رواق «مارينا» معرض «Bouts d’arts»: باحت المدينة بحكايات العشق وأسرار البحر في لوحات تشكيلية

جمعهم الفن التشكيلي، تماهوا مع الخطوط والألوان ليكتبوا حكاياتهم، اختلفت مشاربهم الابداعية وتوجهاتهم التشكيلية

لكنهم اجتمعوا حول الفن وجمالية الرسم والنحت وكل التلوينات الابداعية المنتصرة للحياة والانسان.
في رواق مارينا بالمنستير تنظم الجمعية المتوسطية للفنون التشكيلية معرضا جماعيا انطلق منذ السبت 7ماي ويتواصل الى غاية 28ماي جمع كلا من فيروز بوجدي ونادية شرفي وسامي بشير ومحمد الفارس ونجيب الركباني والمعرض هو «فرصة ليجتمع ابناء الجهة ويتبادلوا خبراتهم الفنية، هي فرصة لنعرف بابداعات ابناء الجهة وفنانيها» حسب تعبير رئيس الجمعية الفنان التشكيلي محمود قفصية.
سامي بشير: الشعر مساحته اللونية المغرية
بين الشعر والرسم خيط نور رفيع أتقن سامي بشير المسك به وتطويعه لانجاز أعماله الإبداعية، في لوحاته يكتب الكثير من الشعر، يبوح الأزرق بأسرار البحر ويكتب الأخضر إلياذة حبّ أبدية، في لوحات سامي بشير يمتزج الرسم مع الشعر فتكون القصيدة لوحة عريضة مستطيلة تبوح بخبايا العشاق وحكايات المكان وأسرار السابقين.
الشعر ذاك العالم الغامض يغوص فيه سامي بشير يستشف معانيه ويحول كلماته ومعانيه الى الوان ليقدم تنصيبات ولوحات كبيرة الحجم مسكونة بأثر الشعر، في المعرض الجماعي يشارك سامي بشير بمجموعة من الأعمال جميعها تحت مسمى «الشعر»، لوحاته مسكونة بحركات التموّج تشعر متأملها انه بصدد الرحيل إلى أعماق البحر ومنه إلى ابعد النقاط الشعرية، سامي بشبر أحب المنستير فرسمها، سكنه بحرها وزرقتها فحولها الى الوانه الزيتية يشاكسها كما طفل يمعن في اللعب، لوحاته كبيرة الحجم خلفها روح مرحة وفكر تواق للبحث والتجديد في طريقة الرسم والتعبير، يختار معانيه الفلسفية انطلاقا من الشعر ومن الالوان يرسم افكاره ويزين عالمه بتموجات الأزرق الممتدة.
الازرق سيد الأعمال يتقن الفنان التعامل مع مساحته اللونية، يحسن المرور من الأزرق وأسراره الى الأخضر وحكاياته يستطيع الدمج بينهما ببراعة، للبني حضوره في اللوحات المعروضة أيضا كان الفنان يذكر دوما بالأرض، الأصل والمنشأ، لوحات سامي بشير عبارة عن متحف مفتوح للتامل والتمعن في جمالية الأزرق وامتداده، لوحاته لها أبعاد دلالية وتشكيلية توغل في الشاعرية، اعمال تنتصر للحياة ولتدرجات ازرق السماء والماء وامتداد الحلم، هي خلجات النفس تقول:

ما زِلتُ أَطفو في بِحارِ الهَوى
يَرفَعُني المَوجُ وَأَنحَطُّ
فَتارَةً يَرفَعُني مَوجُها وَتارَةً أَهوي وَأَنحطُ
حَتّى إِذا صَيَّرَني في الهَوى إِلى مَكانٍ ما لَهُ شَطُّ
نادَيتُ يا مَن لَم أَبُح بِاِسمِهِ وَلَم أَخُنهُ في الهَوى قَطُّ
تَقيكَ نَفسي السوءَ مِن حاكِمِ ما كانَ هَذا بَينَنا الشَرطُ

فأعمال سامي بشير توليفة جميلة بين الشعر والرسم، ينتقل بين العالمين بسلاسة العشاق ومهارة الفلاسفة وذكاء الأطفال، فنان يتقن استعمال لوحته اللونية والتحكم في مشاعر متاّمل العمل التشكيلي.
النساء حارسات البحر وذاكرته لدى فيروز بوجدي
امرأة شامخة، أحبت البحر، سكنها حد أن أصبح وسيلتها للرسم والكتابة، فنانة تشكيلية حوّلت المدينة إلى لوحة تشكيلية مبهرة موشاة بأبهى الألوان، هي امرأة تدافع عن الأنثى بالفن، تراها ثائرة وجميلة وترسمها شامخة دوما، احبت مدينة صيّادة (ولاية المنستير)الصغيرة، تماهت مع المدينة لتحولها الى لوحات تشكيلية تتغنى بالمراة والسمكة، هي الثنائية الجميلة الموجودة في لوحات الرسامة فيروز بوجدي.
من اسمها أخذت الفنانة الكثير من الجمال طبعت به أعمالها، اللون الأزرق يتوزع على كامل الأعمال مع وجود المرأة والسمكة، ثنائية متلازمة تبدع فيروز في تشكيلها حسب المعنى المراد رسمه أو خلجات الروح الراغبة في البوح بها.
من «منامة» تبدأ قصة امراة عشقت البحر وحلمت بدخول أعماقه، لوحة صغيرة الحجم، تأخذ المرأة الحيز الأكبر فوقها أربع سمكات صغيرة، زينتها ذهبية مغمضة تحلم بالدخول تحت الماء، توزع الفنانة الألوان المتنافرة فتجمع الذهبي مع الأزرق والبني والبنفسجي لتصنع منها «منامة» جميلة ومختلفة، توغل في الحلم، توغل تحت الماء لينتشر اللون الأزرق أكثر على المساحة التشكيلية للعمل فتقابلك لوحة «حلم» تتوسطها امرأة جميلة تغوص تدريجيا تحت الماء لتستكشف العالم المعشوق،تصبح المراة في مستوى اكثر عمقا من السمكات وكأنني بالرسامة تقول ها قد حققت حلمي ورسمت مدينتي المعشوقة كما أراها، ها أنني أبدع في مسك الألوان وتوزيعها كطفلة تبحث عن أصداف البحر لتصنع قلعتها المميزة والرسم قلعتي اليها اهرب من صخب الحياة وآلامها، فارسم البحر والأنثى والأسماك وبينهما الورود والحب.
تراقص اللون الأزرق، تنصت لهمسات الأمواج وتحولها الى تميمة تزين أحلامها، تلتقط احاديث الصيادة تعيد صياغتها في أعمالها التشكيلية المسكونة بالبحر، تمتد العين لتستشف أسرار اللوحة وتفاصيلها، الأزرق بتدرجاته يشد انتباه متأمل العمل التشكيلي، المرأة جزء أساسي بل تميمة النجاة في أعمال فيروز بوجدي، ترسم ذاتها، وترسم نساء اثروا في حياتها، ترسم الأنثى الحالمة والمغامرة، ترسم الصيادة الجريئة الملتحمة بموج البحر وملحه، ملح يكون زينة العمل التشكيلي عبر مسحة من البياض توزعها الفنانة على عملها.
من «الحلم» إلى «الولادة» ولادة مختلفة تكون داخل الماء لا فوق الأرض تعكس الفنانة طبيعة الحياة فتجعل المرأة داخل الماء والسمكة خارجها للإشارة للتماهي العجيب بين نساء صيادة والبحر، تلك العلاقة الوطيدة كما الولادة، في العمل يصبح البحر كروي الشكل يشبه الارض او وضع الجنين داخل رحم امه، قبل ان تكون عملية الولادة التي ترسمها الفنانة بالوان مميزة يمتزج فيها الازرق مع الزهري والاحمر والاخضر، تتمازج الالوان في خيلتها لتحولها الى تميمة تسعد العين وتدفع بالفكر لطرح الكثير من الاسئلة حول البحر وحكاياته التي لن تنفذ طالما هناك ريشة تتقن التقاط لونه وأغانيه وهمساته الصاخبة كما تفعل فيروز بوجدي.
في لوحاتها المرأة موجودة دائما ترافقها الحوتة، عن تجربتها تتحدث فيروز بوجدي للمغرب «أصولي تعود إلى صيادة، مدينة عشقتها و منذ الزواج حدثت الثورة الذاتية التشكيلية كنت اشتغل على التجريب لكن أصبحت اعمل على المرأة الصيادية، أول عمل أنجزته في المسار الجديد كان صورة لجلوة المرأة الساحلية والحوتة التي تعلق أثناء التجلّي، من هناك بدأت المرأة تطورت معي وحياتي ومسؤولياتي، أصبحت المراة المفكرة، فرحة، المتعبة وفي كل حالاتها يوجد الحوار بين السمكة والمرأة، فالسمكة تجلب المرأة لعالمها».
تجربة يمكن تلخيصها بالقول أصبحتُ في عالم صيّادة، سعيدة جدا بالمدينة حد أصبحت جزء من رقصات الريشة وترنيمات الألوان.
في امتزاج الخط والفكرة لدى اعمال محمد الفارس
تتوسط أعماله المعرض، صورة تقابل الباب وتشد الزائر، جذب مغناطيسي يشكله الأسود والأبيض، صورة محمد الدغباجي ورفاق الكفاح، وحين الاقتراب أكثر إلى اللوحة يكتشف الزائر أنها مجموعة من الأوراق وطريقة توزيع اللونين الأسود والأبيض جمالية العمل، «مواجهة» هو عنوان العمل للرسام محمد فارس، مواجهة مع الظلم والظلامية، مواجهة ضد الديكتاتورية وضد التهميش، طريقة توزيع الألوان تكاد تكون رصاصات تخترق العمل ومنه قلب الوجه المرسوم.
محمد الدغباجي بنظراته الثاقبة ورأسه المرفوعة وشاشيته الحمراء القانية كما الدماء، خلفه رفاق السلاح والكفاح، مواجهة لوحة تنتصر للوطن والوطنية، عمل له موسيقاه المميزة وطريقة توزيع اللونين الأبيض والأسود والإتقان في دمجهما شكلا سيمفونية مشاكسة عجيبة وطاقة جذب تشد انتباه الزائر إلى العمل.
محمد الفارس فنان تشكيليو استاذ جامعي بالمعهد العالي للفنون الحرف بالقيروان، له تجارب تشكيلية مختلفة، يميل الى التجديد وصناعة المختلف دائما «اعتمدت تقنية جديدة بالنسبة لي اذ عملت على التلقائية و انسيابية الخط ثم حصر الاشكال والموضوع لحين الحصول على الشكل النهائي، انشائية العمل مع انسيابية الحركة صنعت هذه اللوحات المشاركة في المعرض وهي الهائمات والمواجهة وتجلية» حسب تعبيره.
إلى جانب لوحة الموجهة توجد لوحة «الهائمات»، تقريبا ثلاث هيئات لنساء في وضعيات مختلفة المفكرة، والمنشغلة، الهائمة هو تجسيد لوضعية المرأة اليوم اعتمد في الرسم الكثير من الخطوط مع استعمال مكثف للأبيض والأسود ودمج الأزرق مع الأصفر والبني وقليل من الأحمر والبني تشكيلة لونية هي جزء من قصص النساء واسرارهنّ فلكل خطّ حكاية وحدها المراة تستطيع فك شيفراتها.
النساء في لوحات محمد الفارس مفكرات وحالمات، التقطت ريشة الفنان أحلامهن وحولها إلى لوحاته التشكيلية، أنصت إلى قصصهن وصنع منها الوانه المختلفة، ألوان تريح العين أثناء تأمل العمل وفي الوقت ذاته تفتح أبواب السؤال.
منحوتات نادية شرفي: المرأة لينة كما الطين
تنصت اليهنّ إلى حكاياتهنّ تحول الوجع إلى طين تعجنه وتعيد تشكيله في أعمالها التشكيلية، نادية الشرفي صنعت من الطين أعمالها الفنية التي شاركت بها في المعرض التشكيلي برواق مارينا، هي امرأة تحسن الإنصات إلى أوجاع النساء، تعرف جيدا متى يكون الطين سلسا كحكايات العشق ومتى يكون قاسيا موجعا مثل الم الفراق ومنهما تشكّله لتنصهر الفكرة في قوال الطيب وتصنع الفنانة أعمالها.
تشترك أعمالها المشاركة في المعرض في رؤوس ووجوه نسائية ناصعة البياض كأنها تخلو من الخطيئة والأفكار وتختلف في الدلالة فتصعب العينين أو يكمم الفم او توضع المسامير في أجزاء كثيرة من الرأس عمل «وساطة»، مسامير المجتمع والعادات والخوف وكثرة القيود المسلطة على الأنثى تصيغها نادية الشرفي من طين وتتقن توزيعها في حقلها الدلالي الرافض لتقييد المرأة او الحد من قدراتها الفكرية، فالمرأة جامحة كما الحلم.
رحم المرأة عش للحياة، عقلها عش للأفكار، قلبها عش للعشق والحبّ، جسدها عش للجمال ولكل مساحة في جسد المرأة تعبيرتها الخاصة وعشّ أكثر خصوصية هكذا هي المرأة كما نحتتها في «عش» ناصعة البياض ضخّمت تفاصيلها الصغيرة لتبدو اكثر وضوحا، أنصتت لجسدها وحكاياته و نفخت في الطين الحياة لينتصر للمراة كيانا وجسدا وروحا، فالمرأة مانحة الحياة تتماهى مع نادية الشرفي مانحة الحياة للطين، منه تشكل منحوتات تنتصر للمرأة وللجمال.
المدينة توليفة الفكرة والخط لدى نجيب الركباني
يوغل في السريالية والتجريد وفي الوقت ذاته تتميز لوحاته بالكثير من الواقعية، يتقن التعامل مع مساحاته البيضاء ومزج الألوان المختلفة ليؤثث فضاءه التشكيلي، المدينة بخطوطها ومنحنياتها هاجسه الأول يرسمها انطلاقا من خط ولون لتكون النتيجة لوحات تنفتح على المعاصرة وتنتصر للهوية العربية الإسلامية بزينتها وزخرفها ونقائشها، مدينة نجيب الركباني المرسومة تختلف عن بقية المدن، فمدينته موقف تشكيلي فريد هو في النهاية انتصار للذات والإنسان، مدنه المرسومة خليط من الماضي والحاضر، يستطيع الرحيل الى الذاكرة يأخذ منها بعض الصور يعيد تشكيلها في لوحة بتقنيات تواكب العصر فيكون الفضاء التشكيلي ثري يجمع الماضي والحاضر في عمل صاخب بالألوان.
نجيب الركباني فنان متلون، رسام ماهر له قدرته الخاصة على تطويع اللون والذاكرة وصناعة تحفه الفنية، فأعمال الفنان نجيب الركباني تستدعي الوقوف على اكثر من موقف تشكيلي وعلى أكثر من فضاء للماضي والحاضر، أعماله مزيج من المقترحات التشكيلية تنطلق من مناخات متعددة ذات أبعاد صوفية وتراثية وذات أبعاد معاصرة متعلقة اشد التعلق بالهوية، في اشتغاله على المدينة تتضح المشاهد فيتأثث الفضاء المحيط بالعناصر الأساسية التي ينتقيها الفنان أو تلك التي تخرج منه دون موعد وهي نتيجة حالات في لا وعي الفنان كما كتب عنه الفنان محمد قفصية.
مدن نجيب الركباني خليط من التصوف والنوستالجيا وعمق الحضارة العربية الإسلامية بكل ما فيها من هندسة معمارية فيجتمع الزخرف والرقش والنقوش لتصبح علامات تشكيلية، اللوحة لديه نافذة على الإنسانية بل هي وسيلته ليرحل إلى عوالم أكثر امتدادا، فيرسم التجويفات المطلة على البحر بالونها الرمادية الداكنة ويرسم معها طائر الغراب والساعة وكأنّ بالرسام يريد ايقاف عقارب الساعة ليسال الغراب كم مظلوما دفنت وكم ظالما أصبح سيدا لتلك الزرقة المطلقة أقصى اللوحة، يرسم الهدهد ينظر إلى القباب الذهبية اللون، الهدهد الحكيم يجعله الرسام صوت للجمال والتاريخ في لوحته التي تتداخل فيها الأشكال الهندسية لتأثيث الفضاء التشكيلي المنتفح على العالم والانسان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا