أوذنة تحث الخطى نحو التراث العالمي: ما ظهر منها فتن وما خفي من معالمها وأسرارها أجمل !

لئن كان الصمت في حرم الجمال جمال، فلاشك أن الوقوف في حضرة أوذنة يستدعي خشوعا وتسبيحا في محراب معبد الكابيتول، وانبهارا

وإعجابا أمام روعة لوحات الفسيفساء، وفتنة ومتعة على مدارج مسرح عريق... كل هذا وأكثر يأسر الزائر لموقع «أوتينا» ولكنه يزيد من حيرته ودهشته حين يعلم أن السواد الأعظم من معالم المدينة الممتدة بين الهضاب والسهول لازال خفيّا تحت التراب ومستترا عن العيون... وما خفي كان أعظم!
نظّمت وكالة إحياء التّراث والتنمية الثقافية تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وبالتعاون مع المعهد الوطني للتّراث، زيارة ميدانية لموقع أوذنة الأثري تخلّلتها محاضرة تحت عنوان»موقع أوذنة: تاريخه، معالمه وآفاق تنميته» بإمضاء الدكتور نزار بن سليمان.
أوذنة مدينة الفسيفساء وعاصمة الكابيتول
على خطى الأوّلين وفي اقتفاء لآثار الأسلاف، كانت الزيارة الميدانية إلى أوذنة مرفوقة بإضاءات محافظ الموقع الدكتور نزار بن سليمان الذي أطنب في بسط مكوّنات المدينة الساحرة وسرد فصول حكاياتها عبر تعاقب الحضارات و بوصلة التاريخ.
على ربوة التلال وفي انبساط الهضاب، تتربع أوذنة على الطريق الرومانية التي تصل قرطاج بتبوربومايوس (الفحص) مرورا بمكسولا (رادس)، على بعد حوالي ثلاثين كيلومتر من الضاحية الجنوبيّة الغربيّة لمدينة تونس. ويبدو أنّ تأسيسها يعود إلى العهد اللوبيّ (أو البربري) كما يدلّ عليه اسم المكان القديم «أوتينا». .وشاءت تقلبات التاريخ أن تصبح بونيّة ثم رومانية قبل سيطرة الونداليين والبيزنطيين عليها لفترة قصيرة – حوالي قرن في كلّ مرّة – وقبل تقهقرها النهائي بعد الفتح العربيّ في القرن السابع.
يكفي أوذنة فخرا وشرفا وجمالا، أنها زوّدت متحف باردو بأروع لوحات الفسيفساء المعروضة بقاعة أوتينة. وليس من الغريب أن تكتنز أوتينا هذه الثروة الفسيفسائية كزينة لبلاط منازل أثريائها وقد كانت إحدى أهم المدن بالمقاطعة الرومانية الإفريقية التي عرفت نموّا ورخاء خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد، حيث يرجع بناء أغلب معالمها الكبرى.
في محاولة لكشف معالم المدينة الشهيرة، انــطلقت الحفريات الأولى في أواسط القــرن التاسع عشر وبالتّحديد سنة 1845، وفي 24 ديسمبر 1992، استهل مشروع ترميم وصيانة الموقع، وانطـلـقـت أشغــــال الحفـــر والتّـرميــم يوم 8 فيفري 1993 وهي مستمرّة إلى حدّ الآن.
ولعل من أهم وأجمل مواقع أوذنة الكابتول الذي يعتبر أكبر معبد بشمال إفريقيا الرومانية -إذا ما استثنينا كابيتول قرطاج- الذي يوجد جزء هام من بقاياه تحت كاتدرائيّة قرطاج  حاليّا. وتجدر الإشارة إلى أن لهذا الكابيتول خاصّية لا توجد في المعالم الأخرى الشّبيهة به ألا وهي احتواؤه على ثلاثة طوابق سفليّة (مازالت على حالة معماريّة شبه جيّدة)، وقد شيّدت فوق هضبة صغيرة وذلك لتعطي المعلم الإرتفاع المنشود، ولتمكّنه من الإشراف والسّيطرة على كلّ السهول المحيطة به. ومن بعيد يطالعنا الكابيتول ويلوّح لنا بأن نعود إليه دائما زائرين ولا ننسى العهد والوعد !
أوذنة: نافذة على التنمية والثقافة والسياحة
«أوذنة» أو «أتينا»... قد تختلف التسمية والنتيجة واحدة: مدينة ساحرة! وهي المدينة المدينة المزهوة بجمال وجهها المكشوف والغامضة بإخفاء باقي جسدها عن العيون. إن ما يرى من أوذنة اليوم من كابيتول ومسرح وآثار ديار وحمامات ليس سوى جزء بسيط من مدينة كبيرة امتدت على آلاف الهكتارات وترعرعت في أحضان سهول خصبة وحنايا مياه لا تنضب.
وفي انتظار إماطة اللثام عن آثار مخفية تحت التراب وإخراج المعالم المطموسة بفعل عوامل الزمن إلى النور، يبقى الرجاء في إيجاد التمويلات الكافية لاستئناف أشغال الحفر والتنقيب حتى تخرج لنا أوذنة في أكمل حلتها وتبوح لنا بما خفي من أسرارها.
ولئن يملك موقع أودنة اليوم مقوّمات الموقع الأثري والطبيعي في آن واحد، فإنه في حاجة إلى دعم واجهته كمنتزه أثري طبيعي سيما لقربه من العاصمة وسهولة الوصول إليه.
وقد ساهمت أشغال ربط الموقع بالشبكة الكهربائية وتزويده بالماء الصالح للشراب وتحسين الطريق المؤدية للموقع وتركيز إنارة عمومية في الرفع من معدل الزيارات السنوي لأوذنة من 12 ألف زائر في السنة إلى حوالي 15 ألف زائر سنة 2019.
وكما قاومت أوذنة الغزاة على مر التاريخ ورفعت رأسها إلى عنان السماء حتى تبقى خالدة الأثر وباقية الاسم، فإنها عادت لتنفض غبار الهجران والإهمال عن معالمها ولتستعيد جمهور مسرحها العتيد، وذلك بتنظيم الدورة الأولى لمهرجان أوذنة الدولي في صائفة 2019. وكما عرف مسرح الجم بمهرجان الموسيقى السمفونية، فإن أوذنة قد تحتاج إلى مهرجان خصوصي يثبت أقدامها في تربتها ويجعلها وجهة ثقافية وسياحية تصل الماضي البعيد بالحاضر القريب.
يحق لأوذنة وهي مدينة الفسيفساء والأحياء الراقية والحمامات والفسقيات والمعالم الشامخة... أن تتطلع إلى قائمة التراث العالمي وأن تحث الخطى نحو أعتاب اليونسكو بكل ثقلها الثقافي والحضاري وموقعها الاستراتيجي والشاعري... سيما بعد أن تكشف عن دررها المكنونة وكنوزها المحفوظة في باطن الأرض، في قلب التاريخ.

• كواليس وأصداء
• قامت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بتشريك اتحاد الفنانين التشكيليين وذلك بتنظيم معرض فني بالموقع ضمّ لوحات تشكيلية عن أوذنة بعيون الفنان وريشة الرسام.
• من المنتظر أن تطلق بلدية الخليدية اسم الراحل حبيب بن حسن حسين على أحد الشوارع والمهرجانات تكريما لجهوده في اكتشاف موقع أوذنة وإخراجه من العتمة إلى النور.
• طالب المجتمع المدني وزارة العدل بالتراجع عن تسمية المؤسسة السجنية بالجهة بـ«السجن المدني بأوذنة» حتى لا يضر ذلك بسمعة الموقع السياحية والثقافية.
• تمت المطالبة بتنشيط الحركة الاقتصادية بالجهة من خلال ربطها بحركة النقل العمومي وإحداث نزل ووكالات أسفار ومحلات تجارية وخدماتية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا