محاكمة قتلة الشهيد صالح بن يوسف: بين حقائق التاريخ وأوهام العقائديين

شرعت احدى الدوائر المختصة في العدالة الانتقالية في النظر في قضية اغتيال الشهيد صالح بن يوسف التي حصلت في أوت 1961 والمتهم فيها –

من بين المتهمين- جملة من رموز الدولة آنذاك وعلى رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة ، ورغم أن الدائرة القضائية المختصة قد أجلت النظر في هذا الملف إلا أن الجدال القوي سرعان ما عاد بين البورقيبيين وخصومهم حول احد أهم جراحات تونس المعاصرة .
شق يرى أن مجرد التفكير في محاكمة بعدية للزعيم هي انتكاسة وطنية وشق يعتقد أن زمن الثأر من «رجل» فرنسا الأول قد حان .

قد نكون مع أو ضد قانون العدالة الانتقالية وقد نكون مع أو ضد هيئة الحقيقة والكرامة ولكن الواقع المؤسساتي والقانوني هو الذي اخترناه بعد الثورة حتى وإن فقد زخمه الشعبي بمرور الزمن ولكن الإشكال لا يكمن في المؤسسات والقوانين بل في الأوهام العقائدية التي مازالت تحكم مخيال جل نخبنا الفكرية والسياسية .
والإشكال لا يكمن في محاكمة قتلة الشهيد صالح بن يوسف ، الإشكال الأكبر يكمن في كوننا مازلنا سجناء أوهام الإيديولوجيات الكبرى التي حكمت أواسط القرن الماضي .

بداية لا شيء يمنع قانونا أو أخلاقا محاكمة قتلة الشهيد صالح بن يوسف ولو أن تاريخ الجريمة يعود إلى 58 سنة خلت ، ولكن المحاكمة القضائية لا تعني المحاكمة السياسية لأن الزمن القضائي يتعلق بجريمة محصورة في الزمان والمكان بينما يريد المؤدلجون اليوم يمينا وشمالا تحويل المحاكمة القضائية إلى محاكمة سياسية لنظام بورقيبة أو استبعاد واستهجان المحاكمة القضائية حتى نبقي على نصاعة الأب المؤسس لتونس الحديثة ..

ما يعلمه الجميع هو أن صالح بن يوسف قد تم اغتياله يوم 12 أوت 1961 في نزل بمدينة فرنكفورت الألمانية نتيجة كمين نصبه له شخصان حاملان للجنسية التونسية وما نعلمه أيضا هو أن الزعيم بورقيبة قد أشار إلى هذا الاغتيال في احدى خطبه بمعهد الصحافة في 15 ديسمبر 1973 ودون أن يتبنى بوضوح عملية الاغتيال إذ قال بالحرف الواحد بعد أن ذكر أطوار استدراج صالح بن يوسف الذي كان يطمع في تنظيم عملية انقلاب على بورقيبة «وهكذا تخلصت تونس من تلك الحية الرقطاء»..

والآن بإمكان كل فقهاء اللغة والقانون أن يتجادلوا إلى ما لا نهاية له هل نحن أمام اعتراف صريح أم توصيف لواقع ليس إلا .. ولسنا ندري هل سيتمكن قضاء الدوائر المختصة من كشف وثائق جديدة توضح مصدر مخطط الاغتيال بصفة قطعية أم لا ..ولكن الواضح في هذه العملية بأن الاغتيال قد تم تدبيره والتخطيط له من قبل مسؤولين رفيعي المستوى في الدولة والمستبعد جدا في هذه الحالة أن يكون ذلك دون علم أو إذن صريح من «المجاهد الأكبر» ..

ولكن حتى في هذه الصورة وفي حال ثبوت جريمة الدولة بكل مقوماتها وان سلطة الاستقلال قد عمدت إلى تصفية خصم سياسي خارج دائرة القانون فهل يعني هذا أن ينقلب رأسا على عقب تقييمنا لمختلف أطراف النزاع ؟ وهل يصبح تبعا لذلك صالح بن يوسف ممثل الخط الوطني وبورقيبة رمز العمالة ؟ !
هنا نأتي إلى أوهام العقائديين من كل المدارس العروبيين واليساريين والبورقيبيين .

الثابتة الأساسية في التفكير العقائدي هي تقسيم القوى السياسية والاجتماعية والفكرية إلى معسكرين متضادين يمثل الأول الحق أو الثورة او الوطنية والثاني الشر والعمالة والخيانة .. في التفكير العقائدي لا مجال للمناطق الرمادية مطلقا .. هذا الخلاف الدستوري الدستوري حول السلطة وقيادة الحزب ومن ثمة قيادة البلاد بعد الاستعمار والذي سالت فيه دماء وتم التخطيط فيه لانقلابات ولمخططات اغتيال بما لا ينسجم مطلقا مع دولة القانون ولكنه كان ممارسة تلجأ إليها جل النظم القوية في تلك الفترة حتى لدى بعض الديمقراطيات التي ترسل بعض عملائها لتصفية عناصر تعتبرها خطرا على أمنها القومي ..هذا الخلاف الدستوري الدستوري تحول بعد عند نخبنا العقائدية إلى صراع بين الشق الوطني في الحركة الوطنية وعملاء ووكلاء الاستعمار وبالطبع وضعوا صالح بن يوسف في الخانة الأولى وبورقيبة في الخانة الثانية ، فالأول رفض وضع المستعمر يده على البلاد بصفة جديدة برفضه للاستقلال الداخلي وحتى للاستقلال التام الذي عد عند هؤلاء استقلالا شكليا يكرس التبعية نحو فرنسا ليس إلا ووضع بورقيبة في شق وكلاء الاستعمار وعرابهم الأول ..
يكفي لتبيان الخور الكلي لهذا التصور التذكير بان صالح بن يوسف كان وزيرا للعدل في حكومة شنيق سنة 1950 بتكليف من حزبه أي انه كبقية زعماء الحركة الوطنية لم يكن يعارض التفاوض والحلول الوسطى مع الاستعمار الفرنسي .

ولكن الأهم من هذا كله هو محاولة العقائديين احتكار قيم الخير والوطنية والنضال فبالنسبة للقوميين العرب مثلا ، لا يمكن لشخص أو لتيار لا يؤمن بالقومية العربية أن يكون وطنيا وان يخدم البلاد والعباد أو لمن لا يؤمن بالاشتراكية أن لا يكون في نفس الوقت عدوا للطبقات الشعبية الخ.. ولذلك تراهم يريدون أن يحولوا صراعات الماضي بما يخدم أوهام حاضرهم وان يسقطوها على واقع البلاد اليوم مثلهم في ذلك مثل دعاة الطهورية البورقيبية الذين يعتقدون أن وحدهم الدساترة خدموا البلاد وأنهم يحتكرون لأنفسهم صفة الوطنية وانه لا يجوز انتقاد الزعيم بورقيبة أو القول بأنه قد يكون اقترف أخطاء كبيرة في قضايا معينة أو أن حكمه كان حكم عبادة الشخصية والمحاكمات السياسية رغم أن خصوم بورقيبة ، قبل أتباعه، يشهدون له بأنه مؤسس الدولة الحديثة وانه قام بثورة اجتماعية لا نظير لها في العالم العربي .

لا شيء يمنع في العقل من أن يقدم زعيم وطني كبير على تصفية بعض خصومه خارج القانون أو أن يخطط زعيم وطني ذو توجه عروبي لانقلاب عسكري أو لاغتيال شخصيات الحكم ، فهل يجعل هذا منهم أشرارا؟ إنهم فقط بشر تصارعوا على السلطة وكانوا مستعدين لأجلها على الإتيان بأشياء تنكرها الأخلاق ويدينها القانون.. أو لم يتصارع صحابة النبي على السلطة وخاضوا حروبا أهلية كادت تقضي على دولة الإسلام الناشئة فهل يجعل هذا منهم أشرارا ومجرد متآمرين فقط لا غير..؟!

العيش في الماضي وبأوهامه وبجراحاته خلق في تاريخ الإسلام شرخا باقيا إلى اليوم بين الشيعة والسنة وحروبا دائرة على امتداد حوالي 15 قرنا .. فهل نريد في تونس أن نعيش نفس الشرخ إلى الأبد ؟ أليس بالأجدى أن نعرف حقيقة الاغتيال دون أن نسعى لمحاكمة دولة الاستقلال والتشكيك في كل ثوابت تاريخنا المعاصر ؟..هل نريد لشبابنا اليوم أن يقبعوا سجناء لأوهام شباب الستينات والسبعينات ؟
ما ينقص هذه البلاد هو قليل من العقلانية فقط لا غير ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا