منبــر: الشعبوية: المرض «الطفيلي» للديمقراطية

بقلم: عبد المجيد المسلمي

ما هي الشعبوية le populisme ؟؟ يقول « جان فارنر مولر» أحد الذي درسوا هذه الظاهرة السياسية الجديدة أنها

مصطلح يستعمل في كل الطبخات متعدد المعاني polysémique و من الصعب تحديد مفهومها الدقيق. ويستعير مقولة احد القضاة الأمريكيين معتبرا أن الشعبوية لا تعرفها إلا عندما تراها I know it when I see it.

إلا ان «جان ايف كامو» و هو باحث في معهد «جان جوريس» يقدم تعريفا أكثر دقة و يعتبر أن الشعبوية هي منهج سياسي يقسم المجتمع إلى مجموعتين : المجموعة الأولى هي النخب etablishment من وزراء و سياسيين و برلمانيين و إعلاميين و رجال أعمال... و هم فاسدون و محتالون. و تتشكل المجموعة الثانية من «الشعب» الذي تعتبره الشعبوية واحدا و موحدا و هو واعي تمام الوعي بطريقة «طبيعية و تلقائية» أن مصلحته تتناقض و تتصادم جوهريا مع الزمرة الحاكمة. و يعتبر «الشعبويون» أنفسهم «الممثل الشرعي و الوحيد» للشعب ضد الزمرة الفاسدة التي تحكمه وتفقره و تحتال عليه.

إن أسباب ظهور الشعبوية متعددة. ففي ظل الديمقراطية الإنتخابية يسعى السياسيون إلى استمالة الناخبين وإغرائهم أو حتى خداعهم بجملة من الوعود. وفي هذا المناخ تتطور التيارات الشعبوية التي تدعي التمثيل الحصري exclusif للشعب ضد النخب الحاكمة الفاشلة و الفاسدة في سبيل إزاحتها و الحلول محلها في دفة الحكم.

شعبوية اليمين و شعبوية اليسار
يتفق عديد الباحثين على أن الشعبوية ليست «إيديولوجيا». و هم يصنفونها إلى صنفين : الشعبوية اليمينية و الشعبوية اليسارية. كما يقرون بأن تعبيراتها تختلف من بلد إلى آخر حسب تاريخه و واقعه السياسي والاجتماعي.

فالشعبوية اليسارية هي أساسا شعبوية احتجاجية populisme protestataire تستغل تدهور الأوضاع المعيشية للطبقات الشعبية لشجب «dénoncer» النخب الحاكمة المسؤولة الأولى عن تردي تلك الأوضاع و تنصب نفسها الناطق الرسمي و الوحيد و المدافع الحصري عن الشعب المقهور. و يعتبر البعض أن الزعيم الفرنسي «جان لوك ميلانشون» زعيم la France insoumise هو أبرز ممثلي الشعبوية اليسارية في فرنسا.

أما الشعبوية اليمينية فهي شعبوية «هووية» populisme identitaire تنصب نفسها المدافع الأوحد على هوية الشعب التي تعتبرها مهددة في قيمها الأخلاقية و الدينية و مهددة من طرف الأجنبي أو الدخيل. و يعتبر بعض المحللين أن «مارين لوبان» زعيمة أقصى اليمين في فرنسا هي أبرز ممثل للشعبوية اليمينية و الحال أنها تعتبر أن هوية فرنسا مهددة من طرف المهاجرين القادمين من وراء البحار. لذلك تعادي المهاجرين و تعارض اندماج فرنسا في الإتحاد الاوروبي باعتباره سيؤدي إلى القضاء على هوية الأمة الفرنسية و تحللها في الكيان الاوروبي.

وحسب «جان ايف كامو» فإن الشعبوية الهووية identitaire تجدها أيضا لدى بعض اليساريين الذي يعتبرون أن صندوق النقد الدولي و البنوك الكبرى و القوى العالمية تتآمر ضد الوطن و يرفضون تدخلها دفاعا عن الإستقلال الوطني و يدعون إلى قطع العلاقات مع تلك القوى العظمى مما يؤدي إلى نوع من الإنغلاق على الذات l’autarcie.

«طهورية» الشعبويين: حقيقة أم خداع؟؟
من ميزات الشعبويين أنهم يقدمون أنفسهم كممثلي «الطهورية الاخلاقية» و الخصوم الأشداء للنخب الفاسدة les élites corrompues و التي تمثل حسب ٍرأيهم طبقة طفيلية تعيش على امتصاص دم الشعب الفقير.

فهم يسعون لإستنهاض «الشعب» ضد الحكام الذي أوصلوا الوطن إلى أزمة خانقة أصبحت تهدد هويته. فيحرضون «الضعيف» ضد «القوي» و الأبرياء ضد المجرمين و يدعون للثورة ضد مركزة السلطة لدى طائفة من الفاسدين و ضد استعمال السياسيين لأجهزة الدولة.

و يلاحظ «مولر» انه عندما يستولي الشعبويون على السلطة لا يتورعون عن استعمال نفس تلك النخب البيروقراطية التي كانوا يتهمونها بالفساد ويركزون السلطة بين أيديهم و يستعملون المؤسسات لصالح أجهزتهم الحزبية و عائلاتهم وأصدقائهم. ويمثل «دونالد ترامب» كأبرز مثال على الشعبويين المخادعين. فرغم أنه أسس حملته على مقاومة النخب الفاسدة الحاكمة في أمريكا etablishment فإنه لم يتورع عن تشكيل وزارته من أصحاب المليارات كما أنه ركز السلطات بين يديه وسعى إلى عرقلة عمل المؤسسات التشريعية و ركز أفراد عائلته في مفاصل السلطة.

و تستنتج بعض الدراسات أن الشعبويين يعتمدون في استراتيجيتهم للوصول إلى الحكم على «زعيم» كاريزماتي» يتميز بصفات الرجولة و الشرف و الوفاء و يرتكز خطابه على رفض منظومة الحكم القائمة anti-systéme
كما يعتمد الشعبويون على الخطاب الديماغوجي والتهجم الصريح و الوصم stigmatisation و الشجب لخصومهم في شخصيتهم و ذواتهم عوض مقارعة أفكارهم. فيتهمونهم بالفساد و الرشوة و السقوط الأخلاقي مما يعطي لخطابهم طابعا مشهديا و جذابا spectaculaire et attractif لدى عموم الناس

فإما الديمقراطية أو الشعبوية
تتغذى «الشعبوية» و تتطور جاذبيتها جراء مواطن الخلل التي تصيب النظام الديمقراطي. فعديد القطاعات الشعبية تشعر بأنها مهمشة و غير ممثلة كما يجب داخل المؤسسات و لا تجد صدى لمطالبها و طموحاتها مما يجعلها تسعى إلى حلها من خارج تلك المؤسسات وعبر التحرك في الشارع مثلما عبرت عنه حركة «السترات الصفراء» في فرنسا. هكذا يثور «الشعب» ضد الديمقراطية على حد تعبير بعض الملاحظين. و من الطبيعي و حتى من المشروع أن ينبري سياسيون «شعبويون» للتحدث باسم تلك الفئات المهمشة و يدعونها للثورة ضد المنظومة. فكما تنمو الطفيليات les parasites في الجزء المريض من الجسم تنمو الشعبوية كمرض طفيلي في المنظومة الديمقراطية.

لقد مثلت الديمقراطية البورجوازية ( حسب التوصيف الماركسي) و المبنية على التمثيلية النيابية عبر الإقتراع السري و المباشر le suffrage universel أرقى ما وصل له الإنسان في العصر الحديث في التنظيم الديمقراطي. و لكنها تعيش في هذا العصر أزمة عميقة حسب بعض الخبراء. فرئيس دولة او برلمان ينتخبه الشعب لمدة 5 سنوات ثم ينقطع عن ناخبيه و يصبح أكثر صلة باللوبيات المالية و الدولة العميقة و البيروقراطية سيصبح أكثر عزلة و قطيعة عن الواقع.

و إنك لستغرب كثيرا لما ترى بعض النخب التونسية تتجاهل هذه المتغيرات و تفكر و كأنها في منتصف القرن الماضي و تدعو إلى نظام رئاسي قوي أو إلى هيمنة حزب واحد أو حزبين على البرلمان ( انظر قانون العتبة). فهم يدافعون عن مركزة مفرطة للسلطة بين يدي مجموعة محدودة من المسؤولين حتى تتحقق حسب رأيهم نجاعة النظام الديمقراطي. و لكن ماذا تفعل برئيس قوي أو حزب واحد حاكم و الحال أن الجزء الأوفر من الشعب الذي سيصبح مهمشا و بعيدا عن مركز القرار سوف يتحرك و يعبر عن نفسه من خارج تلك المؤسسات بالذات سواء عبر التحركات الإحتجاجية أو منظمات المجتمع المدني أو النقابات. عندها تصبح مؤسسات الرئاسة و البرلمان قوقعات فارغة منكفئه حول نفسها و غير قادرة على إدارة الرأي العام، المنفلت عنها والرافض لها.

و تبرز هنا و هناك محاولات لمعالجة إخلالات الديمقراطية الكلاسيكية نحو توسيع المشاركة الشعبية في أجهزة الحكم. و قد شكل البروز القوي للمجتمع المدني و تأثيره الشديد قوة مضادة للمؤسسات التمثيلية التقليدية. كما تلعب نقابات العمال و رجال الأعمال و الفلاحين دورا تعديليا هاما. كما برزت السلطة المحلية و التدبير الحر لتخفيض منسوب المركزة للأجهزة التمثيلية. كما ظهر مصطلح الديمقراطية التشاركية la démocratie participative في سعي لتفادي تهميش قطاعات شعبية مهمة و دفعها نحو الشعبوية. و هي كلها محاولات لإصلاح المنظومة الديمقراطية في اتجاه تمثيل أكبر للمواطنين.
و كما استتنتج «مولير»، «عندما يثور الشعب ضد الديمقراطية و عندما تنتصر الشعبوية تنتهي الديمقراطية»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا