا صاحب الفكرة وراهنوا معه على دور الثقافة في التغيير، ولم يكن لهذا الاختيار أن ينجح لولا انخراط أهالي أصيلة فيه ودعمهم له في كل المستويات.

إن تجربة أصيلة في موسمها الثقافي الى جانب عديد التجارب الأخرى كالتجربة المسرحية في مدينة أڤينيون في جنوب فرنسا أننا خرجنا من الاطار الفكري الحداثي والذي جعل من التغيير المادي المجال الوحيد للتغيير الاجتماعي لندخل مرحلة ما بعد الحداثة والتي أعطت للثقافة الفكر وللبعد اللامادي دورا أساسيا في الحركية الاجتماعية، فلنأخذ الدرس من تجربة أصيلة ومن فلسفة ما بعد الحداثة ونفتح آذاننا وأعيننا على الفكر والثقافة والابداع ومخزون الثورة والتحول الذي يحملونه من مشروع بناء تجربة انسانية جديدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية