قهوة الأحد: في البحث عن المشاريع الكبرى

نعيش فترة تاريخية غريبة فلم تعرف أي فترة تاريخية المستوى الذي نعيشه بالمفارقات والتناقضات. كما لم تبلغ

أي فترة تاريخية هذا المستوى من التباعد بين خوفنا من المستقبل وعدم رضانا على أوضاعنا الحالية و الانزعاج من الواقع الذي نعيشه من ناحية ورفضنا لكل محاولات البحث عن مشاريع جديدة وآفاق أرحب لتجربتنا السياسية والتاريخية والفكرية.

إنها لمفارقة كبرى نعيشها اليوم بين الأزمات التي نمر بها على جميع المستويات من جهة ورفضنا من جهة أخرى كل أشكال البحث عن مشاريع سياسية جديدة للخروج من هذا الواقع المتردي وفتح تجارب للتحرر الاجتماعي والانعتاق . هذه المفارقة وهذا التناقض هما وراء الخنوع والاستسلام للأمر الواقع الذي نعيشه اليوم.

لقد أكدت في عديد المقالات كما أشار كذلك العديد من المفكرين إلى المظاهر الكبرى لتردي الوضع العالمي والأزمة الكبيرة التي نعيشها منذ سنوات خلت – الجانب الأول والأساسي لهذه الأزمة هو بعدها السياسي والأزمة السياسية التي تمر بها اغلب بلدان العالم – ولهذه الأزمة السياسية عديد الأبعاد لعل أهمها أزمة المشروع السياسي الديمقراطي وريث الثورات الديمقراطية والمشروع الحداثي والليبرالي . وهذه الأزمة ليست وليدة اللحظة بل تعود إلى نهاية القرن المنصرم أمام تنامي وتطور العولمة والتي أضعفت الكيان الوطني والدولة الوطنية (Etat-nation) الموروثة من اتفاقيات واستفالي Westphalie الممضاة سنة 1648 والتي أنهت حرب الثلاثين سنة في أوروبا .

لقد جعلت هذه الاتفاقيات من الدولة الوطنية المجال الأساسي للعمل السياسي وأعطتها سيادتها وجعلت منها إطار التغيير السياسي والفعل الاجتماعي – وسيتدعم هذا الدور مع الثورات الليبرالية وحركة الانوار منذ نهاية القرن الثامن عشر وظهور الراسمالية كنمط إنتاج سائد . كما ستعرف الدولة الوطنية مرحلة جديدة من التطور مع انتهاء فترة الاستعمار ووصول عديد الدول من العالم الثالث مرحلة الاستقلال السياسي. ستشكل الدولة الوطنية مجال عمل وتعبئة للمشروع السياسي الليبرالي الذي ستحمله وتدافع عنه الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية وريثة الحداثة السياسية والثورات الليبرالية . وبالرغم من النقد الموجه لهذا المشروع خاصة من جانب القوى الاشتراكية والتي حاولت صياغة برنامج ومشروع مغاير إلا أن سقوط جدار برلين سنة 1989 أعلن نهاية وتراجع كل هذه المشاريع وانتصار البرنامج الليبرالي الذي سيجعل من الحريات الفردية والديمقراطية السياسية واقتصاد السوق الأسس الإيديولوجية للمجتمعات الحديثة – ولعل نجاح المشروع الليبرالي كان نتيجة نجاحه في تحسين وتطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبناء العقد الاجتماعي المبني على التضامن بين الأجيال وبين الطبقات الاجتماعية – وأعطت هذه النجاحات معنى حقيقيا وعمليا لمقولات التقدم وقدرة الإنسان والأحزاب السياسية على التغيير والفعل الاجتماعي نحو الأفضل – وساهمت هذه النجاحات لا فقط في دعم مشروعية الفعل السياسي بل كذلك في انتصار ونجاح إطار الحداثة السياسية ليصبح لعقود طويلة مجال النشاط والحراك السياسي والاجتماعي .

إلا أن هذا الوضع سيشهد تطورات هامة مع ظهور العولمة وتراجع مجال الدولة الوطنية Etat –nation كإطار للفعل والتغيير السياسي والاجتماعي . فقد تقلصت صلاحيات ومهام الدولة والمجال الوطني أمام تنامي دور المؤسسات العالمية وحركات رؤوس الأموال على المستوى العالمي لتصبح القرارات على المستوى الوطني خاضعة لإرادة هذه المؤسسات . وكان لهذه التطورات انعكاسات كبيرة على البرنامج السياسي الليبرالي والذي فقد الكثير من بريقه نظرا لعجزه على الفعل والتغيير الاجتماعي أمام تصاعد العولمة وتطور وتيرتها . كما سيكون لهذا التطور انعكاس سلبي على الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وكل أشكال التنظم السياسي الموروثة من عهد الثورات .

وقد دخلت السياسة في أزمة عميقة منذ بداية القرن ونتج عن انحسار الأحزاب والمنظمات التقليدية تطور كبير للحركات الشعبوية المناهضة والمعادية للأنظمة الديمقراطية وقد نجحت هذه القوى في الوصول إلى السلطة في عديد البلدان الديمقراطية مما ينبئ بهزات سياسية واقتصادية واجتماعية قد تضع العالم على فوهة بركان أو حروب كالتي عرفناها في ثلاثينات القرن الماضي والتي قادت إلى الحرب العالمية الثانية والى تجربة معسكرات النازية والتي كانت من أحلك فترات التجربة الإنسانية .ولا تقتصر الأزمة الشاملة التي نعيشها على الجوانب السياسية بل شملت كذلك كل الجوانب الاقتصادية. فقد دخل العالم أزمة اقتصادية ومالية خانقة في 2008 و2009 كادت تؤدي إلى انهياره كالأزمة التي عرفناها في سنة 1929. وهذه الأزمة كانت نتيجة للتطورات الاقتصادية والفكرية التي عرفها العالم منذ بداية ثمانينات القرن الماضي.فقد عرف العالم ثورة نيوليبرالية مع وصول رونالد ريغان والمرأة الحديدية مارغاريت تاتشر للسلطة كانت وراء رفض السياسات التدخلية للدولة ذات التأثير الكينزي وتراجع هذا التفكير الاقتصادي وتنامي الفكر الاقتصادي الكلاسيكي أو النيوليبرالي .

كان لهذه السياسات الاقتصادية والاختيارات الفكرية تأثير كبير على الواقع الاقتصادي حيث شهدت الدولة الوطنية لصالح البدايات الأولى للعولمة مع تطور المبادلات التجارية وحركة الشركات الكبرى العابرة للحدود واستثماراتها الكبرى في الكثير من البلدان . وستعرف هذه العولمة حركة تصاعدية غير مسبوقة مع تحرير المبادلات المالية والأسواق المالية الكبرى . وستفتح هذه المرحلة المجال كبيرا لجشع المضاربين ولينفلت الجري وراء الربح من عقاله . وستقود هذه العولمة والمغامرات المالية للمضاربين الاقتصاد العالمي نحو الانهيار .

ولولا التحرك السريع للدول الكبرى والمؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والعديد من المؤسسات الأخرى لحصلت الفاجعة وكانت نهاية النظام الدولي .

وقد نتج عن الأزمة الكبيرة تحولات كبيرة لا فقط على مستوى السياسات الاقتصادية بل كذلك على مستوى التفكير الاقتصادي . وقد أكدت هذه التطورات على ضرورة القطع مع الفكر السائد القائل بقدرة السوق على تنظيم الاقتصادات الحديثة والعودة إلى السياسات الاقتصادية الكينزية والقائمة على الدور التعديلي للدولة .

إلا أن هذا التطور وهذه القطيعة والتي خلناها جذرية لم تكن إلا فاصلا صغيرا في تاريخ العولمة الرأسمالية . فلما ابتعدت ظلال الأزمة الاقتصادية وتوارت ظلالها بعض الشيء عادت الليبرالية المتوحشة لتفرض هيمنتها على العالم وتضعنا من جديد في مواجهة الأزمات الاقتصادية القادمة والتي ستكون أكثر حدة من سابقاتها .

الجانب الثالث من الأزمة العامة التي نعيشها يهم الجانب الاجتماعي . لقد عرف العالم منذ سنوات تراجعا كبير في الفقر وانحسارا هاما لهذه الظاهرة خاصة في البلدان النامية . كما شهد العالم كذلك تراجع الفوارق بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية بفضل النمو الكبير الذي عرفته هذه البلدان في السنوات الأخيرة وخاصة البلدان الصاعدة منها .

إلا أننا عرفنا نموا كبيرا للتفاوت الاجتماعي وعدم المساواة في البلدان بين الفئات الاجتماعية . وستصبح هذه الظاهرة احد أهم الإشكالات والتحديات الاجتماعية والتي لعبت دورا كبيرا في صعود الحركات الشعبوية وتناميها على المستوى العالمي .

إلى جانب هذه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمكن الإشارة إلى عديد مظاهر التأزم الأخرى كالأزمة المناخية وغيرها .

كل هذه الأزمات ومظاهر الانخرام تشير إلى ضرورة بناء المشروع السياسي والفكري الجديد القادر على فتح تجربة تاريخية جديدة إلا انه وبالرغم من أهمية هذه الرهانات وحدتها فلم نعرف محاولات هامة وجدية في هذا المجال . وقد ساهم التفكير السائد وخاصة فلسفة ما بعد الحداثة في هذا التراجع نتيجة نقدها الجذري لفكرة بناء المشاريع والتصورات والإيديولوجيات والتي تعتبرها لعبت دورا كبيرا في أزمات ومآسي الإنسانية .

إلا انه وبالرغم من هذا النقد فانه لابد لنا من العمل على خوض هذا المشروع الفكري وبناء مشروع وبرنامج يفتح لنا آفاقا جديدة ويعطي لتجربتنا التاريخية والسياسية مجالا أرحب .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499