تراجع تشاؤم التونسيين بـ 17 نقطة: • ارتفاع نسبة الرضا عن رئيس الجمهورية بـ 16٫6 % وعن رئيس الحكومة بـ 12٫2 % المستقبل السياسي للشخصيات العامة

قراءة وتحليل زياد كريشان
الباروميتر السياسي لشهر جويلية 2017 الذي تقوم به مؤسسة «سيغما كونساي» بالتعاون مع «جريدة المغرب» قد جاء بالجديد هذه المرّة إذ تنخفض نسبة التشاؤم بصفة هامة للشهر الثاني على التوالي لتنتقل من %80.1 في شهر ماي إلى %69.0 في شهر جوان ثم لتستقر في

حدود %52.1 في شهر جويلية وهي نسبة لم تتحقق منذ افريل 2015..

وقد استفاد رأسا السلطة التنفيذية من موجة التفاؤل هذه لتصل نسبة الرضا عن صاحب القصبة إلى رقم قياسي (%80.2) وكذلك بالنسبة لرئيس الجمهورية وإن كان بنسبة أقل (%57.9) وكذلك ارتقى يوسف الشاهد إلى الصدارة لأول مرة في مؤشري الثقة الكبيرة والمستقبل السياسي للشخصيات العامة على المستوى الوطني وعلى مستوى ناخبي نداء تونس كذلك.

حملة الحكومة على الفساد قد مرت من هنا ..هذا هو العنوان الأبرز للباروميتر السياسي لشهر جويلية 2017 الذي تنجزه مؤسسة «سيغما كونساي « بالتعاون مع «جريدة المغرب»..

منذ أن بدأنا في نشر هذا الباروميتر السياسي الشهري في فيفري 2015 ومعنويات التونسيين في تراجع مستمر إذا ما استثنينا الشهرين الأولين (فيفري ومارس 2015) ورغم التحسن النسبي لمؤشر التشاؤم مع استلام الحكومة الجديدة مقاليد السلطة في أواخر أوت 2016 إذ بلغ مؤشر التشاؤم %60.7 في شهر ديسمبر 2016 إلا أنه ما فتئ يتردى إلى أن وصل ذروته القصوى منذ بداية 2015 عندما بلغ في شهر ماي الماضي %80.1 ..

ونتائج شهر جوان كانت سائرة في نفس الاتجاه ولكن وأثناء عملية الاستجوابات التي دامت يومين حصلت الحملة الأولى من الاعتقالات في أواخر ماي الفارط ولاحظنا أن نسبة التشاؤم تقلصت بـ14 نقطة كاملة خلال يوم واحد لتنتقل من %75.2 إلى %61.2 بما أعطانا معدلا عاما لشهر جوان بـ%69 .موجة التفاؤل هذه تواصلت إذ تراجع منسوب التشاؤم خلال الشهر الفارط بحوالي 17 نقطة وكدنا نبلغ للمرة الأولى منذ شهر أفريل 2015 انقلابا في موازين القوى بين التفاؤل (%46) والتشاؤم (%52.1)

سوسيولوجية التفاؤل في تونس
نلاحظ من الناحية السياسية أن القاعدتين الانتخابيتين للنداء وللنهضة هما أكثر تفاؤلا من عموم التونسيين بل إن نسبة التفاؤل عندهم غلبت نسبة التشاؤم وبتقدم طفيف للندائيين ( %54.8 مقابل %50.6 فقط للنهضويين) . على المستوى الجهوي نجد أن الولايات الأكثر تفاؤلا هي ولايات الشمال الشرقي (بنزرت وزغوان ونابل ) بـ %51.4 بينما الولاية الأكثر تشاؤما هي ولاية صفاقس بـ%36.3 فقط من المتفائلين..
جندريا النساء اقل تفاؤلا من الرجال (%41.1 مقابل %50.5) كما أن التفاؤل يغلب عند الطبقة المرفهة (%52.4) ويتراجع عند الطبقة الشعبية (%39.7)..

عامل السن هو دائما الأوضح في مؤشر التفاؤل إذ يرتفع طردا مع التقدم في العمر فنجد أن الشباب (18 - 25 سنة) هم الأقل تفاؤلا بـ%34.3 بينما تبلغ هذه النسبة عند الذين تجاوزوا الستين رقما قياسيا بـ%62.6 ولكن ما ينبغي ملاحظته هو ارتفاع منسوب التفاؤل بحوالي 19 نقطة كاملة عند الشباب بما يدل على أن موجة التفاؤل قد شملت كل الشرائح والفئات حتى تلك التي تميزت بتشاؤم راديكالي في الأشهر السابقة ..

على عكس عنصر السن عامل المستوى التعليمي لم يكن مؤثرا بصفة كبيرة ذلك أن نسبة التفاؤل هي الأقصى عند أصحاب التعليم الابتدائي (%49.6) وتنزل إلى أدناها عند الأميين (%43.5) وأصحاب مستوى التعليم الجامعي (%43.9) ولكن الفوارق كما قلنا ليست كبيرة ..
يمكن أن نقول إذن بأن صورة التونسي المتفائل هي رجل فاق الستين ناخب ندائي من ولايات الشمال الشرقي وذو مستوى تعليمي ابتدائي أما التونسي الأقل تفاؤلا فهي امرأة شابة من ولاية صفاقس ذات مستوى تعليمي عالي (أو أمية) وهي لم تصوت للحزبين الكبيرين في البلاد..

المستفيد الأكبر يوسف الشاهد
لقد كان من الطبيعي أن تنعكس موجة التفاؤل هذه على الرضا عن رأسي السلطة التنفيذية فبعد أشهر عجاف حقق منسوب الرضا قفزة هائلة بالنسبة لرئيس الجمهورية تجاوزت 16 نقطة لتستقر في حدود %57.9 (أفضل نسبة منذ شهر فيفري الفارط) بينما بلغ هذا المنسوب رقمه القياسي عند صاحب القصبة ليتجاوز لأول مرة عتبة %80 (%80.2) مع نسبة رضا كبيرة مرتفعة (%37.1)..

هذه الموجة التي رفعت يوسف الشاهد نجد ترجمة لها في مؤشري الثقة والمستقبل السياسي للشخصيات العامة إذ ولأول مرة يتصدر صاحب القصبة هذين المؤشرين محققا قفزة عملاقة في مؤشر الثقة الكبيرة بـ %13٫1وبـ%12.1 بالنسبة للمستقبل السياسي للشخصيات العامة...
يتصدر الشاهد إذن مؤشر الثقة الكبيرة بـ%45 متقدما على سامية عبو (%41) التي تأخرت بـ%4.8 والناجي جلول (%34) الذي تراجع بدوره بـ%5.4 بينما يصعد مجددا الباجي قائد السبسي إلى خماسي الطليعة بعد أن غادره أشهرا طويلة محققا %31 وبقفزة كبيرة قاربت 9 نقاط (%8.9) ويختم هذا الخماسي الصافي سعيد بـ%30 ومع اكبر تراجع (%9.3). عشاري الطليعة في منسوب الثقة لم يشهد تغيرا كبيرا باستثناء مغادرة سعيد العايدي للمركز التاسع ليتدحرج إلى المركز الرابع عشر وارتقاء المهدي جمعة من المركز الثالث عشر ليحتل المرتبة الثامنة وبقفزة في النقاط بـ%3.2..

محمد عبو يتراجع من المركز الخامس إلى المرتبة السادسة ولكنه يخسر قرابة خمس نقاط ..نفس الملاحظة لعبد الفتاح مورو الذي يتراجع من المرتبة الرابعة إلى السابعة وبخسارة تفوق السبع النقاط ..
الحبيب الصيد يخسر بدوره مرتبة واحدة (من السابعة إلى الثامنة) وبخسارة نقطة واحدة بينما ارتقى كما قلنا رئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة من المركز الثالث عشر إلى التاسع وبقفزة فاقت النقاط الثلاث..
ويختم هذا الترتيب العشاري احمد نجيب الشابي مسجلا في نفس الوقت تقدما بحوالي النقطة..

في أسفل الترتيب نجد أن 11 شخصية سياسية هي دون %10 كمنسوب ثقة كبيرة يتقدمهم سمير بالطيب وياسين إبراهيم بثماني نقاط فمحسن مرزوق وزياد العذاري بسبع ثم برهان بسيس وسليم الرياحي وأياد الدهماني بست نقاط فنور الدين البحيري والمهدي بن غربية والهاشمي الحامدي بخمس نقاط ويختم الترتيب حافظ قائد السبسي بـ 4 نقاط فقط ..

والجدير الملاحظة أن يوسف الشاهد يطيح بناجي جلول في منسوب الثقة عند القاعدة الندائية ..ناجي جلول الذي تصدر هذا الترتيب لأكثر من سنة يتراجع للمركز الثاني متأخرا عن يوسف الشاهد ب11 نقطة كاملة(%48 مقابل %59) ومتقدما ب26 نقطة على محمد الناصر وسعيد العايدي (%22) بينما لا يحظى محسن مرزوق إلا بـ%9 أما حافظ قائد السبسي فلا يتجاوز %5 عند الندائيين..

أما عند القاعدة النهضوية فلا جديد يذكر إذ نجد نفس خماسي الطليعة مع عبد الفتاح مورو (%45) وحمادي الجبالي (%35) وسمير ديلو (%34) فراشد الغنوشي (%31) ثم علي العريض (%30)

حقق يوسف الشاهد في مؤشر المستقبل السياسي للشخصيات العامة قفزة بأكثر من 12 نقطة في شهر واحد بما جعله يتصدر هذا الترتيب لأول مرة بـ%44 متقدما على سامية عبو (%41) المتراجعة بأربع نقاط وتعود المرتبة الثالثة لناجي جلول بـ%35 متأخرا فقط بنقطة بينما تراجع الصافي سعيد بحوالي 12 نقطة ليحط في المركز الرابع ب%32 ويختم هذا الخماسي محمد عبو ب%29 بعد أن فقد أربع نقاط ونصف..
وما شاهدناه على المستوى الوطني نلاحظه أيضا عند القاعدة الندائية حيث يتفوق لأول مرة يوسف الشاهد على الناجي جلول في مؤشر المستقبل السياسي.

في عناصر قوة وهشاشة يوسف الشاهد
رأينا أن حملة الحكومة على الفساد قد أنتجت صعودا قويا في الرضا عن أداء صاحب القصبة وفي الثقة الكبيرة التي أضحى يتمتع بها بما جعله دون منازع رجل الشهر ..
ولكن هذا الصعود القوي لا يخفي بعض الهشاشة من ذلك الارتباط العضوي بين الثقة في رئيس الحكومة ومواصلة الحرب على لوبيات الفساد بما يعني أن كل ما قد يفهم منه بأنه تراجع ولو نسبي في هذه الحرب ستكون نتائجه المباشرة تراجعا في ثقة التونسيين في رئيس الحكومة..

• أما العنصر الأهم في هشاشات صاحب القصبة فهو ظهوره وكأنه وحيد في هذه الحرب فباستثناء رئيس الجمهورية لم يستفد احد من شخصيات الحكم من موجة التفاؤل هذه..بل لاحظنا أن منسوب الثقة في وزراء الشاهد البارزين ضعيف للغاية وهذا قد يضر بصاحب القصبة ذاته..

• لا شك أننا لا نشاهد تنافسا جديا بين راسي السلطة التنفيذية كما كان الحال كذلك زمن الترويكا آو في حكومة المهدي جمعة ..فانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من قبل الشعب أعطاه شرعية لا تضاهيها الا شرعية مجلس نواب الشعب..ولكن رغم ذلك من المهم جدا أن يشعر التونسيون بان الحرب على الفساد هي خطة الدولة بأسرها لا خطة الحكومة فقط والصعود اللافت هذا الشهر للرضا، على أداء رئيس الجمهورية يدل على أن التونسيين ، في عمومهم، يعتبرون أن الدولة موحدة في هذه الحرب وهذا يخدم الحكومة ويعضدها..

• الملاحظة الأخيرة تتعلق بالتراجع النسبي للثقة الكبيرة في بعض الرموز السياسية المحسوبة على محاربة الفساد (كسامية عبو ومحمد عبو ) وفي هذا دليل على أن التونسيين لم يعودوا يحصرون مقاومة الفساد في بعض رموز المعارضة فقط بل وكذلك في راسي السلطة التنفيذية مع أسبقية القرار والفعل بالنسبة لهذه الأخيرة على سلطة القول بالنسبة للمعارضين..
يبقى الآن السؤال الأهم وهو كيف سيتصرف رئيس الحكومة في ارتفاع منسوب الشعبية هذا وهل سيتمكن من المحافظة عليه لفترة طويلة أم لا ؟
أسئلة سنجد بداية الإجابة عنها في الباروميتر السياسي لشهر أوت القادم .

يتبع
تتابعون في عدد قادم
• نظرة التونسي وتقييمه للأوضاع
• أهم نجاحات وإخفاقات الحكومة
• التونسيون والعنف
• ثقة التونسي في المؤسسات والهياكل السياسية والإدارية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا