ممثل يتعرّى على الركح في أيام قرطاج المسرحية: انقسام بين الإدانة والمساندة... حرية الإبداع على محك الاختبار!

الجسد العاري ليس بدعة في تاريخ الفنون، وهو ما تعكسه جداريات الكهوف وتماثيل الآلهة العارية

والمنحوتات المتجردة من الثوب منذ قدم البشرية. وإلى اليوم، يحضر هذا الفنّ العاري في موديلات الرسم ومشاهد السينما وفصول المسرح في كلّ أصقاع العالم . وفي تونس أيضا وفي الماضي القريب ظهر الفنان رشدي بلقاسمي عاريا في فيلم «حبّ الرجال» للمخرج مهدي بن عطيّة، ولم يتوان نصر الدين السهيلي في فيلمه الأخير»لقشة من الدنيا» الذي عرض بأيام قرطاج السينمائية عن إظهار بطل فيلمه الوثائقي عاريا في الحمام... فلماذا أثار مشهد تعري الممثل السوري على ركح أيام قرطاج المسرحية كل هذا الجدل وكلّ هذا الصخب الى حدّ الانشقاق والانقسام ...
في الوقت الذي يدافع فيه الممثل السوري «حسين مرعي» عن خياره الواعي في الظهور عاريا في مسرحية «يا كبير»على ركح مهرجان أيام قرطاج المسرحية بقوله بأن الجسد مجرّد تفصيل صغير أمام قوّة الرسالة الفنية التي مفادها بأننا كلّنا عراة أمام الديكتاتورية وقبح الإنسانية ... لم يتوّقف الصخب حول هذا المشهد الذي أحدث الضجة وأسال الحبر الكثير وغطّى على بقية فقرات المهرجان من مسرحيات وندوات...

إدارة المهرجان تدين وتتملّص من المسؤولية
بعد ان انفلت العرض المسرحي «يا كبير» من خشبة المسرح ليتصدر اهتمام صفحات التواصل الإجتماعي ويحدث الجدل ما بين إدانة ومساندة... لم يطل صمت الهيئة المديرة طويلا حيث أصدرت مساء الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 بلاغا جاء فيه ما يلي : «تعبّر الهيئة المديرة لمهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورتها العشرين عن إدانتها ورفضها للممارسة الفردية التي قام بها الممثل المسرحي في العرض السوري الألماني «ياكبير» بفضاء المسرح البلدي مساء يوم الاثنين 10 ديسمبر 2018. وما قام به الممثل المذكور لا يتضمّنه شريط الفيديو الذي اعتمدته لجنة اختيار العروض لبرمجته في إطار برنامج عروض المهرجان وهو ما يعدّ ممارسة فردية معزولة لا مسؤولة قام بها الممثل مخلاّ بالعقد الأخلاقي الاحترافي المهني الذي يستوجب الالتزام الحرفي بتفاصيل العرض المقدّم كما وصل إلى إدارة المهرجان».

وأكدت الهيئة المديرة التي يترأسها حاتم دربال «أهمية الحفاظ على مبدإ وضمان حرية الإبداع والتعبير كما ينصّ عليها دستور الجمهورية ولكن وفق الأعراف والمعايير المتفق عليها والمعمول بها».
ولكن صدور هذا البيان لم يوقف الجدل ولم يضع حدا للاختلاف في تقييم مشهد التعري بل تسبّب موقف الهيئة المديرة للمهرجان في قدح شرارة السّجال وإحداث الانشقاق حتى في صفوف النخبة المثقفة التي انقسمت بدورها بين إدانة البلاغ والدفاع عنه...

انشقاق في صفّ المثقفين بسبب مشهد العري
«بلاغ جبان، موقف مخجل، أحكام أخلاقوية... « هكذا تم توصيف بيان هيئة إدارة أيام قرطاج المسرحية بخصوص العرض السوري الألماني «يا كبير» وما تضمنه من مشهد عري. وفي هذا السياق علّق الروائي شكري المبخوت كالآتي: «علينا ألاّ نرضخ للذوق العامّ وما يريده الجمهور وما يرفضه فجسد مؤدّي الدور في المسرح ليس هو جسد الشخص الذي يمثّل إنّه جزء من جماليّة تتجاوزه وعلامة في سيميائيّة النصّ. أرفض هذه الشعبويّة وأدينها بدوري خصوصا لدى جمهور لا يذهب إلى المسرح ولا يدرك قوانينه الجماليّة وقواعد إنتاج الدلالة فيه. انظروا إلى البذاءات التي يستهلكها الناس في التلفزيون والفحش الذي يشاهدونه سرّا في بيوتهم ثمّ تنزل عليهم بغتة الأخلاق الفاضلة والحميدة.
ليس لحرّيّة الإبداع حدود إلاّ حدود العمل الفنّي ذاته ومن يخشى على أخلاقه الرفيعة من الخدوش فلا يدخل المسرح «البذيء».كفانا مجاملة لمن لا يملكون ثقافة فنّيّة».

وكان لأستاذ الجماليات المسرحية الدكتور عبد الحليم المسعودي رأي آخر في الموضوع إذ كتب في مقال بحثي مطوّل بعنوان «التّعري والمسرح والجدل الضائع» ما يلي: ونحن نتابع الجدل حول حادثة تعري الممثل فوق خشبة المسرح البلدي في المسرحية الألمانية – السورية في مهرجان أيام قرطاج المسرحية، وردّة الفعل العنيفة حول نص التوضيح الذي نشرته الهيئة المديرة للمهرجان ، والذي اعتبره توضيحا رجعيا يتعارض مع مبدإ حرية الإبداع و التعبير،و نوّد الإشارة إلى أن نص البيان لم يعارض المسرحية وفحواها ولم يمس في نظرنا بالمبدإ السّامي لحرية التعبير والإبداع التي كفلها الدستور بل أوضح أنه عبّر عن تفاجئه حيال العرض الذي كان من الممكن أن يضمن على الأقل شروط عرضه للجمهور كأن ينبه أنه عرض محظور على الصغار في السن أو يحتوي على مشاهد قد لا يتقبلها المتلقي، علاوة على إشارته لخرق الفرقة للاتفاق الأخلاقي الذي بموجبه التزم أصحاب العرض بما وعدوا به من خلال الفيديو الخالي من لحظة التعري التام فوق الركح ...وبالرغم من أنني لم أشاهد العرض المتعلق بمسرحية « يا كبير « لهذه الفرقة السورية الألمانية وبالرجوع إلى حادثة التعرّي على المستوى المبدئي في المسرح، فإني أعتبر أن المسرح أصلا هو فن التعري بامتياز بالمعنى الحرفي والاستعاري لأن الفن لا حدود له ولا رقابة على فضاءاته الفكرية و الجمالية. وبخصوص التعري الجسدي الحقيقي فهذا أمر أساسي في المسرح خاصة وأن رأس المال الرمزي هو جسد الممثل شريطة أن يكون هذا التعري مبررا و مقصودا من الناحية الدرامية والجمالية ولا نقاش في ذلك ولا مزايدة، وإلا تحوّل التعري في المسرح إلى جنس فرجوي آخر هو أقرب لفن «الستربتيز» وهذا أمر آخر».

رأي نُقّاد المسرح في مشهد التعري
كيف يقيّم عضو لجنة المشاهدة وانتقاء العروض الناقد المسرحي محمد مومن مشهد التعري في المسرحية السورية الألمانية هل هي ضرورة جمالية أم إساءة مجانية؟ يجيب في تصريح لـ»المغرب» بالقول: « لابد من التأكيد أن هذا المشهد لم يرد علينا أبدا في ملف الترشح بما في ذلك جزؤه المصوّر للمشاركة في عروض أيام قرطاج المسرحية. وإن كنا نعتبر أن المسرح هو اللقاء بين الممثل والمشاهد، فعلى هذا الممثل أن يستعد جيّدا لمصافحة جمهوره حتى لا يسأم ولا يضجر ولا ينزعج... فهل توّفر هذا في العرض السوري الألماني «يا كبير»؟ حتما لا. فإن كان الممثل يوصف بأنه «سيّد الركح» فهذه السلطة لا تمنحه حق الاعتداء على الآخر... بل عليه أن يحترم الضوابط الأخلاقية للمتابعين للعرض. وأعتبر أن ما قام به الفنان من فعل التعري الكامل على الركح ليس سوى ضرب من الحيوانية ولا علاقة له بحرية التعبير وإبداع الفن. وبعيدا عن أطروحة الجسد الحرّ التي أكل عليها الدهر وشرب فإن هذا التصرف اعتداء سافر على الذوق والفكر لأنه لم يحتكم إلى العقل».

لا يمكن الحكم على مشهد التعري بالإدانة أو المساندة إلا بمشاهدة المسرحية حسب الناقدة المسرحية فوزية المزّي التي واكبت مهرجان أيام قرطاج المسرحية منذ النشأة إلى اليوم والتي صرحت لـ»المغرب» بالقول: «إنّ العري على الركح مسألة حساسة في المطلق ولا يمكن أن نحكم عليها بالإدانة أو المساندة إلا متى توفر شرط مشاهدة العرض. وذلك لتنزيل مشهد التعري في أطره الجمالية والفنية وموقعه في الكتابة الدرامية والمقاربة الركحية حتى نضعها على المحك النقدي. وقد سبق وأن كان المسرح ركحا لتعبيرات الجسد العاري كما هو الشأن في شتّى الفنون... ومتى كان الطرح الجمالي والفنّي للجسد بعيدا عن المنطق الاستهلاكي والعرض المجاني، فإنّ ذلك لا يقلق الجمهور مهما كانت درجة تحرره أو تحفظه حتى وإن كان هذا الجسد في أقصى تجليّات جرأته. أما على المستوى الإجرائي، فقد خالف هذا العرض شروط الترشح حيث لم يشر إلى مشهد التعرّي بما هو لحظة قوية وحساسة فنيا واجتماعيا وثقافيا... أقامت البلاد ولم تقعدها. ولهذا أعتبر هذا السلوك قد خالف الدقة الإجرائية لعقد المشاركة بل كان بمثابة «التحيّل» والمغافلة لهيئة المهرجان. لهذا فإني أعتبر هذا العرض قد خالف أخلاقيات التعامل مع مهرجان أيام قرطاج المسرحية».

يحتد النقاش ويتواصل الجدل حول مشهد تعري الفنان على خشبة المسرح وسط مخاوف بعودة الرقابة على الفن وإعادة التربص بحرية التعبير والإبداع التي كانت مكسب الثورة الأكبر والأبرز...ألم يجبر الضغط والإكراه سابقا المخرج التونسي نجيب خلف الله على سحب عنوان مسرحيته «ألهاكم التكاثر» !؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499